الانتخابات العراقية .. مشاركة أم مقاطعة؟

23 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

يؤثر عن السياسي الألماني الداهية، أوتو فون بسمارك، قوله إن الكذب عند السياسي يكون عادة في موسم الانتخابات، وفي أوقات الحروب. ويبدو أن الساسة الذين يحكمون العراق اليوم أتقنوا مقولة بسمارك عمليا، إذ بدأوا مبكّرين موسم الانتخابات المقرّرة منتصف العام المقبل (2021). شحذوا أقلامهم، وأخرجوا ألسنتهم في سياق إعلان مواقف في قضايا تهم الوطن والمواطن، وهم يدركون جيدا أن مواقفهم تلك كاذبة ومفتعلة، لكنها أصبحت لازمة لهم، بعدما أوجسوا خيفة من أن يستطيع ثوار تشرين قلب الطاولة وإلقاءهم في حاويات القمامة، كما فعل الأوكرانيون عندما أقدموا على رمي نواب ووزراء متورّطين في قضايا فساد وإفساد في حاويات القمامة، في إطار "حملة التطهير بالقمامة" التي أطلقها حزب القطاع اليميني الأوكراني في حينه "لإذلال من أذل الشعب"، كما قال زعيم الحزب، يوري مينديوك. 

ولأنهم مأزومون إلى حد الاختناق، أنشأوا جيوشا إلكترونية، وأقاموا محطات فضائية خاصة بهم، ممولة من مال الشعب، لتبييض صفحاتهم السوداء، وترويج طروحاتهم السقيمة، فهذا هو موسم اللعب على الذاكرة، والضحك على ذقون المواطنين المهمومين بضرورات حياتهم اليومية التي أصبحت تشكل ترفا لا يستطيعون تحمّله! 

تُرى، هل يتذكّر هؤلاء السياسيون الذين يشحذون أقلامهم، ويخرجون ألسنتهم في ادعاء نصرة الوطن والمواطن، أنهم قتلوا في عام واحد سبعمائة شاب ناشط، وجرحوا وأعاقوا عشرين ألفا، كل ذنبهم أنهم أرادوا استرداد وطنهم المنهوب؟ هل سمع هؤلاء أخبار انتحار مئات الشباب والفتيات بسبب الجوع أو البطالة، واليأس من الحياة وانعدام الأمل؟ هل فكّر هؤلاء القابعون وراء أسوار المنطقة الخضراء أن ثمّة أناسا يعيشون في مخيمات داخل بلادهم، لا تتوفر فيها أدنى مقومات الحياة، بعد أن منعت المليشيات إعادتهم إلى منازلهم ومدنهم الأصلية، فيما تزداد معاناتهم يوما بعد يوم؟ هل وصلت إليهم أخبار جيوش المليشيات المؤتمرة بأمر طهران، وهي تغرق البلاد بالدم، تقتل وتخطف وتعتقل، من دون حسيب ولا رقيب؟

ثوار تشرين الذي أشهروا هدفهم في استعادة وطنهم مدعوون إلى الإفصاح عن موقفهم من "الانتخابات" التي مثلت واحدا من أهم مطالبهم

يحدث هذا كله أمام الأعين، ويأتي من يقول لك إن الانتخابات البرلمانية المقبلة هي الكفيلة بتغيير كل شيء، فيما لم يعد الناس ليصدّقوا هذه اللعبة، أو يرهنوا مستقبلهم عليها. ولذلك يميل المزاج الشعبي العام إلى مقاطعتها، لأن ثمّة خيبة أمل، وشعورا عاما بالعجز عن إحداث تغيير ما دامت الطبقة السياسية نفسها هي المتسيدة، وما دامت المنظومات والآليات نفسها هي التي ستدير اللعبة، وحتى لو توفرت الأجواء الضامنة لحرية العملية الانتخابية ونزاهتها، وهذا لم يتوفر بعد، فإن الانتخابات لن تكون وحدها الحل الحقيقي لمشكلات البلاد.

في الجانب الآخر، يرصد المرء خروجا على الإجماع الداعي إلى المقاطعة. وأولئك الخارجون قليلون، يعتقدون بالمشاركة على قاعدة إثبات الرأي المخالف، لأن "البلد المعني هو بلدنا وليس بلد أناس آخرين، وواجبنا أن نعمل على وقف المسار التراجيدي الذي ينزلق إليه". وفي كل الأحوال، شارك المواطن في لعبة الانتخابات أو قاطعها، فهو في الحالين سيخرج في اليوم التالي باحثا عن رغيف خبز أو حبّة دواء. وسوف يكتشف، ولو بعد حين، أن كل الكتل والتحالفات السياسية ملتزمة عمليا بشعار "ما ننطيها" السيئ الصيت الذي أطلقه زعيم كتلة "دولة القانون"، نوري المالكي، وتمسّك به أضرابه من رجال "العملية السياسية" الطائفية، بمن فيهم من روج مشاريع وخططا "وطنية" للتغيير، ونظّم مؤتمراتٍ "تاريخية" في هذه العاصمة أو تلك، ثم انكفأ على وجهه مستسلما خانعا قانعا بالفتات! 

ليس أمام ثوار تشرين سوى التمسّك بالأمل، وإبقاء جذوة الثورة مشتعلة في الساحات، والحرص على وحدتهم ووحدة قرارهم

ما الحل إذن؟ هنا مربط الفرس، حيث ثوار تشرين الذي أشهروا هدفهم في استعادة وطنهم مدعوون إلى الإفصاح عن موقفهم من "الانتخابات" التي مثلت واحدا من أهم مطالبهم، وهو المطلب الذي سرقته حكومة مصطفى الكاظمي منهم وتبنّته، وحوّلته إلى ورقة بيدها، في حين تجاهلت المطالب الأخرى التي تشكل معه حزمة واحدة، فهي لم تقتصّ من قتلة المتظاهرين، ولم تقبض على حيتان الفساد، ولم تعمل على تفكيك المليشيات، ولم تشرع القوانين الضامنة حرية الانتخابات ونزاهتها. وفي المحصلة، فإنها لم تلتقط التحولات العاصفة التي وفرتها انتفاضة تشرين، وظلت أسيرة عرّابي "الدولة العميقة" وسدنتها الذين يقبضون على السلطة والمال والقرار.

وفي ظل هذه الأوضاع المثقلة بالانكسارات، ليس أمام ثوار تشرين سوى التمسّك بالأمل، وإبقاء جذوة الثورة مشتعلة في الساحات، والحرص على وحدتهم ووحدة قرارهم، والإصرار على تنفيذ حزمة المطالب كاملة، وقد أعذر من أنذر.