الإعلام الفاعل في "السلطة الحيوية"

الإعلام الفاعل في "السلطة الحيوية"

22 اغسطس 2021
الصورة

(Getty)

+ الخط -

لم يعد من الممكن العيش خارج حدود السلطة الرقميّة، أو الميديا بأشكالها المختلفة، بل صارت عصب الحياة الرئيس. ولم تعد ممكنة الإحاطة بمعنى الحريّة وصفاتها، هل هي مطلقة، باعتبارها مفهوماً، لها جناحان يتبدّلان بحسب اللحظة وما يتغير في حياة البشر وأساليب عيشهم وأفكارهم وقواعد نظم حياتهم، فتبقى محلقة بلا قيود ولا حدود؟ أم أنها دائماً خاضعة لمساراتٍ وأنساقٍ تحدّدها القوّة المسيطرة في أي مجال؟

ليست الحرّية هي ما تريد المقالة الإضاءة عليه، بل حرّية وسائط الميديا المتعدّدة في فبركة ما تشاء من المعاني والمفاهيم والصور والأدوات وإشهاره، موجّهة إلى العامة في سبيل صياغة ثقافة ما، ينجم عنها رأيٌ ما، وفق أجنداتها. هذا ما يمكن إدراجه تحت مفهوم السلطة الحيويّة، بحسب ميشيل فوكو، وهي من أخطر السلطات، خصوصاً إذا ما وضعنا في المقابل ما للإعلام من سلطة مستقلّة أُطلق عليها اصطلاحاً تعبير السلطة الرابعة. السلطة الحيوية، التي لوسائل الإعلام والتواصل الحصّة الأكبر في ميدان اللعب فيها، أخطر ما وقعت تحته الشعوب، خصوصاً في المناطق العربية والإسلامية، ومنها بلداننا التي انزلقت، بتسارع رهيب، في السنوات الماضية إلى متاهات أوصلتها إلى الدمار في عديد من أوطانها، وما زالت الحروب مشتعلة فيها والدمار نشطاً وفعّالاً. وكان للوسائط دور فائق التأثير وصل إلى مستوياتٍ أخطر من الأسلحة بكل أشكالها، فالأسلحة تقتل وتدمّر، بينما المفاهيم التي يبثّها الإعلام في إرساليّاته تفعل فعلها خلال الزمن، وتعلق في العقول والضمائر حتى تكاد تلتصق بالجينات وتصبح مثل علاماتٍ وراثية. والدليل الأكبر تمكُّن الثقافة التي أنتجتها السلطات الحيوية من عقول الذين هاجروا أو هربوا من بلدانهم المستعرة في العشرية الأخيرة وضمائرهم، والسوريون مثال حيّ عليهم.

الأسلحة تقتل وتدمّر، بينما المفاهيم التي يبثّها الإعلام في إرساليّاته تفعل فعلها خلال الزمن، وتعلق في العقول والضمائر

كثيرة هي صفحات التواصل الاجتماعي لمجموعاتٍ أحدثها السوريون في ألمانيا، من "كراجات المشنططين" إلى "سوريون في ألمانيا"، إلى "سوريون من جديد في ألمانيا"، إلى "قلبي قلبك" وغيرها، يطرحون فيها مشكلاتهم، ويقدّم بعضهم المساعدة والدعم إلى بعض، بمتابعة هذه الصفحات يمكن استخلاص نتائج وملاحظات غاية في الأهميّة وجديرة بالدراسة، ويمكن تكوين فكرةٍ عن مدى تأثير تلك السلطة الحيوية التي نشأوا عليها في بلادهم ومناطقهم قبل الوصول إلى ألمانيا، وكيف أن لديهم أيضاً سلطتهم الحيوية في فضاء "فيسبوك"، يرعاها وينمّيها بعض الجهات الفاعلة.

إحدى القضايا التي طُرحت، وتُطرح باستمرار، كانت موضوع المهر. إذ كتبت إحداهن أنّ عريساً تقدّم لأختها و"باين عليه ابن حلال"، لكنهم، في البيت، لا يعرفون ما المهر الذي عليهم طلبه؟ تسأل أصدقاء الصفحة عن المهر المتعارف عليه في ألمانيا. المذهل والمحزن والمؤسف هو ما أظهرت التعليقات من جمود الوعي عند يقينيّات معوّقة وتتعارض مع روح العصر وثقافته الحيوية، فقد كان الاتفاق مبدئيّاً على قيمة المهر، وهي عشرة آلاف يورو، نصفها مقدّم ونصفها مؤجّل، وبعض الاقتراحات عن كيفية تحصيله، في بلد اسمه ألمانيا تضمن قوانينها حق العيش الكريم لكل من يعيش على أرضها، حتى لو لم يكن لديه عمل، فهي تقدّم المساعدات من أجل السكن والمأكل والملبس والتعليم والضمان الصحي، وأظهرت إحصائية منذ شهرين أو ثلاثة أن ما نسبته 65% من الحاصلين على المساعدات هم من السوريين. لكن اللافت أن الغالبية كانت تشفّ من خلال تعليقاتها، أو تجهر صراحة، عن صورة نمطية مهينة للمرأة مدعومة بالسند الشرعي أو باستشهادات من فتاوى بعض المشايخ الرائجين وخطبهم في الإعلام والميديا، التي جميعها تصبّ في حوض معرفي وقيمي يقدّم المرأة وسيلة للمتعة والإنجاب والخدمة، كأن يقول أحدهم: "يا أخي، أنت عم تدفع المبلغ المرقوم على الأكل بالمطاعم وعلى تنظيف البيت وعلى غسيل وكيّ ثيابك وعلى وعلى.. احسبها بتكون أنت الربحان، بتسترجع المبلغ من أول ست شهور".

السلطة الحيوية، التي لوسائل الإعلام والتواصل الحصّة الأكبر في ميدان اللعب فيها، أخطر ما وقعت تحته الشعوب، خصوصاً في المناطق العربية والإسلامية

في الوقت نفسه، شغل مواقع التواصل منذ أيام مقطع مجتزأ من فيديو عن خطبة الجمعة لإمام مسجد في إحدى المناطق في سورية مما تسمّى محرّرة، في الواقع. وبعد أن رأيت الفيديو كاملاً، وجدت الفكرة التي يطرحها الشيخ مهمة ونبيلة، لكن الطرح يعتدي على نبلها، فهو يدافع عن مفهوم الأسرة وقيمته في المجتمع، لكن بسندٍ ديني إسلامي فقط، وأظنّه بعيدٌ عن روح الإسلام، مع اتهام الغرب بالكفر والإلحاد. لكن اللافت وصمه الفتيات والنساء العاملات، حتى في المناطق المحرّرة، لمنظمات الأمم المتحدة، وهنّ من بناتنا، بأنهن يروّجن مفاسد الأخلاق والعري والتعرّي، "هنالك حشد قوي من الدوائر الاستعمارية، دوائر الكفر والضلال في كل الغرب، حشدت جيوشاً وأدخلتها إلى بلادنا لتحرف الشباب عن دينهم وقيمهم وأخلاقهم، هنالك نساء من أبناء جلدتنا من أبناء بلدنا ومدننا "يأتون" مجنّدات من قبل الأمم المتحدة وغيرها من مراكز التكفير ينشرون بين فتياتنا ما يسمّونه تحرير المرأة، وأن تُمكّن المرأة من حرّيتها. هكذا يعبّرون لبناتنا ونسائنا، إنك مستعبدة لهذا الزوج أو الأب أو الأخ الكبير، هؤلاء المجنّدات من الدوائر الكبرى في الغرب لإفساد نسائنا". ويتابع: "الغرب يريد أن نخسر الأسرة كما خسروها، وقد بدأوا بذلك، ونسأل الله أن تبقى أسرتنا متماسكةً مترابطةً متحابّة، هذا السوس الذي بدأ ينخر في بلادنا أصبحنا نخاف على أسرنا منه، وقد فقدنا بعض أعضاء أسرنا، خرجوا عن "طاعة الزوج" وهذا دليل شؤم فظيع، إذا أغمضنا عيوننا عمّا يجري في بيوتنا".

هذا جانبٌ من جوانب السلطة الحيوية التي تمارس فعلها المؤثر بقوة في طريقة تفكير الشرائح المستهدفة، بتوافر الوسائط المتعدّدة، ووصولها إلى خارج البقعة الجغرافية المحدودة أو الضيقة. لذلك ليس مثيراً للعجب أو التساؤل أن تكون المجموعات الافتراضية أو الواقعية تمارس حياتها وفق المنظومات والضوابط القديمة ذاتها، من دون الانفتاح على قيم أخرى أو ثقافات المجتمع المضيف.

ليس مثيراً للعجب أو التساؤل أن تكون المجموعات الافتراضية أو الواقعية تمارس حياتها وفق المنظومات والضوابط القديمة

أمّا الخطر، فهو تلك الثقافة التي تسرّب بطرق خفية وناعمة وزئبقية بواسطة الصياغة الإعلامية للفضائيات والمنابر المؤثرة، وكثيراً ما أطلق بعضها تعابير راجت وصارت حاملة معنى بمفردها يُصاغ حوله الكتب، إن كان تجاه بعض القضايا السياسية أو الاجتماعية أو غيرها. منها فضيحة اغتصاب طفلة رضيعة في مصر قبل عدّة أيام، وقضايا الاغتصاب شائعة وموجودة بكثافة وتحصل كل يوم، لكن الإعلام لا ينشغل بها كلها. العنوان الذي أشهرته إحدى الفضائيات "طفلة بامبرز جديدة.. شاب يهتك عرض رضيعة في مصر". عنوان صادم، سيهزّ أعتى النفوس ما دام الأمر يتعلق برضيعة، وستمرّ جملة "يهتك عرض رضيعة" من دون انتباه إلى قسوتها وظلمها وطغيانها وتحقيرها للبنت. هي اللغة عندما تصوغ المفاهيم وعندما تتخذ سلطتها على عرش الاستبداد تصبح متحكّمة في سلوكنا وناظمة لحياتنا ومبرمجة لتفكيرنا. لا أناقش هنا قضية الاغتصاب وموقف الشرع والقانون المهين منها، خصوصاً بتزويج المغتصبة لمغتصبها. طبعاً يلزم الاجتهاد حول زواج الرضيعة. ما معنى أن يكون هناك عِرض لرضيعة؟ بل ما معنى أن تحمل الفتاة عبء الشرف والعفّة والكرامة والعرض عن القبيلة كلها؟ وعن المجتمع كلّه؟

هذه الحمولة القيَمية التي تسندها وترسخها بعض المؤسسات في المجتمع، من الأسرة إلى المدرسة إلى الجامع إلى دروس التربية الدينية إلى منظومة الأعراف، تتطلّب، في المقابل، خطباً وعظيّة تحذيرية، كخطبة الشيخ الذي يعتبر أن يكون للمرأة كيانها الإنساني وحرية تفكيرها وقرارها نوعاً من التمرّد على وضعها الشرعي "العبودية لسلطة ذكر العائلة"، وهو بالتالي يساهم في تفعيل "السلطة التأديبية" وتثبيتها، السلطة التي تُمارس بحق البنت منذ طفولتها، وهي رضيعة حتى، فيصير جسدها الخطيئة الكبيرة التي تدفع ضريبتها، والمسؤولية الأخلاقية الكبرى التي تقضّ مضجعها. وبالتالي، لا بدّ لها من انتظار "ابن الحلال" الذي يشتريها عبدة لتفوز بحياة مشتهاة، فأي ضلالٍ تمارسه سلطة الميديا؟ وأي سلطةٍ حيويةٍ فائقة التأثير والاستبداد تفبرك التعبيرات التي تضمر مفاهيم تتفشّى كالأبخرة في فضاءات المجتمعات، فتشكّل ضميرها العام الذي ينجم عنه الرأي العام المطلوب؟