الانتفاضات العربية لم تكن مؤامرة

03 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

عشر سنوات بعد انطلاق شرارة التغيير من تونس أولاً، امتدادا إلى مصر، وصولا إلى البحرين، مرورا بالأردن ولبنان وسورية، ما تزال نظرية أنها مؤامرة وليست انتفاضات عضوية تسيطر على أذهان مثقفين وسياسيين ومواطنين عرب كثيرين، فجعوا من تداعيات تدخّل خارجي، ومن حروب دامية وانقسامات طائفية.

كانت المؤامرة، إذا صح التعبير، في اختطاف الثورات ومصادرة طموحات الجماهير المنتفضة، وفي ثورات مضادة جاءت عبر عدة جبهات من "الدولة العميقة"، وقوى التدخل الخارجي، ومجموعات رفعت شعار الإسلام غطاءً لتطرّفها وإجرامها، فما دخول تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيمات مماثلة على خط الانتفاضة السورية إلا مصادرة لمطالب جماهيرية محقّة، وما دخول واشنطن على موجة الانتفاضات إلا لتطويعها واستغلالها، للسيطرة على مستقبل المنطقة، حتى لا تخرج الأنظمة، قديمة وجديدة، عن طوعها.

كانت المؤامرة، إذا صح التعبير، في اختطاف الثورات ومصادرة طموحات الجماهير المنتفضة، وفي ثورات مضادة جاءت عبر عدة جبهات من "الدولة العميقة"

صحيح أن غياب وعي القيادات الشابة، أو ضعفه، وعدم قدرتها على ربط الحريات المدنية والعدالة الاجتماعية بمفهوم التحرّر والاستقلال، أوقعها تحت تأثير قوى داخلية وخارجية متعدّدة الأجندات، لكن ذلك لا يلغي المظلومية الحقيقية التي دفعت محمد البوعزيزي في تونس إلى حرق نفسه، والجماهير في الخروج إلى الشوارع والساحات، متحدّية رصاص الأنظمة القمعية، ولا يلغي مشروعية الاحتجاجات ضد عقودٍ من الكبت والاستبداد، فضعف الأحزاب العربية التقدّمية، من يسارية وغيرها، نتيجة سنواتٍ من المنع والبطش الرسمي، أو التهميش والتجريم، إضافة إلى ضعف تركيبتها التي فشلت في التجديد واستقطاب الجماهير التي ترتعب من تهمة "العمل الحزبي"، أو التي أصابتها خيبة أمل في أداء الأحزاب، كان عاملا مهما في افتقاد قيادةٍ موحدةٍ، ورؤية واضحة للقيادة الشبابية في الميدان.

كانت جماعة الإخوان المسلمين أكثر تنظيما والمهيأة لاستلام دفّة القيادة، لكن الصبغة الدينية لرؤيتها جعلها عاجزة عن فهم طبيعة الصراع الطبقي ومركزية الحريات والحقوق الاجتماعية التي ترى في بعضها تهديداً لتعاليم الدين كما تفهمها، إضافة إلى قصورها في فهم أسس العدالة الاجتماعية، فلا يوجد في أدبياتها عن دور الدولة في الرعاية الاجتماعية، أو فهم لعمل المؤسسات العالمية، مثل صندوق النقد الدولي، سوى من منظور الحلال والحرام، وفقاً لبراغماتية قصيرة النظر، فالدستور الذي تقدم به الرئيس المنتخب محمد مرسي في مصر كان أوضح دليل على قصور الرؤية، فجرى التركيز على تحدّي الحريات الاجتماعية في تنازل مهم للحركة السلفية، واحتوى على لغةٍ قد تؤسّس لدولة دينية، وفشل الدستور في إرساء أسس قانونية للعدالة الاجتماعية، أدى إلى توسيع الاحتجاجات الشعبية ضد الرئيس مرسي، وخروج الناس مجدّداً إلى ميدان التحرير. ولكن لا يمكن هنا الفصل بين "أخطاء الإخوان"، بسبب طبيعة الجماعة غير الثورية، وحملات التحريض المنظم من الإعلام المصري، ودول خليجية في مقدمتها الإمارات. وهذا لا يبرر الخلل الفكري والسياسي عند الإخوان المسلمين، فوصولهم إلى الحكم في مصر أخاف قطاعا واسعا من الشعوب العربية لأسباب موضوعية، وأخرى غير موضوعية، أي أنها استجابت للتحشيد الذي شنته الدولة العميقة في مصر ودول أخرى ضد الرئيس مرسي.

ساهم دخول قيادات الإخوان المسلمين على خط الانتفاضة السورية، في انقسام حاد بين المثقفين والأحزاب بين تأييد الثورة واعتبارها مؤامرة

لم يأت الانقلاب العسكري حركة تصحيحية، وإن دافع كثيرون عنه في حينه، لكنه كان، من أول لحظة، انقلاباً على الثورة المصرية بكل مكوناتها، مستغلاً أخطاء الرئيس مرسي، وخوف الناس من حكم "الإخوان"، لينقضّ على كل مكونات الانتفاضة المصرية كما ثبت بعد فترة، وشن حملات الاعتقالات والزج في السجون، بدأت بالإسلاميين، وامتدت إلى كتّاب وأكاديميين وشباب ممن قادوا احتجاجات "30 يونيو" في عام 2013 ضد حكم مرسي. ولم يع كثيرون أن صعود عبد الفتاح السيسي جزء من الثورة المضادّة إلا بعد فترة، فالانتفاضات أيقظت الأمل بنشوء دولة مدنية علمانية، فكان صعود الإخوان المسلمين مصدر خوف وغضب. ولكن شتان بين مفهوم الدولة المدنية التي تؤسس لدولة المواطنة والعدالة الاجتماعية وانقلاب عسكري أدخل مصر في حقبة قتل وتعذيب غير مسبوقة، إلى حد التسبب في وفاة الرئيس المنتخب والسجين محمد مرسي.

وأيضا، ساهم دخول قيادات الإخوان المسلمين على خط الانتفاضة السورية، وللجماعة وجود قوي بين فئات شعبية، في انقسام حاد بين المثقفين والأحزاب بين تأييد الثورة واعتبارها مؤامرة، لم يكن تاريخ النظام السوري القمعي والدموي خافيا على أحد، ولا يستطيع أحدٌ إنكاره، لكن تبنّي الولايات المتحدة فئات من المعارضة السورية أضعف تأثير الانتفاضة السياسية، وانتقص من حريتها، فواشنطن لم ولن تدعم حريات الشعب السوري، بل تعمل على السيطرة على مستقبل سورية التي تتصارع أطراف إقليمية ودولية لإضعافها والتحكم بها، فحماية روسيا وإيران النظام لا يمكن تغليفها بدعم محور المقاومة؛ إذ أن النشاط الإيراني أسهم ويسهم في تعميق انقسام طائفي غير مسبوق في سورية، فيما تقوم موسكو بتسيير دوريات قرب هضبة الجولان المحتلة، لإبقاء حزب الله بعيدا بهدف طمأنة إسرائيل.

شتان بين مفهوم الدولة المدنية التي تؤسس للمواطنة والعدالة الاجتماعية وانقلاب عسكري أدخل مصر في حقبة قتل وتعذيب

لا يمكن فهم كيف تحوّلت الثورات العربية إلى خيبات أمل، من دون محاولة فهم ما حدث في مصر وسورية من تجليات للثورة المضادّة، فلم ترد القوى الإقليمية أو الدولية تقبّل تغييرات ثورية في أي من الدولتين المحوريتين، فعلى الرغم من عداء واشنطن لنظام الأسد، فإن نجاح ثورة حقيقية تهدّد مصالحها. ولهذا دخلت على خط الانتفاضة، مستغلةً ضيق الشعب السوري بقمع النظام وغياب الوعي التحرّري، إضافة إلى العقلية الانتهازية التي تصل إلى حد الارتزاق في بعض صفوف المعارضة السورية. كما أن غياب الوعي أو قصوره عامل بالغ الأهمية، كما الذي شوهد ويُشاهد في صفوف حركات معارضة في الوطن العربي وفي تجمعات ومنظمات أهلية من قبول مستهجن بالأجندة الأميركية وفصل مخيف بين الحقوق المدنية ومفهوم التحرر الوطني، الأمر الذي يجعل فئات شبابية وفاعلة أكثر عرضة للاستغلال، فتقع بين قمع الدول المضادّة للثورات والتغيير وخطر تأثير الدوائر الغربية، وتجعل تهمة العمالة ذريعةً سهلة للقمع، كما نرى في مصر، حيث يجسّد النظام القائم التبعية الذيلية، لكنه يُحاكم أعضاء منظماتٍ أهلية بتهمة العمالة للغرب.

وتحولت بعض الانتفاضات من شرارة أمل إلى شبح عنف وقتل طائفي وعدم استقرار، وكأن على الشعوب أن تختار بين الاستقرار والفوضى، وبين الاستبداد وحكم الإرهاب الداعشي، وبين الحكومات الوطنية على سوئها والاستعمار، لكن ذلك لم يطفئ أمل الأجيال الجديدة التي تجدّد الثورة على الرغم من كل الانتكاسات. وفشلت قيادة هذه الانتفاضات في صيانتها، نتيجة القمع الدموي ونقص الوعي التحرّري والتنظيمي، ونتيجة التدخل الإقليمي والدولي، والخوف من مد الإسلام السياسي، ونتيجة إفلاس بعض فئات المعارضة نفسها وفسادها. ولكن لا مكان للاستسلام، فالمظلومية التي ألهبت الانتفاضات تعمقت واتسعت، وأصبحت الأنظمة أكثر وقاحة، إلى درجة التضحية بالحقوق والسيادة الوطنية لإرضاء إسرائيل. لكن لا مجال للشلل؛ المقاومة تتطلب وعيا متقدّما وحركة تضامن حقيقية، فلا يمكن السكوت عن اعتقالات وتعذيب أو ضرب للحريات، وعن تقويض سيادة في أي بلد عربي. .. الثورة المضادة منتشية بانتصاراتها، ولكن لا بد أن تترنح وتنهار.