الحكومة اليمنية الجديدة .. ظروف تشكلها والتحديات أمامها

04 يناير 2021
الصورة

قصف مطار عدن بعد وصول طائرة الحكومة اليمنية الجديدة من الرياض (30/12/2020/ فرانس برس)

+ الخط -

اتهمت الحكومة اليمنية، على لسان وزير الإعلام معمر الإرياني، قوات الحوثيين التي تسيطر على العاصمة صنعاء بمحاولة استهداف الحكومة اليمنية الجديدة. وقد تعرّضت الحكومة في أثناء وصول أعضائها إلى مطار عدن، وهي قادمة من الرياض، في 30 كانون الأول/ ديسمبر 2020، لهجوم بقذائف صاروخية سقطت في مبنى المطار. وأودى الهجوم بحياة بضعة وعشرين شخصًا، معظمهم مدنيون، من دون أن يُصاب أحد من أعضاء الحكومة. وفي حين نفت الحركة الحوثية علاقتها بالهجوم الذي استهدف، على ما يبدو، إفشال اتفاق الرياض الذي انبثقت منه الحكومة الجديدة، أو ربما تذكير الحكومة القادمة بالكيفية التي يبدو عليها ميزان القوى في الجنوب، فإنّ أي جهة أخرى لم تتبنَّ ذلك الهجوم.
مخاض تشكيل الحكومة وتمثيلها الجغرافي والحزبي
بعد ثلاثة عشر شهرًا من الوصول إلى اتفاق الرياض، في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، بين الحكومة اليمنية، المعترف بها دوليًا، والمجلس الانتقالي الجنوبي، أصدر الرئيس عبد ربه منصور هادي، في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2020، القرار رقم 7 لعام 2020، بشأن تشكيل الحكومة، بوصفه تنفيذًا للفقرة الأولى من الترتيبات السياسية المنصوص عليها في الملحق السياسي والاقتصادي لهذا الاتفاق. وجاء قرار تشكيل الحكومة بعد نحو خمسة أشهر من إصدار الرئيس هادي القرار رقم 35 لسنة 2020، وكلّف، بموجبه، رئيس الحكومة السابق، معين عبد الملك، بتشكيل الحكومة.
ضمّت الحكومة 24 وزيرًا، إلى جانب رئيسها، المتحدِّر من محافظة تعز الشمالية، والذي احتُسِب منصبه مقابل حقيبتين وزاريتين. وقد جرى اقتسام حقائب الحكومة مناصفةً تقريبًا بين المحافظات الشمالية والمحافظات الجنوبية؛ بحيث كانت حصة المحافظات الجنوبية 13 حقيبة، وحصة الشمالية 11 حقيبة إلى جانب رئيس الحكومة، واستأثر الرئيس هادي بالحقائب السيادية الأربع: الدفاع، والداخلية، والخارجية، والمالية، في حين غاب أي تمثيل للمرأة والشباب، فضلًا عن إغفال إقليم تهامة الذي يضم، وفقًا لمخرجات الحوار الوطني لعام 2014، أربع محافظات: الحديدة، وحَجة، ورَيمة، والمَحويت. وقد تمثلت الأقاليم الأخرى على النحو التالي: آزال (ثلاث حقائب)، والجَنَد (ست حقائب)، وحضرموت (ست حقائب)، وسبأ (حقيبتان)، وعدن (سبع حقائب).

ضمّت الحكومة 24 وزيرًا، إلى جانب رئيسها، المتحدِّر من محافظة تعز الشمالية، واحتُسِب منصبه مقابل حقيبتين. وجرى اقتسام حقائب الحكومة مناصفةً تقريبًا بين المحافظات الشمالية والمحافظات الجنوبية

  لوحظ في التشكيلة الحكومية أنها لم تُسمِّ نائبًا لرئيس الحكومة، وأن المُحاصصة في الحقائب الوزارية همشت معايير الكفاءة والنزاهة والخبرة المناسبة التي اشترطها اتفاق الرياض، وقد استأثرت المحافظات الجنوبية بثلاثٍ من الحقائب الوزارية السيادية الأربع التي سبقت الإشارة إليها. أما الحقيبة الرابعة، وهي الدفاع، فآلت إلى شاغلها السابق، الفريق محمد علي المقدشي، الذي يتحدَّر من محافظة ذَمَار الشمالية الواقعة تحت سيطرة الحركة الحوثية.
ظروف الإعلان المفاجئ عن تشكيل الحكومة 
شكّل الخلاف بين المكونات السياسية في الحكومة السابقة والمجلس الانتقالي الجنوبي، حول تنفيذ الملحقين، العسكري والأمني، من اتفاق الرياض، أبرز العوائق التي أخَّرت تشكيل الحكومة الجديدة؛ فقد كان مطلب تلك المكونات متمثلًا في البدء بتنفيذ الأحكام المتعلقة بالترتيبات العسكرية والأمنية، قبل تشكيل الحكومة. وتتضمّن الترتيبات المذكورة نزع أسلحة القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، وتجميعها في مكانٍ محدّد في عدن، ثم إخراج هذه القوات من محافظات عدن، وأبين، ولحج، والضالع، قبل أن يتم دمجها ضمن ملاك وزارتَي الدفاع والداخلية، فضلًا عن تعيين مدير لأمن عدن. أما المجلس الانتقالي الجنوبي، فكان مُصرًّا على البدء بتشكيل الحكومة الجديدة، بوصفها أول الترتيبات السياسية، ثم الانتقال بعد ذلك إلى تنفيذ الترتيبات العسكرية والأمنية.

لم يرتبط الإعلان عن تشكيل الحكومة بتنفيذ الترتيبات العسكرية والأمنية المنصوص عليها في اتفاق الرياض

وقد ازداد الأمر تعقيدًا بإعلان المجلس الانتقالي الجنوبي، في نيسان/ أبريل 2020، الإدارة الذاتية في مناطق نفوذه، وفَرْض سيطرته المسلحة على محافظة أرخبيل سقطرى، في حزيران/ يونيو 2020؛ ما دفع الحكومة إلى اللجوء إلى القوة لاستعادة السيطرة عليها.
وفي تموز/ يوليو 2020، حاولت السعودية كسر حالة الجمود التي سيطرت على الوضع باقتراحها آلية لتسريع تنفيذ اتفاق الرياض، لكن الخلاف حول اقتسام حقائب الحكومة حال دون ذلك. واستمر الوضع على حاله إلى أن جرى الإعلان بصورة مفاجئة، في 18 كانون الأول/ ديسمبر، عن اتفاق تشكيل الحكومة، من دون استكمال الترتيبات العسكرية والأمنية.
ويبدو أن فوز المرشح الديمقراطي، جو بايدن، بانتخابات الرئاسة الأميركية مثّل عاملًا حاسمًا في الدفع نحو تشكيل الحكومة الجديدة؛ ذلك أنه يتجه، كما صرّح خلال حملته الانتخابية، إلى إعادة تقييم موقف بلاده من الحرب في اليمن التي يلقى استمرارها معارضةً شديدةً بين قواعد الحزب الديمقراطي. كما يتجه الرئيس الأميركي المنتخب إلى إعادة تقييم علاقة بلاده بالسعودية، خاصة فيما يتصل ببيع السلاح لها، وهو أمر سيكون له أثرٌ واضح في الجانبين، العسكري والسياسي، للصراع في اليمن. أما الإمارات، فهي تسعى إلى استباق أي تغيير في السياسة الأميركية تجاه الصراع في اليمن بإبداء نوع من المرونة، للحفاظ على دورٍ لها في أي تسوية سياسية محتملة تدفع إليها إدارة بايدن وتقودها الأمم المتحدة.
تموضع المجلس الانتقالي في الحكومة وأبعاده المحتملة
خرج المجلس الانتقالي الجنوبي من التشكيلة الحكومية بأربع حقائب، هي النقل، والزراعة والري، والخدمة المدنية، والشؤون الاجتماعية والعمل. وتحظى وزارة النقل، خصوصًا، بأهمية كبرى؛ بسبب سيطرتها على الموانئ، والمطارات، والنقل البرّي. وإضافة إلى الموارد المالية التي تدرّها، يمكن أن يستفيد المجلس الانتقالي من سيطرته على وزارة النقل في تقوية وضعه السياسي، وتعزيز قدراته العسكرية والأمنية، ولا سيما أن هذه القوات لا تزال غير خاضعة للحكومة. كذلك، سوف تتيح سيطرةُ المجلس الانتقالي على الموانئ الجنوبية المهمة في عدن، وبلحاف، والمكلا، وسقطرى، من خلال وزارة النقل، تعزيزَ فرص إحياء اتفاقية عام 2008 الموقعة مع شركة موانئ دبي العالمية حول ميناء عدن، وهي الاتفاقية التي ألغتها الحكومة اليمنية عام 2013، علمًا أن وزير النقل، في الحكومة الجديدة يرتبط بعلاقة مصاهرة مع رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزُّبيدي. أما الأحزاب، فيوضح الجدول التالي حصص كل منها، عدا حزب العدالة والبناء الذي يرجَّح استثناؤه لتبني أمينه العام، نائب رئيس البرلمان، عبد العزيز جُباري، موقفًا مناوئًا للدور الإماراتي في التحالف، وتحفظه على الدور السعودي.

                                       جدول حول التمثيل الحزبي في الحكومة اليمنية الجديدة

الصورة
الحكومة اليمنية الجديدة
                المصدر: وحدة الدراسات السياسية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

أما السعودية، فهي تسعى إلى استغلال موانئ محافظة المهرة، المحاذية لسلطنة عُمان، لأغراض تصدير النفط، بعيدًا عن مضيق هرمز المهدّد بالإغلاق في حال حصول مواجهة عسكرية في الخليج. فضلًا عن ذلك، يمكن أن تؤمّن الوزارات الأخرى التي حظي بها المجلس الانتقالي الجنوبي دعمًا قويًّا لخطط البرنامج السعودي المعني بإعادة الإعمار في اليمن، والذي بدأ نشاطه في أيار/ مايو 2019، بموجب اتفاقية وقّعها مدير البرنامج، السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، ووزير التعاون والتخطيط الدولي اليمني، نجيب العوج، الذي يشغل منصب وزير الاتصالات وتقنية المعلومات في الحكومة الجديدة.

القوى المدعومة من الإمارات والداعية إلى انفصال الجنوب تعزّز من قوتها الأمنية في ظل إضفاء شرعية حكومية عليها

يبدو أن منح حقيبة النقل في الحكومة الجديدة لشخصية مقرّبة من رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، جاء في مقابل موافقة المجلس على إسناد وزارة الداخلية إلى شخصية مقرّبة من الرئيس عبد ربه منصور هادي؛ وبذلك أزيح وزيران من الحكومة السابقة كانَا من أشد المناوئين للمجلس الانتقالي الجنوبي والإمارات: وزير النقل صالح الجبواني، ووزير الداخلية أحمد الميسري. علاوةً على ذلك، تمكّن المجلس الانتقالي الجنوبي من فرض مُحافِظ محافظة أرخبيل سقطرى السابق، سالم السُّقَطري، وزيرًا للزراعة والثروة السمكية، على الرغم من إقالته من منصبة من جانب الرئيس هادي في منتصف عام 2017. وقد استأثر المجلس الانتقالي الجنوبي أيضًا بمنصبَي محافظ عدن، ومدير شرطتها، ضمن اقتسام الترتيبات السياسية والأمنية.
مصير الترتيبات العسكرية والأمنية
مثلما أوضحنا سابقًا، لم يرتبط الإعلان عن تشكيل الحكومة بتنفيذ الترتيبات العسكرية والأمنية المنصوص عليها في اتفاق الرياض. واقتصر تنفيذ هذه الترتيبات، حتى الآن، على إعادة تموضع وحدات من القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة في محافظة أبين، وإحلال وحدات تابعة لقوات العمالقة محل القوات المنسحبة، نظرًا إلى الحياد الذي تبديه قوات العمالقة تجاه الطرفين. وكان اتفاق الرياض قد نصَّ على إحلال قوات الأمن التابعة للسلطة المحلية في كل محافظة محل القوات المنسحبة. كما أغفل تنفيذ الأحكام المتعلقة بإعادة هيكلة قوات المجلس الانتقالي، والالتفاف على قرار تشكيل وتحديد مهمات ألوية الحماية الرئاسية التي يُناط بها حماية القصور الرئاسية، وتأمين تحرّكات الرئيس هادي. إلى جانب ذلك، تم القفز على اتفاق تشكيل ما تعرف بـ "قوة حماية المنشآت"، واختيار عناصرها من بين صفوف قوات الحكومة والتشكيلات التابعة للمجلس الانتقالي، للقيام بحماية المنشآت المدنية، والمقارّ الحكومية في عدن، بل اعتُمد على قوات تابعة لألوية الدعم والإسناد الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي، مع مصادرتها وظائف أجهزة الشرطة وقوات الأمن الخاصة. والحال كذلك في محافظتَي لحج وأبين المجاورتين لعدن، فضلًا عن تأخُّر تعيين مديري أجهزة الأمن في المحافظات الجنوبية، وإعادة هيكلة القوات الخاصة وقوات مكافحة الإرهاب ضمن وزارة الداخلية.
خاتمة
تنفيذ الشق المتعلق بالترتيبات السياسية، وإغفال جزء كبير من الترتيبات الأمنية والعسكرية المنصوص عليها في اتفاق الرياض، يعنيان أن المجلس الانتقالي الجنوبي حصل على حصة وازنة وتمثيل سياسي في الحكومة، مستفيدًا من الضغوط التي تشعر بها السعودية والرئيس هادي مع اقتراب استلام الرئيس الأميركي، جو بايدن، الحكم في واشنطن، في مقابل الاحتفاظ بجزء كبير من قدراته العسكرية على الأرض. وسوف يمثّل هذا الوضع تحدّيًا كبيرًا للحكومة خلال الفترة المقبلة. كذلك، تمثّل الهجمات الصاروخية على مطار عدن، لحظة هبوط الطائرة التي أقلّت أعضاء من الحكومة، مؤشّرًا جليًّا ذا دلالة على ضخامة التحدّيات العسكرية والأمنية التي تواجه الحكومة المعترف بها دوليًّا، وإسهام تعطيل تنفيذ الملحقين، العسكري والأمني، في وقوع ذلك، في ضوء ضعف التعاون والتنسيق بين فرقاء هذه الحكومة، فاتفاق المحاصصة هذا لا يدل على نياتٍ وحدويةٍ بقدر ما يدلّ على توافقاتٍ مؤقتةٍ لا تحل الإشكاليات، بل إنها تتجاهلها وتكتمها ريثما تنفجر من جديد، ولا سيما أن القوى المدعومة من الإمارات والداعية إلى انفصال الجنوب تعزّز من قوتها الأمنية في ظل إضفاء شرعية حكومية عليها، من دون اشتراط الولاء لوحدة اليمن؛ سواء أكانت فدرالية، أو غير فدرالية، بغضّ النظر عن صيغتها.