الثقافة مجالاً للمقاومة

الثقافة مجالاً للمقاومة

18 اغسطس 2021
الصورة

(نجا مهداوي)

+ الخط -

انتقلت الثقافة، في فترة الحرب الباردة، من السرديات الوطنية إلى السرديات الكونية. يبدو واضحًا، في النصف الأخير من القرن العشرين، أنها انتقلت من خلفية المشهد إلى مقدمته. ومن المؤكد أن هذا لم يكن قائما قبل العام 1950، غير أن الجميع اكتشف، بعد هذا العام، فجأة، في عصر انقسام العالم إلى قطبين، أن الثقافة صارت خاضعةً لقواعد الإنتاج الكبير، شأنها شأن سيارات فورد، حيث أصبحت للكتل جماهيرية ثقافة وأصبحت للثقافة كتلة. وصارت الثقافة في كل مكان، ولم تعد ملكية خاصة بالمثقفين أو المتأدبين. وأصبحت الثقافة الجماهيرية، تحت أقنعتها المتباينة، المشهد الرمزي التجاري كلي الحضور، التيار الذي لا ينضب للأنشطة الترويجية الجماهيرية، النماذج الاستهلاكية المنتظمة لعالم من المتسوقين.

بعد أن تبيّن، في كل مكان، أن دراسة الثقافة ونقد الثقافة صارا جزءًا مركزيًا من الحياة السياسية. وهو ما جعل الانقلاب الثقافي من المظاهر الأساسية لعصر ما بعد الحرب العالمية الثانية. انفجرت ظاهرة الانقلاب الثقافي في مختلف أنحاء العالم، وإنْ لم تكن متفقًا على دلالات مصطلحاتها، وكان مردّ هذا الانقلاب الثقافي الكوني تفاوت مستويات التطور في ثقافة عولمية انبثقت من النضالات الثقافية الأيديولوجية بين العوالم الثلاثة. وقد أطلق الانقلاب الثقافي شبح السياسات الثقافية والراديكالية الثقافية والثورة الثقافية، وهو شبحٌ لازم عصر الحرب الباردة. وكان سمةً ميزت اليسار الجديد في العالم أجمع، ونادرًا ما لوحظ هذا الأمر في حينه، لأن الاختلافات المثيرة، من حيث الشكل والإستراتيجية، بين الحركات الاجتماعية في العوالم الثلاثة طمست الاهتمامات المشتركة.

أطلق الانقلاب الثقافي شبح السياسات الثقافية والراديكالية الثقافية والثورة الثقافية، وهو شبحٌ لازم عصر الحرب الباردة

شكّل مصطلح العولمة أحد المفاهيم المفتاحية في العقد الأخير من القرن العشرين، والتي يمكن فهمها باعتبارها سياقًا، كما يصفها الأميركي مايكل دينينغ في كتابه "الثقافة في عصر العوالم الثلاثة" (ترجمة أسامة الغزولي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2013) دائرة للتدفق الكوني للسلع والاتصالات أكثر منها سردية تاريخية أو ثقافية مشتركة "ثقافة عالمية". ولا يعتبر العولمة ولا ما بعد الحداثة بالشيء الذي يمكن للمرء أن يؤيده أو يعارضه، فهي تمثّل محاولة لتسمية الحاضر والمقابلات التي تنطوي عليها هي علامة على الحاضر لم ينته الاشتغال عليها. ولكن يمكن القول إن لحظة العولمة بدأت فكريًا بالإعلان ذائع الصيت عن "نهاية التاريخ" الذي صدر عن فوكوياما، فالعولمة مفهوم يقوم على التحقيب، حتى وهو يعلن نهاية التاريخ.

ولَّد الانقسام الى العوالم الثلاثة حركات اجتماعية، مثل انتفاضات العام 1968 في أوروبا وحركات التحرّر في العالم الثالث التي تنتمي إلى هذه اللحظة التاريخية، هذه الحركات تبخرت في العام 1989 والتي تعتبر انطلاق العولمة الفعلي، بمعنى العولمة التي يفكر فيها الجميع أن هناك عالمًا واحدًا.

في هذا العالم المنقسم، وفي ظل الرأسمالية، تتشكل الثقافة عالما مجرّدا من الروحانية المعمّمة أو التدين المعمم، وبذلك في وسع الكاتب أن يقول إن الثقافة لا تظهر إلا في ظل الرأسمالية. وهي تحوّل إلى صناعات ثقافية، إلى مملكة اقتصادية تشمل الإعلام الجماهيري والإعلام وإنتاج المعرفة وتوزيعها. وفوق ذلك، لم يعد معنى الثقافة يقف عند الصناعات الثقافية والأجهزة الثقافية للدولة، بل أشكال من الارتزاق والاستهلاك عند الطبقة العاملة، سواء بالنسبة إلى السلع والخدمات التي تؤمّنها دولة الرفاه أو بالنسبة إلى تلك التي تُشترى في السوق ووقت التسلية والإنتاج الاجتماعي خارج يوم العمل. وعلى هذا الأساس، لم تكن المادّيات الثقافية الجديدة مجرّد إعادة تأكيد لأهمية البنية الفوقية، بل إعادة نظر في الاقتصاد والسياسة على أسس ثقافية. وأصبحت الصورة، كأن لا أحد يعمل حقًا، بل الكل ببساطة يبيع أيام الأسبوع، ليشتري نهاية الأسبوع، وكأن الحلم الرأسمالي بالأتمتة الكاملة لا يموت أبدًا.

تراجع دور مثقف السوق، رجل المشروعات الفكرية الذي يتعامل بالقطعة، نتيجة التوسّع الهائل في صناعات الثقافة والأجهزة الثقافية في الدولة

يعتبر دينينيغ أننا في نهاية حقبة العوالم الثلاثة وصلنا إلى نهاية الثقافة الجماهيرية، والمناظرات والمواقف التي تضمّنت تسمية الثقافة الجماهيرية باعتبارها الآخر، ولّى زمانها. ولا وجود حولنا لثقافة جماهيرية، إنها العنصر الذي نتنفسّه جميعًا. ولذلك يقترح الكاتب، بدلًا من مواصلة الجدل بشأن الثقافة الجماهيرية والثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية، تسميتها كلها "السلع الثقافية" لإبراز المساواة التي أنجزتها صناعات الثقافة. وغاية الكاتب من إعلان نهاية الثقافة الجماهيرية كمفهوم الإشارة إلى تهافت الأدلة على أن الإنتاج الرأسمالي وإعادة الإنتاج والتوزيع واسع النطاق للنصوص والمشغولات والأداءات الثقافية أوجدت ثقافة جماهيرية شكلت نظامًا متدنيًا وشاملًا، أخذ شكل كتلةٍ من المعايير والقيم والمعتقدات، وثانيًا أن الثقافة الجماهيرية موجودة في كل مكان، وسواء كانت رفيعة أو شعبية، راقية أو متدنية، تكاد تكون كلها سلعًا.

يعود دينينيغ إلى علاقة العمل بالثقافة، وخصوصًا بالدراسات الثقافية، ويرسم الحدود لدور الدراسات الثقافية التي ناهضت وجهتي النظر المهمشتين للثقافة: تلك التي سعت إلى تكريسها تعبيرا عن ذائقة جمالية نخبوية، يتعيّن ألا تتلوّث بتأثيراتٍ من الكتل الجماهيرية، وتلك التي يرصدها الأنثربولوجيون ممارسات اجتماعية خارج دوائر التلوث الرأسمالي. ويعرب عن خيبة أمله في انحراف الدراسات الثقافية وراء ميشيل فوكو، إلى منطقةٍ تكون فيها الثقافة منظومة سيطرةٍ كليةٍ تساعد الدولة على السيطرة، والرصد و"المراقبة والمعاقبة" (عنوان كتاب شهير لفوكو)، بدلا من اقتفاء أثر هاري بريفرمان الذي رسم في كتابه "العمل ورأس المال الاحتكاري" خريطة للثقافة مجالا للمقاومة، وللخيال الشعبي، والطبقة الاجتماعية. وإذا كان فوكو يمضي بالدراسات الثقافية إلى طريق مسدود، فإن السير وراء بريفرمان يعود بالثقافة إلى جذورها، بإضفاء الطابع العمالي على الثقافة.

في ظل الرأسمالية، تتشكّل الثقافة عالماً مجرّداً من الروحانية المعمّمة أو التدين المعمم

وعلى خلفية هذا الانقلاب الثقافي، تراجع دور مثقف السوق، رجل المشروعات الفكرية الذي يتعامل بالقطعة، نتيجة التوسّع الهائل في صناعات الثقافة والأجهزة الثقافية في الدولة، وهو مركب يشمل الجامعات في فترة ما بعد الحرب العالمية.

يجادل دينينيغ بأن البرجوازية بعيدة عن أن تكون القوة الدافعة وراء الديمقراطية، فنادرًا ما كانت قوة إيجابية بهذا الشأن. وينتقد بشدة "إجماع واشنطن" الذي يصرّ على أن الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية لا علاقة لهما بالديمقراطية السياسية. ويصرّون على أن صناعة القرار الاقتصادي لا بد من الحرص على عزله عن السلطة السياسية، وعن الضغوط الشعبية التي تستهدف دمقرطة أبعد مدى للمجتمع، ويعتبر أن كثرة من الانتصارات التي حققتها الدول الديمقراطية الجديدة دمّرتها قوى الخصخصة الرأسمالية. وهو يعتبر أن المرء لا يجد في هذه الدول سوى القليل من الديمقراطية السياسية من خلال عمليات التصويت، ولكن لا يجد أي ديمقراطية في مؤسسات المجتمع المدني، وخصوصا الشركات الصناعية والتجارية. لذلك يعتبر أن من الأمور بالغة الأهمية استعادة الديمقراطية من المناهضين للديمقراطية، ومن قبضة أولئك الذين يقولون إن الديمقراطية رأسمالية وأميركية. ويعتبر أنه عندما نفكر في الديمقراطية علينا أن نتذكّر الحركات الاجتماعية للعاملين التي كانت القوة الدافعة وراء الديمقراطية الحديثة، وفي مختلف أنحاء العالم. ويعتبر أن العمال هم الذين عليهم أن "يكسبوا معركة الديمقراطية" من جديد. ويخلص إلى أن الديمقراطية ليست بالضرورة رأسمالية، وليست بالضرورة أميركية.