الانتخابات الأميركية .. إلى أين يتجه النظام العالمي؟

03 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

أجّج دونالد ترامب، صاحب الخلفية غير السياسية (من خارج المؤسسة الحاكمة، الحزبين الديمقراطي والجمهوري)، الشعبوي الذي غير وجه العالم، الصراع الديني، من خلال تبنيه خطابا عنصريا، وعزّز من خطاب اليمين المتطرف وفرصه السياسية، منذ جاء إلى السلطة في 2016، وقد تغير وجه العالم حقا، فاليمين المتطرّف أصبح أكثر قوة عما كان عليه، وبالتالي أصبحت فرص وصوله إلى السلطة في دول ذات ثقل سياسي، مثل فرنسا وألمانيا، كبيرة للغاية. كما أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت أكثر قتامةً عما كانت عليه. لقد تصرّف ترامب من خارج كل الأعراف السياسية والدبلوماسية الراسخة منذ عقود، فقد قام بتعقيد القضية الخليجية، ودعم الحصار المفروض علي قطر، كما أنه أطلق العنان للأنظمة القمعية بإشعال نار الحروب والتدمير وقتل المعارضين وسجنهم، موفرا لهم في ذلك غطاءً سياسيا لممارسة كل تلك الجرائم على مرأى العالم ومسمعه، وقضية الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، الذي قتل في قنصلية بلاده في إسطنبول وحرب اليمن مثالان واضحان على تقديم ترامب هذا الدعم السياسي لهذه الأنظمة القمعية في المنطقة العربية، لتمارس ما يحلو لها من قمع وقتل وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، من دون أي خوف من أي ضغوط قد تمارسها الولايات المتحدة أو حلفاؤها في هذا الشأن. 

استغلت الأنظمة القمعية الغطاء السياسي المقدّم من ترامب لتعزيز سلطتها من خلال قبضة أمنية غاشمة، والعصف بدولة القانون، والقيام بتعديلات للدستور للبقاء في السلطة مدة أطول

استغلت تلك الأنظمة القمعية هذا الغطاء السياسي المقدّم من ترامب لتعزيز سلطتها من خلال قبضة أمنية غاشمة، والعصف بدولة القانون، والقيام بتعديلات للدستور للبقاء في السلطة مدة أطول، كما فعل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي غيّر الدستور ليستطيع البقاء في السلطة حتى عام 2030. لكن ومع الانتخابات الرئاسية الأميركية، هناك حالة من القلق تنتاب تلك الأنظمة الاستبدادية، فاستطلاعات الرأي تؤكّد تقدم المرشح الديمقراطي، جون بايدن، علي الرئيس الحالي بفارق كبير، ما معناه أن بايدن قد يكون الرئيس القادم للولايات المتحدة. ولو حدث هذا فسيكون مقدمة لتغيير قواعد اللعبة السياسية في الشرق الأوسط، ففوز بايدن يعني تصدّر خطاب حقوق الإنسان مرة أخرى في أجندة الرئيس الأميركي، وهذا خطر حقيقي لتلك الأنظمة القمعية في الشرق الأوسط. ففي مصر مثلا يتخذ السيسي موقفا معاديا لحقوق الإنسان منذ صعوده إلى السلطة في 2014، حيث اعتقل عشرات الآلاف، وأغلق المجال العام وسيطر على الإعلام، إلى جانب الهيمنة على السلطتين، التنفيذية والتشريعية، طبقا للتعديلات الدستورية التي تمت في العام الماضي. وهذه الممارسات القمعية التي يقوم بها الرئيس المصري ناتجة من قناعة شخصية لديه بأن هامش الحرية الذي تم منحه للمعارضة قبل 2011، إلى جانب السماح للمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان بممارسة نشاطها، هو ما أدى إلى الانتفاضة الثورية في 2011، وأدت إلى إطاحة الرئيس حسني مبارك. هذا هو الهاجس والدافع الأساسي خلف هذه التصرفات التي يقوم بها الرئيس المصري، وقد ساعده علي ذلك الغطاء الذي منحه ترامب له، مقابل تنازلاتٍ سياسيةٍ أو في إطار صفقات سياسية، من أبرزها ما تسمّى صفقة القرن. 

سيكون لفوز  بايدن انعكاس على ممارسات السيسي. وبالتالي، ستضعه تحت ضغوط دولية من الولايات المتحدة وحلفائها

سيكون لفوز جون بايدن ودخوله البيت الأبيض انعكاس على ممارسات الرئيس المصري. وبالتالي، ستضعه تحت ضغوط دولية من الولايات المتحدة وحلفائها، كما أنه سيجعل هناك مؤسسات داخل الدولة المصرية تراقب الوضع عن كثب، وقد تتدخل في لحظة معينة لإطاحة الرئيس المصري. والقصد هنا المؤسسة العسكرية، والتي أصبحت الجهة الوحيدة القادرة على إحداث تغيير في مصر. لذا، من المفهوم ما يتم تداوله من أخبار الآن عن تبرع الرئيس المصري بأموال لحملة ترامب أملا في مساعدته في الفوز في الانتخابات والبقاء في السلطة، ما سينعكس على بقاء الرئيس المصري ذاته في السلطة، وتقديم مزيد من التنازل على حساب الأمن القومي المصري، ومكانة مصر الإقليمية التي تراجعت كثيرا في عهده.

يتشابه الأمر ذاته في السعودية، مع ولي العهد، محمد بن سلمان، الذي صعد إلي ولاية العرش في ظل الرعاية والموافقة السياسية لدونالد ترمب. بالنسبة للإمارات وولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، تعتبر خسارة ترامب إذا حدثت، هزيمة للولبي الإماراتي المشكل في واشنطن بقيادة السفير الإماراتي، يوسف العتيبة، والذي له علاقات نافذة في واشنطن، وهناك أنباء تم تداولها عن تدخل الإمارات في الانتخابات الرئاسية الأميركية الماضية، ما قد يعني فتح تحقيقات في هذا المضمار تؤدي إلي إدانة بن زايد. خسارة ترامب تعني أيضا انحسار نفوذ محمد بن زايد الذي يريد أن يكون رجل المنطقة على حساب مصر المريضة. ستكون هذه الخسارة في المجمل ضربة موجعة لمحور الثورة المضادة في المنطقة، وستضع حدّا أيضا للحرب الدائرة في اليمن منذ سنوات. 

فوز بايدن سيعني بداية جديدة للمنطقة، وسيسفر عن تغيرات على المستوى السياسي

منذ انطلاق الانتفاضات الثورية في الشرق الأوسط، أو ما يعرف بالربيع العربي، والمنطقة تشهد سيولة وانسيابية وتغيرا في موازين القوى، وتراجعا لدور الولايات المتحدة وعودة الدور الروسي من خلال البوابة السورية. تعمق تراجع دور الولايات المتحدة تحت حكم ترامب أكثر مما نتج عنه صعود قوى إقليمية أخرى، مثل تركيا وإيران، إلى جانب توحش الأنظمة القمعية. لذا فإن فوز جو بايدن سيعني بداية جديدة للمنطقة، وسيسفر عن تغيرات على المستوى السياسي. وسيكون أبزر المتضرّرين من هزيمة ترامب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، يليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي يواجه تحديات كبرى علي المستويين، الداخلي والخارجي، قد تطيحه في الوقت القريب. 

لكن ماذا إذا بقي ترامب في السلطة؟ معنى هذا أن الوضع سيبقى على حاله في الشرق الأوسط، وزيادة العنف من الأنظمة القمعية، كما أنه سيزيد من تصاعد الإسلاموفوبيا في الدول الغربية، وتعزيز قوة اليمين المتطرّف. ستؤدي كل هذه الأمور هناك إلى تغيرات كبيرة تتعلق بقوانين الهجرة واللجوء، وستدفع الجاليات المسلمة ثمن ذلك. 

الآن، وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي أًصابت العالم نتيجة فيروس كورونا، وزيادة معدلات الفقر وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وهزيمة النيوليبرالية في مواجهة أزمة الوباء، وتوغل الرأسمالية، وتصاعد اليمين المتطرّف، واشتعال الحروب في مناطق مختلفة، يدل هذا كله على أن العالم يقف علي حافّة أزمةٍ كبرى، وأنه لا يتحمل وجود شخصٍ مثل ترامب، وقد يعني اشتعال مزيد من الحروب، وتفجر الوضع القادم. فماذا تخبئ الأيام القليلة المقبلة للعالم؟