الربيع العربي وذهنية الاستعلاء الإسرائيلية

27 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

ذهنية الاستعلاء العنصري والفوبيا إزاء فرص نشوء مجتمع مدني وديمقراطي في العالم العربي، وقد كشفت عنها مواقف المسؤولين الإسرائيليين وجُلّ النُخب الإسرائيلية حيال ثورات الربيع العربي، كما ألمحت في مقال الأسبوع الفائت، لم تكن مستترةً في اللاوعي فحسب، إنما أيضًا بدَت منطوقةً في أحيان كثيرة. وبرسمها لم يخفوا مواقفهم التنميطية إزاء العرب عمومًا، الناجمة عن كونهم "مصابين بوباء الاستشراق"، كما هتف المراسل الخاص لصحيفة هآرتس إلى القاهرة يوم 2 فبراير/ شباط 2011.
ولدى محاولة رصد منطوق تلك الذهنية، بالتزامن مع انطلاق الثورات، تيسّر ملاحظة أن ما تأدّى عنها، أكثر من أي شيء آخر، استنتاجان إطلاقيان، أعادا إنتاج منظومة التفكير الجمعي الإسرائيلي وهواجسه الاستحواذية: الأول، أن الديمقراطية كأسلوب حُكم لا تلائم العرب، لأن العيب كله كامنٌ فيهم وحدهم. ووفقًا للمفهوم الواقف وراء هذا الاستنتاج، العرب متخلفون مئات الأعوام عن الغرب وإسرائيل، بسبب الثقافة والتراث القبليين، وربما حتى جرّاء شيء مُستحكم لا يمكن تغييره في صورتهم الجماعية، ومن الجيّد لهم وللعالم أن يحكمهم طغاةٌ مستبدّون يعتمدون على القوة العسكرية، ويورّثون أبناءهم السلطة مع الإيهام بالانتخابات. والحرية ليست خيرًا لهم، لأن صبغتهم الظلامية ستندفع خارجًا في موجة عنفٍ موجهةٍ إلى محيطهم، وكل من يعتقد اعتقادًا مغايرًا، ولا سيما الغرب و"الرجل الساذج القاعد في البيت الأبيض"، كما وُصف الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، فهو ببساطةٍ لا يفهم الحياة، أو لا يسكن هنا ولن يدفع حياته ثمنًا لذلك. 
في هذا الصدد، مثلًا، من المفيد استعادة ما كتبه المعلّق الصحافي، عوفر شيلح، الذي أصبح لاحقًا عضوًا في الكنيست: منذ اندلعت أحداث الثورة المصرية، ثمّة شيء واحد، قرّر كثيرون من المتحدثين الذين أسمعهم، وكذلك جزء كبير من الجمهور أيضًا، أنهم يعلمونه، وهو أن الديمقراطية ليست من أجل العرب. فقد سمعت جنرالًا في الاحتياط يقول، في صراحة، إنهم غير مستعدين بعد؛ وما نحتاجه في الدول العربية نظم حكم مستقرة لا ديمقراطية. وبعبارة أقل تشذيبًا (وهي لي): أعطونا طُغاةً يعيشون عن طريق الغرب، بشرط ألا تكون ديمقراطية عربية. وهذا التصوّر، برأيه، هو بمثابة توليفٍ بين مخاوف قد تكون مفهومة، واستعلاء. المخاوف تؤجّجها السابقة الإيرانية، ولا يهم أن إيران ليست دولة عربية، فلا أحد يُجهد نفسه حقًا في هذا التفريق، كما تؤجّجها فرضيةٌ ضمنيةٌ تقول إنه في أي حالة ديمقراطية سيسيطر المسلمون المتطرّفون. أما الاستعلاء فإنه مختلف، إنه يكاد يكون حاجةً نفسيةً إلى أن يكون العرب بدائيين وظلاميين، ولا يستحقون ما نعتبر أنه حق إنساني أساسيّ ومفتاح السلام والنماء المُستدام.
الثاني، الاستنتاج أن موقف الرئيس الأميركي أوباما الذي سارع إلى تأييد المتظاهرين في ميدان التحرير، وإلى التخلي عن حليفه حسني مبارك غير ناجم عن مصالح إدارته الاستراتيجية، بل عن عدم تجربة، أو عن عدم إدراكٍ كافٍ لمكامن هذه المنطقة. بناء على ذلك، كتبت معلقة للشؤون السياسية في صحيفة يديعوت أحرونوت أن الذي يتولّى قيادة العالم في ذلك الوقت هو "زعيم عديم التجربة كليًا". كما أن المدير العام لديوان رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق أرييل شارون، وهو محامٍ في مهنته، كتب موعظة لهذه الإدارة الأميركية ("يديعوت"، 2 فبراير/ شباط 2011) خلص فيها، بعد أن نأى بنفسه عن تقييم جوهر الديمقراطية الإسرائيلية، إلى القول إن الديمقراطية ليست منحصرة في إجراء انتخابات حرّة فقط، بل إنها نمط حياة، ومجموعة من القيم، مثل المساواة في الحقوق، وحرية التعبير والتنظيم، وسيادة القانون وما إلى ذلك. ولسان حاله يقول إن هذه الأمور كلها لا قبل للعرب بها. وعمدت صحيفة إلكترونية إسرائيلية يحرّرها الكاتب إيهود بن عيزر إلى خلع لقب "حمقاء الأسبوع" على وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، لمجرّد دعوتها إلى احترام حقوق الإنسان في مصر!