السودان .. التطبيع أم التوقيع على بروتوكولات ترامب؟

29 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

في واحدةٍ من محطات الانحطاط الدبلوماسي، مارس الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حيل الابتزاز على الهواء، ليدفع السودان، المغلوب على أمره في ظل حكومة اليسار الليبرالي، إلى التطبيع مع إسرائيل اليمينية، ممنياً إياه بحياة سياسية واقتصادية مستقرة، ومذكّراً بأخرين يأتون للحاق بركب التطبيع الذي يُسوّق، هذه الأيام، أنه العصا السحرية التي ستقلب الأوضاع، وتحيل حياة المواطنين إلى نعيم. كذب. هذا الأمر لن يحدث، من دون أن نقرّر مواجهة مشكلاتنا الداخلية بالشجاعة والنباهة اللازمتين.

المهزلة الإعلامية التي أقامها ترامب باستضافة رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، ورئيس حكومة الاحتلال، نتنياهو، تلفونياً لا تعدو كونها دعاية انتخابية بئيسة. لم يكن السودان يوما في معركة مع إسرائيل، كانت هناك مجرّد تجاوزات قام به رجال النظام السابق، تمثلت في تمرير أسلحة إلى حركة حماس، سرعان ما تراجعوا عنها مؤثرين درب السلامة!

لقد ثار الشعب السوداني ضد دولة عنصرية تعتمد في تأليبها الرأي العام على الخرافة، موظفة أوهاما عرقية، ومستفيدة من هوس ديني شائع. هل، يا ترى، فعل ذلك ليجد نفسه في خانة التوافق مع دولةٍ عنصريةٍ تقوم على أوهام توراتية، وتؤيد قيام نظام للفصل العنصري، هو الأخير من نوعه على ظهر البسيطة؟ تنطلق إسرائيل من استراتيجية توسعية (بالمعنيين، العسكري والتجاري)، فيما ينطلق الآخرون من أوهام. لم يحدث لإسرائيل أن تبادلت معلوماتٍ أمنيةً مع "دولة صديقة" إلا في ما يخص الناشطين الديمقراطيين، ولم يحدث لها أن شاركت في مؤتمرات علمية أو عقدت شراكات تجارية أو أمدّت الأفارقة العرب بمعلومات من شأنها أن تدّعم الوضع الاقتصادي، أو ذاك الإنساني، لأي من تلك البلاد، فلا جديد تحت الشمس ..

هل يمكن للتطبيع أن يقود إلى سلام مستدام في المنطقة، وما هي الشواهد، لا سيما أن إسرائيل دولة مارقة عن الإرادة الدولية؟

الآن وقد أصبح التطبيع واقعاً، هل سيستقيل البعثيون والناصريون، ومن لف لفهم من اليساريين المفلسين من الحكومة، أم إنهم ينتظرون إشارة من قيادتهم القطرية في سورية والعراق؟

لا يحتاج الرئيس السوداني، أياً من كان، أن يقف أحدب، أو أن ينفزر فيرقد أرضاً، يحتاج فقط إلى استراتيجية تنمية وطنية يحدّد، على ضوئها، مساراته السياسية والدبلوماسية. هل نحن في انتظار البعثة الأممية، أم أنه يمكننا الاستفادة من الطاقات السودانية؟ يحتاج أي مشروع نهضوي إلى قيمة أخلاقية محورية يرتكز عليها. يا ترى، ماذا بقي لنا من حيل الارتكاز؟

لم نسمع بعد تصريحاً للحاضنة السياسية لحكومة عبدالله حمدوك بشأن التطبيع الذي نكره الأخير في بادئ الأمر، وأقرّه عندما ارتأى أنه لا يمكن له أن يخرج عن إرادة العسكر. هذه الصفقة ليست لدعم رفاه لشعب السودان، هي لدعم العسكر الحاليين وتمكينهم، كي يحدّوا من طموح الشعب السوداني في الحرية والكرامة والإنسانية. برهنت إسرائيل أنها لا تريد سلاماً مع الشعوب، فقط هي تريد صفقةً مع عسكريين، تطاردهم الجنائية الدولية، وتحيطهم الجرائم ضد الإنسانية. ليس ثمّة وقت أفضل من هذا الوقت لممارسة الابتزاز، وتهديد من تسوّل له نفسه الوقوف ضد الإرادة الصهيونية!

القدرات العسكرية والامنية التي وظفها النظام السابق لإرهاب الشعوب السودانية وشعوب المنطقة ما زالت موجودة

المواقف السياسية الأكثر استدامة هي تلكم التي تنبع من قناعة الجماهير، لا التي تفرض عليها، وفي الظروف القاحلة إياها. لماذا تصرّ الحكومة، إن كان لها الخيار، على البتّ في قضايا ذات طابع استقطابي؟ أليس من الأوْلى ترك هذه القضايا للجهاز التشريعي المنتخب، حتما ليس المنتدب؟ ما هي جدوى التطبيع السياسية والاقتصادية؟ ما هي الكلفة الأخلاقية والاجتماعية؟ ما هي آليات التطبيع ومنهجياته؟ هل يمكن للتطبيع أن يقود إلى سلام مستدام في المنطقة، وما هي الشواهد؟ لا سيما أن إسرائيل دولة مارقة عن الإرادة الدولية، وهي تمارس هذا العهر السياسي مع كل من تسوّل له نفسه من الأفارقة والعرب الخارجين والرافضين الإنصياع لإرادة شعوبهم، لا أكثر ولا أقل..

السؤال هنا ليس عن مبدأ التطبيع، فهذا يخص أصحاب الضمائر الوطنية والدينية، وهم عدم في الشاكلة الحالية. السؤال هو عن الماهية والكيفية: كيف انتقل السودان من خانة الحماس غير المؤسس إلى ساحة التطبيع غير المبدئي، وفي هذا الوقت بالذات؟ هل هناك موقع بين الخانتين؟ وما هي الاستراتيجية المثلى للتطبيع؟ هل من حقنا أن نخطط لأنفسنا أم إننا سنكون تبعاً لبعض الدول الخليجية؟ أليس من حقنا أن نتكلم، ولو يوماً، أصالة عن أنفسنا ونيابة عن شعوبنا؟ هل هذه هي شعارات ثورتنا؟ هل هذه هي أولوياتنا؟ هل من أدوار الخارجية السودانية تثمين أدوار الدول الأخرى؟

ما هي الحيثيات التي اعتمد عليها رئيس الوزراء، عبدالله حمدوك، الذي أصبح بمثابة كبير الياورات في البلاط الملكي لهؤلاء العسكر المرتهنين، في مباركته التطبيع مع دولة الكيان الصهيوني؟ هل هو موقف أيديولوجي أم سياسي إداري؟ كيف يتسنّى له تخطي إرادة الشعب السوداني وإعلانه التطبيع من دون الرجوع إلى الجهة التي خوّلته حكم البلاد؟ هل كان التطبيع من أولويات الثورة، أم إنه حالة اقتضاها التجويع؟ هل سيسد قمح نتنياهو المرسل خانة الجوع الذي ضرب بأطنابه القرى والحضر؟ هل بأسلوبٍ كهذا سينجو الشعب من متلازمة التجويع والتطبيع؟

أصبح حمدوك بمثابة كبير الياورات في البلاط الملكي للعسكر المرتهنين، في مباركته التطبيع مع دولة الكيان الصهيوني

يتجاوز الأمر الفوضى الإدارية التي يشهدها السودان إلى بيداء النفوس التي جُبلت على الخيانة، والتي أراد الله فضحها وتعريتها، قبل أن يأخذها أخذ عزيز مقتدر. لقد كذبوا بشأن التطبيع وما زالوا يكذبون. قال حمدوك إن البرهان لم يبلغه باعتزامه الذهاب لملاقاة نتنياهو في أوغندا، ثم رجع فاستدرك، وقال إنه (البرهان) ذكر له ذلك في معرض حديث عن قضية أخرى... يجب أن لا نستغرب على قادة السودان الحاليين مثل هذه التصرّفات، فرئيس دولة عظمى، مثل أميركا، لا يعبأ بإخفاء أمر "المقايضة غير الأخلاقية" التي تجعله يرهن رفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب مقابل التطبيع مع أبناء صهيون؟ تعلم أميركا علم اليقين أن القدرات العسكرية والامنية التي وظفها النظام السابق لإرهاب الشعوب السودانية وشعوب المنطقة ما زالت موجودة، وقد تم توظيفها في زمن غير بعيد لفض الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم في يونيو/ حزيران 2019، بأسلوب هو الأكثر بشاعة في تاريخ الحماقات العسكرية، فما الذي جعلها تظن أن النظام الحالي قد تخلى عن مثل هذه القناعات؟ 

لا يفكّر الرئيس الأميركي في تحقيق سلام عالمي ومستدام، قدر حرصه على إرضاء اليمين المتشدّد في إسرائيل والمحافظ في الولايات المتحدة. على النقيض، هو يشن حرباً على السلام الاجتماعي، ويشكل خطراً على السلم والأمان العالميين بتأييده الدولة المارقة والخانقة في آن واحد. 

يحتاج السودان إرادة سياسية وسياسة إدارية، كي يكون في سلم مع ذاته والآخرين. ذلك كله لن يجدي عنه شيئاً إذا كان في تضاد مع إرادة الشعوب، ورغبتها في العيش ضمن منظومتها الإنسانية والمجتمعية.