الانقسام السياسي وشلل المؤسسات الأميركية

الانقسام السياسي وشلل المؤسسات الأميركية

14 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

ليست المرة الأولى التي يتعادل فيها أعضاء مجلس الشيوخ بين الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، إذ ينقسم مجلس الشيوخ مناصفةً بين الحزبين، بما يعكس انقساماً حزبياً نادراً. ليست المرة الأولى، لكنّها قد تكون الأكثر تعبيراً عن الانقسام السياسي والحزبي العميق الذي تعيشه الولايات المتحدة اليوم، إذ ينطبق الوصف ذاته على إدارة الولايات، وعلى أعضاء المحكمة الدستورية العليا، وعلى الخطاب السياسي الحزبي الذي أصبح يركز على العدو - الخصم بوصفه الآخر من الحزب المختلف، بما يشير إلى أن الانقسام الحزبي سيكون له أثره على المؤسسات السياسية الأميركية على المستوى البعيد.
تتألف المحكمة الدستورية العليا من تسعة أعضاء، وقد تمكّن الرئيس السابق، ترامب، من تعيين ثلاثة أعضاء خلال أربع سنوات، فيما لم يعيّن سلفه أوباما خلال سنواته الثماني سوى عضوين، ما جعل للمحافظين الأغلبية على حساب القضاة الليبراليين. فمع وفاة القاضي سكاليا، وهو من أشهر القضاة المحافظين في هذه المحكمة، وكان أوَّل قاضٍ من أصول مكسيكيَّة عيّنه الرئيس ريغان قاضياً فيها، واشتهر بمواقفه وتفسيراته النصيَّة، كما كان يقال عنها، لنصوص الدستور، وكان قد شكَّل توازناً حقيقيّاً في المحكمة بين الليبراليين والمحافظين، وهي قضيَّة بالغة الحساسيّة في الولايات المتحدة، مع وفاة الرجل، تمكّن ترامب من تعيين ثلاثة من القضاة المحافظين، ينتمون إلى مدرسة القاضي سكاليا في التفسير النصّي للقانون، وهو ما أخلّ بتوازن المحكمة لمصلحة المحافظين، وزاد تخوف الديمقراطيين والليبراليين من تراجع المحكمة عن دعم قضاياهم، فيما يتعلق بحقوق المثليين والإجهاض، وغيرها من القضايا بالغة الحساسية، وخصوصاً بالنسبة إلى المحافظين، وفي الولايات الوسطى والجنوبيَّة، وهو ما انعكس في خطاب الحزب الديمقراطي اليوم الذي بدأ يتحدّث عن توسيع المحكمة الدستورية العليا، كي تضم 12 عضواً، لا تسعةً فقط. وشكل الرئيس بايدن لجنة خاصة لدراسة هذا الموضوع، وتقديم تقرير نهائي إليه بشأن ما يسمى توسيع المحكمة العليا.

ورث بايدن الاقتصاد الأميركي في 2020 في أسوأ أزمة ماليَّة تعصف بالولايات المتحدة منذ الكساد الكبير في 1929، بسبب جائحة كورونا

أما الولايات الأميركية التي تتوزع بين حمراء جمهورية، وزرقاء ديمقراطية، فيسيطر اللون الأحمر على كلّ الولايات الجنوبية تقريباً، بينما يسيطر الأزرق على ولايات الساحل الغربي والشرقي للولايات المتحدة. ويبدو المشترك بين هذه الولايات ضعيفاً إذا ما نظرنا إلى كيفية ردّ فعل الولايات الأميركية على وباء كورونا، وكيف اختلف ردّ فعل الولايات الجمهورية عن ردّ فعل الولايات التي يحكمها الديمقراطيون. ومع انتشار اللقاح الآن، وقد وصلت نسبة الملقحين من الأميركيين البالغين إلى أكثر من 60 في المائة، يسيطر الخلاف الآن على الطريقة الأفضل لإنعاش الاقتصاد ودور الحكومة الفيدرالية في ذلك. فقد ورث الرئيس بايدن الاقتصاد الأميركي في عام 2020 في أسوأ أزمة ماليَّة تعصف بالولايات المتحدة منذ الكساد الكبير في عام 1929، بسبب جائحة كورونا. واستمر بايدن في سياسة ترامب في الدعم الحكومي للقطاعات والأعمال الصغيرة والأفراد، بغية إنعاش الاقتصاد.
ربما أدت سياسات بايدن الاقتصادية في الدعم الحكومي المباشر دوراً في تجنيب الأسوأ للولايات المتحدة وللعالم، عبر تبنّيه برامج الدعم الحكومي للمؤسَّسات والشركات الصغرى، وهو عمليّاً إجراء تبنّاه الرئيس ترامب سابقاً، لكنَّ بايدن وسَّع هذا البرنامج بنحو أكبر، فشمل الإعانات المباشرة لملايين الأميركيين، فضلاً عن برنامج دعم قطاع الاقتصاد للمؤسسات الصغرى التي تضرّرت أكثر من غيرها بسبب الوباء. واستطاع بايدن، خلال المائة يوم الأولى، إيجاد فرص للعمل، اعتبرت تاريخيَّة مقارنة بمن سبقه من الرؤساء. فقد وصلت نسبة البطالة في العام الماضي إلى 11%، وهي من أعلى نسب البطالة في تاريخ الولايات المتحدة. لكنَّ المشكلة الآن، والتخوف، أن تُحدث سياسة الدعم الحكومي هذه تضخّماً في السوق، وبالتالي ترفع الأسعار كثيراً.

سادت المبادئ الأيديولوجيَّة الأميركيَّة في العالم، فالديمقراطيَّة وحقوق الإنسان، على الرغم من كونهما إرثاً إنسانيَّاً مشتركاً، فإنَّ السياسة الأميركيَّة هي الأكثر تحدّثاً باسمهما

قد يقول بعضهم إنّ الانقسام السياسي الأميركي كان دوماً جزءاً من المؤسسات الأميركية ونظام الثنائية الحزبية الذي سيطر على الولايات المتحدة منذ تأسيسها، وترسّخت قوته مع صعود القوّة الأميركيَّة مع نهاية الحرب العالميَّة الثانية، فخاضت الولايات المتحدة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي، فخرجت منتصرة تماماً، ولا سيّما مع إعلان انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكّكه. وتمزّقت دول المنظومة الاشتراكيَّة التي التحقت الواحدة تلو الأخرى بالمنظومة الأميركيَّة، وسادت المبادئ الأيديولوجيَّة الأميركيَّة في العالم، فالديمقراطيَّة وحقوق الإنسان، على الرغم من كونهما إرثاً إنسانيَّاً مشتركاً، فإنَّ السياسة الأميركيَّة هي الأكثر تحدّثاً باسمهما، وتبدو الأكثر حرصاً على تطبيقهما. ولذلك، ارتبطت الفكرة الليبرالية الديمقراطية بالسياسة الأميركية، وانقسام المؤسسات اليوم ستكون له تداعيات على السياسة الخارجية، كما وجدنا ذلك في انقسام موقف الحزبين من إسرائيل، وعدوانها أخيراً على غزة. وبينما كرّر الجمهوريون موقفهم الداعم لإسرائيل، يبدو الحزب الديمقراطي، اليوم، كأنّه أكثر تشكّكاً في جدوى الدعم الأميركي لإسرائيل، إذا ما استمرت سياساتها المعتادة تجاه الفلسطينيين.