التفسير التآمري لثورة يناير

التفسير التآمري لثورة يناير

31 يناير 2022
+ الخط -

تظلّ التطورات المهمة في تاريخ الشعوب محلّ جدل وتساؤل بشأن حقيقة دوافعها وأهدافها، والأطراف التي تقف وراءها، خصوصاً حين تنحرف الأحداث عن مسارها الطبيعي المتوقع وفقاً لبداياتها، إذ تبدأ سريعاً التفسيرات التآمرية والتساؤلات عن خطط وضعت مسبقاً ومؤامرات حيكت مبكراً. وليست ثورة يناير المصرية استثناءً من هذا النمط، فبعدما تبدّلت مجرياتها بدءاً من 30 يونيو/حزيران 2013، سرعان ما وُجهت لها اتهامات بالتلفيق والتآمر، وأنّها ليست تحرّكاً شعبياً تلقائياً، وإنّما مؤامرة على مصر والمصريين والدولة المصرية.
المؤامرات موجودة دائماً منذ بدء الخليقة، وهي بطبيعتها تستهدف دائماً طرفاً قوياً يخشاه المتآمرون، وإلّا لواجه المتآمرون خصمهم علانية ومباشرة. فماذا (أو من) كان يُخيف أو مصدر خشية في مصر حسني مبارك؟ وما هي تلك الأطراف التي كانت ستستفيد من إسقاط نظام مبارك؟ أو تخشى مصر الوديعة التي لا تعادي أحداً، المُنكفئة على نفسها داخلياً ومنهمكة في همومها الذاتية؟
كانت مصر مبارك دولةً متعاونة وحليفة للقوى الكبرى المسيطرة في العالم. ولم تكن تمثل أي تهديد أو إعاقة لسياسات الدول الكبرى في المنطقة. وإقليمياً، وصل نظام مبارك في شبكة التحالفات وتوافقات المصالح والسياسات مع أهم دول المنطقة، حداً يصعب معه تصوّر رغبة أو مصلحة لأي منها في إسقاطه أو تغيير طبيعة السياسة المصرية وتوجهاتها، لا الداخلية ولا الخارجية.
وبغض النظر عن توصيف تلك المقبولية وتقييمها إقليمياً وعالمياً، كمردود لتوازن الدبلوماسية المصرية وكفاءتها، أو نتيجة منطقية للكمون الداخلي والانكماش الخارجي. المهم أن مصر مبارك لم تكن مصدر قلقٍ لأي كان، ومن ثم لم تكن "wanted" لدى أي طرف بأي شكل. فأين هو ذلك الطرف؟ ولأي مصلحة أراد التآمر على مصر والمصريين في يناير 2011؟ هذا من منطلق نفي المصلحة الخارجية، لكن ثمّة منطلقاً آخر مهما، وهو تتبع أداء الفاعلين والمشاركين الداخليين، وتحديد ما إذا كانت تصرّفاتهم مرتبة ومخططة مسبقاً باعتبارها مؤامرة، أم كانت فقط استجابية للتطورات، ورد فعل على مواقف فاعلين آخرين.
باستعراض قائمة أصحاب يناير (قوى سياسية واجتماعية أو مجموعات أو أفراد ناشطين) وكلّ من بدأ أو شارك أو التحق أو استفاد من ثورة يناير، يمكن بسهولة شديدة الجزم بأنّها لم تكن مؤامرة، فالطرف الأقوى في مصر دائماً وأبداً والفاعل الرئيس في ما بعد يناير بأيام قليلة هو المؤسسة العسكرية، وهذه لم تكن طرفاً بالمرّة في يناير (سواء مؤامرة أو ثورة) لأنّها فوجئت تماماً بما جرى، قبل أن تطوّر موقفها سريعاً وتبدأ في احتواء الموقف ومجاراته ثم توظيفه لاحقاً.
أما بقية الفاعلين الأوائل، فلم يستفد أيّ منهم من يناير، بل لم يستمرّ معظمهم ضمن قائمة اللاعبين الرئيسيين على الساحة سوى زمن قصير، تراوح من أسابيع إلى بضعة شهور. والقائمة هنا تشمل أسماء كانت رنانة مثل حركة 6 إبريل والحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) وكذلك المجموعات الناشطة التي تبلورت قبل يناير على شبكات التواصل، مثل "كلنا خالد سعيد" وغيرها.
الطرف الوحيد الذي استفاد ظاهرياً ومرحلياً هو جماعة الإخوان المسلمين التي وصلت نظرياً إلى بعض مناصب السلطة بعد عام ونصف العام من الثورة، بينما لم يكن للجماعة لا كتنظيم ولا كأفراد حضور حقيقي يُعتد به خلال الأيام الأولى لاندلاع الثورة، إلّا في يوم 2 فبراير "معركة الجمل" وما بعده.
إذاً، من دشّنوا الثورة لم يكملوها ومن "ركبوها" ليسوا آباءها الأوائل، ولم يحضروا ولادتها، فأيّهم المتآمر؟ لكنّ نفي تآمرية ثورة يناير لا يكفي وحده لدحض سؤال المؤامرة، إذ يقدّم وجهاً واحداً للحقيقة. ولرؤية الوجه الآخر، لا بدّ من تحرير إجابة سؤال: هل تعرّضت ثورة يناير للتآمر؟ وكيف؟

58A20E76-8657-4557-85A3-A5682BEB4B9A
سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط. درس العلوم السياسية وعمل في مراكز أبحاث مصرية وعربية. له أبحاث ومقالات عديدة في كتب ودوريات سياسية.