الجزائر بلا هزيمة

الجزائر بلا هزيمة

19 يناير 2022

أعلام فلسطين في احتجاج تضامني مع غزة وضد إسرائيل في الجزائر العاصمة (25/7/2014/فرانس برس)

+ الخط -

الاشتباك القائم بين الجماهير العربية الآن حول طول سلسلة مباريات كرة القجم التي لم تُهزم فيها الجزائر، هل حقًا بلغت 35 مباراة من دون هزيمة، أم لم تتجاوز 19 مباراة؟. بالطبع، لا يخلو الاشتباك من دوافع شوفينية ضيقة الأفق، وهذه بالأساس صناعة سياسية، فرضتها وأجّجتها الأنظمة، استثمارًا في لوثة كرة القدم واعتمادها معيارًا للوطنية، بديلًا عن معايير وقيم أخرى، كانت حتى وقت ليس بعيدًا تمامًا هي الحاكمة.

لا يمكن، بالطبع، التقليل من أهمية كرة القدم، بوصفها نشاطًا إنسانيًا جميلًا يشبع حاجات الجمهور إلى الاستمتاع بجماليات اللعبة والمشاركة فيها بالتشجيع والنقد والتحليل، كما لا يمكن إغفال أنها تبقى، أو كانت، الديمقراطية الوحيدة المسموح بها، والتمتّع بحرية الاختيار والمفاضلة بين اللاعبين والفرق المتنافسة. ولكن من الناحية الأخرى لا يجوز التغاضي عن أن أنظمة الاستبداد العربي عرفت كيف تستدرج هذا الحماس الجماهيري، وتستخدمه لصالحها، كما جرى في المعركة السخيفة بين مصر والجزائر قبل نحو 13 عامًا، والتي لم يحترم الذين أشعلوها واستثمروا فيها روابط الدم والتاريخ والمصير المشترك.

بعيدًا عن ذلك، أو قريبًا منه، أو في القلب منه، أتصوّر أنّ الأهم من عدد المباريات التي لم يُهزم فيها منتخب الجزائر، والأجدر بالاحتفاء، والفخر، أن الجزائر تبقى بلا هزيمة، حتى الآن، في معركة التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني.

افرد أمامك خريطة بلاد العرب، وحدّد باللون الأحمر البلاد العربية التي سقطت في مستنقع التطبيع، ستجد الخريطة كلها حمراء، باستثناءات نادرة، فقافلة التطبيع نجحت في الوصول إلى معظم النقاط، من أقصى الغرب، المغرب وموريتانيا، إلى أقصى المشرق على شواطئ الخليج، سواء كان ذلك تطبيعًا مباشرًا وصريحًا ووقحًا، كما في حالات مصر والسودان والمغرب والأردن والإمارات والبحرين وسلطنة عُمان، أو تطبيعًا صامتًا خجولًا، كما في عديد من عواصم العرب التي تتحيّن الفرصة المناسبة للإعلان.

ستجد عواصم عربية تُخرج لسانها لعواصم شقيقة مكايدًة وافتخارًا بأنها الأكثر استقبالًا للغاز الذي يصدّره الصهيوني لها بأسعار أعلى بكثير من أسعار الغاز الذي تبيعه إياه، كما في الحالة المصرية التي قال عنها عبد الفتاح السيسي بلغة كرة القدم "احنا سجّلنا جول"، وستجد عواصم أخرى تزحف على بطونها تسوّلًا للسلاح من إسرائيل، لتحارب به شقيقاتها، ولن تعدم مدنًا ترفع العلم الصهيوني، وأخرى لا تجرؤ على منع مواطنٍ فيها من إعلان ولائه وانتمائه السياسي لليكود الإسرائيلي، أو أخرى تشتري منه المياه، وتشاركه فرض الحصار على الشعب الفلسطيني.. وعواصم لا تمانع في استقبال وفود رياضية صهيونية ترفع علمها، وأخرى لا يستطيع لاعبٌ منها مقاطعة مسابقة تعفّفًا عن لقاء صهاينة.

في هذا الظلام الحالك، والانهزام الجماعي أمام طوفان التطبيع، لا تزال الجزائر تمثل الحالة الأوضح في مقاومة هذا المسار، على الرغم من أنها كادت تحمل هذه الوصمة، قبل سنوات من الحرب الكروية مع مصر 2009، حين صدم الرئيس الجزائري الراحل، عبد العزيز بوتفليقة، الجزائريين والعرب بمصافحة ودردشة مع عدد من قيادات العدو الصهيوني في أثناء مشاركتهم في جنازة العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني في الرباط.

في ذلك الوقت، وأمام مشاعر السخط والقرف التي انتابت الشعب الجزائري، سارع بوتفليقة إلى إعلان أن مصافحته للقادة الصهاينة في أثناء جنازةٍ لا تعكس أي نوع من الهرولة أو المزايدة او التخلي عن التأييد المطلق للحقوق العربية،  وأن تبادله الحديث مع الرئيس الإسرائيلي، عيزرا وايزمان، ورئيس الوزراء، إيهود باراك، ووزير خارجيته، ديفيد ليفي، ورئيس الوزراء، شيمون بيريز، كان بمحض المصادفة، وأنه كان بدون تدبير سابق. وبصرف النظر عن رفضك أو قبولك تصديق هذه المبرّرات (شخصيًا أرفضها ولا أصدقها)، فإن بوتفليقة تراجع عن المسير في هذا الطريق المخجل، ونجت الجزائر من هزيمةٍ حضاريةٍ وأخلاقية، منيت بها بلاد عربية عديدة، بل هناك من في هذه البلاد من يتبجّح ويسمّي الهزيمة انتصارًا، ويفاخر بالسقوط تحت الأقدام الصهيونية، ويسعى إلى الانفراد بصدارة جدول التطبيع، واستقبال أكبر عدد من الأهداف الإسرائيلية في مرماه، بل ويستعين بالصهيوني لحسم خلافاته ومشاكله مع شقيقه العربي.

جدير بجمهور الجزائر أن يفخر بأن سجلها يخلو من هزائم التطبيع حتى الآن، محتفظًة بسلسلة ممتدة من مواقف الصمود نتمنى ألا تنتهي أبدًا.