السودان .. الاستحواذ وتغيير هوية الدولة

12 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

في نطاق من السرّية "الشّفافة"، زار وفد إسرائيلي الخرطوم يوم 29 الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني)، وجال أعضاء الوفد على منظومة الصناعات الدفاعية التابعة للقوات المسلحة، ولم يعُرف للوفد نشاط آخر. وعقب ذيوع نبأ الزيارة، "طمأن" عضو مجلس السيادة، محمد الفكي سليمان، السودانيين بأنها كانت ذات طبيعة عسكرية بحتة، وليست سياسية أو ذات علاقة بالتطبيع! وكأن الطبيعة العسكرية البحتة لزيارة وفد الاحتلال لا تثير، ويجب أن لا تثير، أي قلق، ولا تنمّ عن أي تطبيع. أما المنشآت العسكرية، ومنها منظومة الصناعات، فهي كما يبدو بمنزلة مرافق سياحية مفتوحة، ومتاح زيارتها للراغبين، علماً أن علاقات دبلوماسية لم تقُم بعد بين الخرطوم وتل أبيب، وأن زيارات على هذا المستوى تقوم عادة بين الدول التي تربط بينها علاقات وثيقة واتفاقيات تعاون عسكري، ولا تتم مثل هذه النشاطات بين الدول التي ترتبط بعلاقاتٍ عادية ما بينها. مع ذلك، يتاح لوفد إسرائيلي الاطلاع عن كثب على منظومة صناعاتٍ دفاعيةٍ سودانية، وحتى قبل أن تبدأ العلاقات الثنائية، فما المنتظر أن يحدث بعد أن تقوم هذه العلاقات بين الخرطوم وتل أبيب، وفق توجهات المكوّن العسكري لمجلس السيادة؟ 

لم تمر الزيارة المستغربة بغير ردود فعل داخل السودان وحتى داخل الحكومة، فقد أعلن وزير الإعلام، فيصل محمد صالح، أن تلك الزيارة قد تمّت بدون علم مجلس الوزراء. وأوضح لقناة "إس 24"، وهي قناة تلفزيونية مقرّها الخرطوم، أن العلاقات الخارجية "يفترض أن تكون بيد مجلس الوزراء، لكن الأمور المتعلقة بالتطبيع في يد الجيش بشكل فعلي وأحادي".

استغل المكون العسكري تطلع السودان وحاجته إلى رفع اسم البلد عن القائمة الأميركية لدعم الإرهاب، من أجل الاندفاع في التطبيع بغير تفويض

وتتزايد التقارير عن توتراتٍ متناميةٍ بين الحكومة برئاسة عبدالله حمدوك والمكوّن العسكري لمجلس السيادة برئاسة عبد الفتاح البرهان، بشأن صلاحيات الحكم، وتغول هذا المجلس على صلاحيات الحكومة. وقد نشأ المجلس في 20 أغسطس/ آب 2019، وتم الاتفاق مع ممثلي قوى الحرية والتغيير على أن يتولى المكوّن العسكري أولاً قيادة المجلس 21 شهرا تليها فترة 18 شهرا يتولى المكون المدني فيها قيادة المجلس. وحسب هذه البرمجة، فإن العشرين من مايو/ أيار المقبل سوف يكون تاريخ انتقال رئاسة المجلس إلى المكون المدني. على أن يتم إجراء انتخابات عامة بعد انتهاء الفترة الانتقالية التي تستغرق 39 شهرا، غير أن المكون العسكري، على الرغم من إدراكه أن هذه الفترة انتقالية، وأن القرارات في الأمور الأكثر أهمية ينبغي أن تتم بالتوافق، وأن يكون للحكومة الدور الأكبر في وضعها وصياغتها، ولمجلس نيابي منتخب حق التصديق عليها أو رفضها، إلا أن الذي حدث ويحدث هو استثمار هذه الفترة الانتقالية لاتخاذ قرارات استثنائية، من شأنها إضفاء تعديلات جوهرية على هوية الدولة السودانية، مثل مسألة إقامة علاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي. وقد استغل المكون العسكري تطلع السودان وحاجته إلى رفع اسم البلد عن القائمة الأميركية لدعم الإرهاب، من أجل الاندفاع في التطبيع بغير تفويض، وذلك بتوقيع اتفاقٍ بهذا الشأن في 23 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، علما أنه لا علاقة تذكر بين مكافحة الإرهاب والشروع في التطبيع، فهذا الأمر هو من عنديات وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، ورئيسه دونالد ترامب. ولم تنفع الاشتراطات التي وضعتها حكومة حمدوك في كبح الاندفاع الذي يتولاه المكوّن العسكري. ويُذكر هنا أن شخصيات عسكرية ممثلة بعبد الفتاح البرهان و"حميدتي" قامت بتمثيل السودان في جولات عربية، حتى قبل أن ينشأ مجلس السيادة.

الشهور الخمسة المقبلة المتبقية على فترة المكون العسكري سوف تكون مفعمةً بوضع العراقيل أمام المكوّن المدني

ولم يكتف المكون العسكري بإبرام اتفاقٍ ينافي التزامات السودان العربية، ويتعاكس مع ميثاق جامعة الدول العربية وقرارات القمم العربية، عقودا، بغير تفويض، بل ابتدع، في الآونة الأخيرة، فكرة إنشاء "مجلس شركاء" بغرض التنسيق، كما قيل، بين الشركاء السياسيين، مع قابلية منح هذا المجلس الجديد صلاحيات متزايدة. وقد قيل إنه ينسجم مع الوثيقة الدستورية، وهو ما يخالف مضمون (وروح) تلك الوثيقة التي أريد بها أن تكون خريطة طريق للفترة الانتقالية، تضمن الانتقال، بأمان ومن دون قفز على الصلاحيات، إلى الوضع الدائم، بإجراء الانتخابات، وانبثاق المؤسسات الدستورية المستقرة. وقد رفضت الحكومة هذا المجلس المبتدع، فيما يسعى المكون العسكري إلى إجراء مساومات حول عضوية هذا المجلس الذي يتشابه في الاسم مع مجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران. وهكذا، بدلاً من أن يجري احترام صلاحيات الحكومة وعدم المساس بها، وبدلا من التحضير للانتخابات العامة المقررة بعد نحو عامين، وذلك بوضع قانون انتخاب عصري وفق تشاور واسع، ومشاركة أوسع، فقد جرى ابتداع مجلس شركاء يضاف إلى مجلس السيادة، ويضمن للمكون العسكري بقاءً أبدياً فوق السلطات جميعها.. ما يهدّد بأن تتحول البلاد إلى رهينة لهذين المجلسين، بدلاً من أن تشقّ طريقها نحو استقرار دستوري، بانتخاب مجلسٍ نيابيٍّ وانتخاب رئيس للدولة، وطي صفحة المجالس، وبالذات "مجلس السيادة" الذي يقترن اسمه بالانقلابات العسكرية في السودان منذ نحو ستة عقود، إذ كان الانقلابيون يعمدون، عادة، إلى تشكيل مجلس سيادة، على غرار مجلس قيادة الثورة في بغداد وطرابلس الغرب في سبعينيات القرن الماضي.. وقد اجتهد هذا المكوّن في تحويل الانتفاضة الشعبية العارمة ضد حكم عمر البشير إلى انقلاب عسكري مموه من نفر من القيادات العسكرية ضد كبار ضباط حزب المؤتمر الوطني الذي كان حاكما. وقد بدأ الحاكمون الجدد عهدهم بالتنكيل الدموي في واقعة فض الاعتصامات في الرابع من يونيو/ حزيران 2019، والتي ذهب ضحيتها مئات، وقذف بجثث عشرات في مياه النيل، حيث تم توجيه الاتهامات من السلطات العسكرية إلى أشباح بارتكاب المجزرة.

وفي ضوء ما تقدّم، فإن الشهور الخمسة المقبلة المتبقية على فترة المكون العسكري سوف تكون مفعمةً بوضع العراقيل أمام المكوّن المدني قبل استلامه قيادة المجلس، مع وضع هذا المكون تحت الأمر الواقع أمام الوقائع على الأرض، وبالذات إقامة العلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة مجلس شركاء ينازع السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، على الصلاحيات، بما يؤسس لنظام سياسي هجين يتصدر فيه العسكر الحكم مع الاحتفاظ بواجهة مدنية.