الحرس الثوري العراقي

الحرس الثوري العراقي

06 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

بات واضحا أن العراق في طريقة إلى استنساخ تجربة الحرس الثوري الإيراني. ليس ذلك من باب استباق الأمور، أو التنبؤ بمآلاتها، وإنما هو واقع حال لم يعد خافيا على أحد. فبعد أن فشل العراق الذي حكمته وأدارته أحزاب موالية لإيران منذ 2003، في استنساخ تجربة حكم ولاية الفقيه بسبب التعدّد الطائفي والعرقي، فإن استنساخ تجربة الحرس الثوري الإيراني هي الممكن، فتحول الحشد الشعبي في العراق إلى حرس ثوري، لا يقوم مقام الحرس الثوري الإيراني وحسب، وإنما مقام الولي الفقيه والمرشد الأعلى.
بدأت القصة منذ ما قبل تشكيل الحشد الشعبي بفتوى من المرجع الشيعي، علي السيستاني، عقب احتلال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ثلث العراق، سمحت لكل المليشيات التابعة للأحزاب الشيعية؛ لتنتظم في هيئةٍ عسكريةٍ ذات لون طائفي واحد، تأخذ شرعيتها من شرعية المواجهة مع "داعش"، قبل أن تأخذ شرعيتها من مباركة السيستاني لها.
قبل ذلك، كانت تلك المليشيات تابعة للأحزاب، تعاني من نقص الشرعية وقلة الدعم في بعض الأحيان، حتى جاءت فتوى السيستاني لتأخذ في طريقها عشرات من المليشيات المسلحة صوب حكم الدولة والانفراد بقرارها، خصوصا بعد أن حوّلها البرلمان العراقي، في 2016، إلى مؤسّسة شرعية عسكرية تأتمر بأمر القائد العام للقوات المسلحة، رئيس الحكومة.

الكاظمي رئيس الحكومة يتغيّر، برهم صالح رئيس الجمهورية يتغيّر، محمد الحلبوسي رئيس البرلمان يتغيّر، ليبقى الثابت الوحيد هو الحشد الشعبي

اليوم تمارس هذه المليشيات" الحشدية" دورا يفوق دور الحكومة، بل لا تقوى أي حكومةٍ على الوقوف بوجه تلك المليشيات. ولعلنا هنا نذكر ما تم في الأسبوع الماضي، عند تنظيم استعراض عسكري موسّع لفصائل الحشد الشعبي في معسكر أشرف الذي كان يضم سابقا منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة للنظام، وكان العراق قبل 2003 يوفّر لها ملاذا. ويحمل الاستعراض في هذا المعسكر الذي تحول اسمه إلى معسكر أبو منتظر المحمداوي رسالة ذات دلالة، لم تعد خافية على أحد، لعل أوضحها انتصار إيران على خصومها، في الداخل قبل الخارج، وتصفية معارضي النظام.
ثم جاءت الرسالة الأخرى التي حملها رئيس الحكومة، مصطفى الكاظمي، بحضوره هذا الاستعراض العسكري، ما أعطى ليس صفة شرعية على هذا الحشد العسكري الذي سبق وأن أخذها من البرلمان قبل نحو أربعة أعوام، وإنما شرعية أخرى لكل ما يمكن أن يقوم به هذا الحشد وفصائله من عملياتٍ، حتى التي تستهدف سيادة العراق من خلال ضرب المصالح الأجنبية، أو من خلال تحدّي إرادة الدولة. وأوصل حضور الكاظمي أيضا رسالة إلى الجميع مفادها بأنه مع هذا الحشد، على الرغم من كل ما يقوم به من انتهاكات لهيْبة الدولة، هو حشد مدعوم من رئاسة الوزراء. صحيحٌ أن الكاظمي كثيرا ما كان يصرّح ويهدد ويتوعد كل من يخالف إرادة الدولة أو يسعى إلى الخروج عليها، إلا أن واقع الحال أثبت مجدّداً أن لا خلاف بين الكاظمي والحشد، وأن كل ما يقال أو يُسمع تصريحات للاستهلاك الإعلامي، لا أكثر ولا أقل.
الكاظمي رئيس الحكومة يتغيّر، برهم صالح رئيس الجمهورية يتغيّر، محمد الحلبوسي رئيس البرلمان يتغيّر، ليبقى الثابت الوحيد هو الحشد الشعبي وقوته العسكرية والسياسية والاقتصادية التي باتت بمثابة مرجعية عليا للدولة العراقية، بغض النظر عن أسم رئيس السلطة التنفيذية أو التشريعية.

يسيطر الحشد الشعبي على أغلب مفاصل القرار العراقي، بكل تفرّعاته، السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية

إننا اليوم إزاء حالةٍ قد تؤدي إلى تعريض ما تبقى من مسمّى الدولة العراقية إلى انهيار كامل، قد لا تكفي معه بضعة تصريحات أو شكليات رسمية هنا أو هناك لترميمها. باتت الدولة العراقية اليوم شبه مختطفة من الحشد الشعبي، الذي يرفض حله ودمجه ضمن منظومة القوات العراقية المسلحة، على الرغم من أنه يعتبر جهةً رسمية، يُفترض أنه خاضع لقرار رئيس الحكومة القائد العام للقوات المسلحة، بل إن قادة هذا الحشد وفصائله يرفضون حتى السماح للسيستاني؛ الذي أصدر فتوى بتأسيسه، من إصدار فتوى لحلّه، خصوصا وأن الأسباب الموجبة لتأسيسه باتت منتفية.
يسيطر الحشد الشعبي على أغلب مفاصل القرار العراقي، بكل تفرّعاته، السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية. صحيحٌ أن الولايات المتحدة بدأت بانتهاج سياسةٍ جديدةٍ تتمثل بالرد على أي تهديدٍ لمصالحها في العراق أو المنطقة، ولكن لهذا الرد الأميركي حدود، فواشنطن تدرك جيداً أنها لم تعد قادرةً على التحكّم بخلفيات المشهد العراقي، بعد أن سلمت بلاد الرافدين بما فيها لإيران عقب الانسحاب الأميركي مطلع عام 2011.
أولى محاولات استعادة العراق تتمثل بتوحيد قراره، وتوحيد قواته وتنظيم صفوف قواته الأمنية بعيداً عن أي تبعيةٍ لهذا الطرف أو ذاك، وبعيداً عن سطوة الأحزاب المتنفذة ومليشياتها المنضوية تحت راية الحشد الشعبي. وإذا ما كان هذا الأمر مستحيلا، فإن المستحيل الآخر أن تؤدي الانتخابات المقبلة، في أكتوبر/ تشرين الأول، إلى أي تغييرٍ في واقع السياسة العراقية، وواقع الشعب الذي يعاني الأمرّين نتيجة غياب أي دور للدولة ومؤسساتها، في ظل تغوّل الميلشيات وبسط سيطرتها ونفوذها على أرض الرافدين ونخيلها وبقايا جمارها الذي أحرقته جمرة السياسة ونفوذ المال وسطوة السلاح.