الحشد الشعبي والتغيير في العراق

22 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

ذهب ضحية مجزرة الفرحاتية، في قضاء بلد (العراق) في 16 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، ثمانية عراقيين، بينهم أربعة فتية أصغرهم بعمر 14 عاماً أُعدموا رمياً بالرصاص، فيما لم يُعرف مصير أربعة آخرين تم اعتقالهم من المنطقة نفسها. وبحسب تأكيد أهالي المنطقة وذوي الضحايا، فإن الجهة التي اعتقلتهم هي قوة من الحشد الشعبي في المنطقة. وساق الاتهام نفسه محافظ صلاح الدين، عمار جبر، في قوله من موقع الحادث، "أصابع الاتهام تشير إلى جهةٍ معروفةٍ موجودة على الأرض".

وبغض النظر عن الفصيل المتورّط بهذه الجريمة النكراء، وأيضاً من دون الخوض أو الاتكال على ما صرح به رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، خلال زيارته المنطقة ولقائه ذوي الضحايا؛ لأنه كلام مكرّر وغير مجد بحسب الحوادث السابقة، وربما اللاحقة، إلا أن الرأي العام العراقي بات أمام عقدةٍ أمنيةٍ وعقديةٍ خطيرة جداً، ولا تقل عن خطورة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الإرهابي في عموم العراق، وفي مناطق محدّدة منه على وجه التخصيص، بما يبرّر مخاوف عراقيين كثيرين من إعادة سيناريو الاحتقان الطائفي في البلاد.

أول الإجراءات العملية للسلم المجتمعي تتمثل بإخراج مليشيا الحشد الشعبي من المناطق التي حُررت من قبضة "داعش

الكاظمي، وإن كانت فترة تسلمه مهام رئاسة الوزراء العراقي لم تتجاوز خمسة أشهر، إلا أنه مسؤول عن إيجاد مخارج لهذه المخاوف الشعبية المقترنة بالأدلة، قبل أن تتحول إلى واقع يصعُب التحكم به، وقد يكون أول الإجراءات العملية للسلم المجتمعي هناك إخراج مليشيا الحشد الشعبي من المناطق التي حُررت من قبضة "داعش" في الأعوام 2016-2017، لتفويت الفرصة على من يخطّط لإفشال الانتخابات المزمع إجراؤها في يونيو/ حزيران 2021 من خلال افتعال الاحتكاكات الطائفية في تلك المناطق، مستفيداً من انتشاره العسكري الرسمي فيها، وهو أيضاً أمرٌ مثير للاستغراب، في ظل تنامي قدرة القوات المسلحة العسكرية النظامية وعديدها، حيث أكّد النواب الممثلون لهذه المناطق أنه "أصبح لزاماً خروج كل الجهات المسلحة التي ترتبط بالأحزاب، أو الجماعات المسلحة التي تحاول إلصاق نفسها بالحشد الشعبي، ويتخذ بعض ضعاف النفوس منها غطاءً لارتكاب الجرائم بحق الأبرياء، وأن تبقى الكلمة الفصل في الشأن الأمني لقواتنا المسلحة وقوى الأمن الداخلي حصراً".

لا يُعقل أبداً أن يحكم العراق بالتمني أو بالكلام المنمق، وهذا البلد منذ الأزل لم يستطع أي حاكم (ضعيف) أن يجعله بلداً آمناً مزدهراً وقوياً. لذلك، والكلام موجه إلى رئيس الوزراء الكاظمي، الذي يعول عراقيون كثيرون على برنامجه المعلن، فهو، عند زيارته المنطقة وحديثه مع أهالي الضحايا، وبعدهما، لم يستبدل قوة المليشيا الموجودة هناك، ولم يشر إطلاقا إلى أي نوعٍ من المسؤولية التي تتحملها هذه القوة، لأنه فعلياً غير قادر على المواجهة، ظناً منه أنه لم يمتلك بعد أدوات كسبها.

لا أحد يستطيع أن يهون من تضحيات فصائل الحشد الشعبي خلال عمليات تحرير المناطق التي كان تنظيم داعش الإرهابي قد احتلها عام 2014. ولكن، في الوقت نفسه، لا أحد يملك القدرة على تجاوز الاتهامات الموجهة إلى مليشيات محدّدة فيه، وقد أُشبِعت مكاتب الأمم المتحدة بمختلف تخصصاتها بتقارير وجهتها منظمات حقوقية محلية ودولية، تتهم فيها مليشيات في الحشد الشعبي بارتكاب انتهاكات وفظائع ذات خلفية طائفية وعرقية، ترقى إلى جرائم تطهير عرقي، ما بين 2015 -2017، تنوعت بين التعذيب والإخفاء القسري وقتل مدنيين تحت التعذيب، ونهب مدن وبلدات قبل حرق (ونسف) آلاف المنازل والمحال والمساجد فيها، ثم منعت هذه المليشيات النازحين من العودة إلى مدنهم وقراهم، بغرض تغيير التركيبة السكانية الديمُغرافية فيها.

بات الحشد الشعبي خطاً موازياً لكل القوى العسكرية والأمنية، بسبب تمكّنه من صُنّاع القرار في العراق، ودعم قوة إقليمية مهمة له، وهو من الداخل يمثل ثلاثة اتجاهات: فصائل الحشد التي يقلد قادتُها المرشد الإيراني الأعلى ويمتثلون له. حشد، المرجعية الذي يمتثل قادته ومتطوعوه لمرجعية النجف ويقلدونها. "سرايا السلام"، وهي الجناح المسلح للتيار الصدري المرتبط بقائده مقتدى الصدر. ونتيجة تغّول هيئة الحشد بشكل عام، وخصوصا بعض مليشياته، فإن توجيهات وأوامر ديوانية عديدة صدرت لتنظيم طريقة وجوده على الأرض، من حيث المكاتب في المحافظات وتوزيع المهام بينه وبين القوات الأمنية وسواها، إلا أن أي شيء من هذه الأوامر الديوانية لم ينفذ فعلياً.

ظهر جلياً للجميع عدم التزام هذه الفصائل بأوامر القائد العام للقوات المسلحة في وجوب الامتناع عن كل ما يهدّد هيبة الدولة أو مصالح العراق الكبرى

لقد باتت ممارسات عديد من مليشيات الحشد الشعبي سبباً في تنامي الغضب الجماهيري تجاهها، ليس من طرف مكون طائفي أو عرقي محدد في العراق، وإنما من عموم العراقيين، وقد أثبتت تظاهرات أكتوبر/ تشرين الأول 2019 كيف صبَّ المتظاهرون غضبهم على مقرّات قيادات هذه المليشيات، وبعض هذه القيادات نفسها، في محافظات البصرة والديوانية والناصرية والعمارة والكوت والنجف وكربلاء، وغيرها من محافظات وسط العراق وجنوبه ذات الأغلبية الشيعية.

وبعد مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في بغداد في غارة أميركية مطلع العام الحالي، ثم فتوى المرجع الديني، كاظم الحائري، بالجهاد ضد القوات الأميركية والأجنبية الموجودة في العراق، وإعلان عدد من سياسيي الفصائل المسلحة التابعة للحشد تأييدهم الفتوى، بدأت مرحلة قصف السفارة الأميركية والقواعد العسكرية التي يوجد فيها عسكريون أميركيون أو متعاقدون معهم. وهنا بدأ صداع جديد للحكومة العراقية، وظهر جلياً للجميع عدم التزام هذه الفصائل بأوامر القائد العام للقوات المسلحة في وجوب الامتناع عن كل ما يهدّد هيبة الدولة أو مصالح العراق الكبرى، ثم زاد وضوح انفلات هذه الفصائل، وعدم التزامها عندما أعلنت "هدنةً" من طرف واحد، عن قصف الأهداف الأميركية، انتظاراً لنتائج الانتخابات الأميركية، وتحديد موعد محدّد للانسحاب من العراق.

بات الحشد الشعبي خطاً موازياً لكل القوى العسكرية والأمنية، بسبب تمكّنه من صُنّاع القرار

مرة أخرى، يرى المتابعون للشأن العراقي أن أمام الكاظمي وقتاً قصيراً جداً لإحكام سيطرة الدولة على القرارين، العسكري والأمني، وإلا فإن التثقيف الآن يجري لأمركة حكومته، وهذا التثقيف قادم في الحقيقة من إيران التي نشرت قناة العالم، عبر موقعها الإلكتروني، يوم 17 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري مقالاً، ذكرت فيه أن هناك مخططاً يستهدف الحشد الشعبي في العراق، وأن الحكومة العراقية الجديدة تنفذ هذا المخطط، في الوقت الذي اتفقت فيه القوى السياسية الداعمة لها على أن تكون أولويتها تحسين الوضع المعيشي للشعب، وتوفير الظروف اللازمة لطرد القوات الأجنبية من العراق، بينما جعلت هذه الحكومة من أولوياتها إخراج قوات المقاومة العراقية من المنطقة الخضراء، وإبعادها عن المطار". وأضاف الموقع "إن الحكومة قامت قبل ذلك بخطوات لتهميش دور الفصائل التي تصون أمن العراق من المناطق الحدودية".

وتمثل رحلة الكاظمي إلى فرنسا وبريطانيا وألمانيا مرتكزا جديدا لدعم الحكومة العراقية في مساعيها إلى تنفيذ برنامجها الحكومي، ولعل هذه الدول وأخرى غيرها ترى في رئيس وزراء العراق الحالي بصيص أمل لبسط نفوذ الدولة، وتحقيق الاستقرار والسيادة، لكنها، في الوقت نفسه، تعلم، أكثر من سواها، أن هذه الأهداف لا يمكن تحقيقها في ظل تعدّد مصادر القوة والولاءات للقوات المسلحة العراقية والحشد الشعبي، وكذلك في ظل المحاصصة الطائفية التي جعلت مراكز القوى في العملية السياسية العراقية حرجةً وغير آمنة للتعامل الدولي، نتيجة اعتماد هذه القوى على معادلات الدعم متعدّد المزايا والتوجهات من دول إقليمية لا تريد للعراق خيراً.