اغيتالات العراق وتواطؤ المجتمع الدولي

عندما يتواطأ المجتمع الدولي مع اغتيالات نشطاء العراق

11 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

انتقدت 28 دولة، بينها دول في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في جلسة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في بيان لها، غياب المساءلة الحكومية في استشهاد مئات الشباب في تظاهرات ثورة تشرين (2019) في العراق، إضافة الى جرائم استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين والعاملين في مجال الإعلام والمرشحين للانتخابات وترهيبهم، وذكر البيان أن الحق في التجمع السلمي وحرية تأسيس الجمعيات وحرية التعبير والإعلام ضرورية في المجتمعات الديمقراطية، داعيا الحكومة إلى تفعيل جهودها لإيجاد بيئة آمنة لكل العراقيين، وتوفير المساعدة الضرورية للسلطات، من أجل تحقيق التزامات العراق الدولية باحترام الحريات الأساسية، مثل حقوق حرية التعبير والتجمع السلمي.

فحوى هذا البيان هي ما يطالب به العراقيون والنشطاء وأهالي الشهداء والمغيبين وكل الشعب العراقي الذي يعيش اليوم تحت دكتاتورية المليشيات وفوضى اللادولة، لكن مجلس حقوق الإنسان يغض النظر، مع سبق الإصرار، عن أن حكومة مصطفى الكاظمي، وما سبقها من حكومات، لا تطبق القانون على القتلة والمجرمين، وهي التي تتركهم، على الرغم من معرفتها بهم، وعلى الرغم من كل الأدلة والإثباتات المتوفرة للإدانة، بضمنها الاعتراف الذي هو سيد الأدلة. لقد تم اغتيال الخبير الأمني، هشام الهاشمي، بعد فترة وجيزة من تعيين الكاظمي رئيسا للوزراء والذي أقسم، وهو يزور عائلة المغتال، بأنه سيجد قتلته ويحاسبهم أمام القانون. وعلى الرغم من أدلة كاميرات المراقبة وأرقام العربات المستخدمة وكل الأدلة الدامغة، إلا أن الكاظمي تناسى، بعد بضعه أسابيع، الكلام الذي قاله لعائلة صديقه الهاشمي، ولم يفتح ملف الاغتيال، بل أغلقه وبسرعة فائقة.

ذهاب ممثلة الأمم المتحدة إلى عائلة إيهاب الوزني محاولة جديدة "ناعمة" من الدول المحتلة لعمل شيء، بعد فشل حكومات الخضراء المتعاقبة في قمع وإسكات التظاهرات

بعد هذا الحادث، تم اغتيال الناشطة رهام يعقوب، وكرر رئيس الوزراء كلامه نفسه لعائلتها. ليغلق ملف اغتيالها هي الأخرى، وجديد الاغتيالات أخيرا قتل الناشط منسق تظاهرات كربلاء، إيهاب الوزني. اعتقل المتهم قاسم مصلح، قائد إحدى المليشيات الولائية، بالأدلة والشهود، ثم سرعان ما تم إطلاق سراحه بحجة واهية. وهكذا مع الملفات الباقية التي لا حظ لها بالانتظار بل بنسيان وجود مفهوم القانون والعدالة مع حكومة مصطفى الكاظمي. ليس ذلك فحسب، فالكاظمي الذي قال إنه جاء لتحقيق مطالب المتظاهرين، والتحضير لانتخابات مبكرة، كما طلب متظاهرو ساحات الاحتجاجات في مدن العراق، يركز كل اهتمامه على ملاحقة المتظاهرين والناشطين، الأحياء منهم والأموات، فقد رفعت الأجهزة الأمنية دعوى على صفاء السراي، أيقونة ثورة تشرين المغتال، بتهمة "قذف القوات الأمنية بالحجارة". وضربت قوات الشغب والدة إيهاب الوزني التي نصبت خيمة اعتصام في كربلاء للمطالبة بمحاسبة قتلة ابنها. وأغلقت السلطات الأمنية صفحات الناشط منسق تظاهرات المثنى أخيرا وأدمن صفحة الأضحكني، حمد فرحان. وعرضت إحدى المليشيات بيتا عليه، مقابل الكفّ عن تحشيد التظاهرات في محافظة المثنى. وقد توّج الكاظمي حصيلة حربه على الناشطين والمتظاهرين، بترؤس استعراض نظمته مليشيات الحشد الولائية، المسؤولة عن اغتيال المتظاهرين.

تستمر الدول المجتمعة بدعم حكومة مسؤولة منذ تعيينها، قبل عام ونصف العام، عن اغتيال نشطاء الحركة السلمية في العراق، جديدهم إيهاب الوزني، منسق تظاهرات كربلاء الذي أشعل قتله احتجاجاتٍ واعتصامات ضخمة، عمّت غالبية مدن الجنوب العراقي وساحاته. وبدل أن يتخذ المجتمع الدولي ودوله المتباكية على حقوق الإنسان في العراق قراراتٍ فعليةً وعمليةً ضد انتهاكات حكومة الخضراء أبسط حقوق الإنسان التي يقرّها الدستور العراقي، والتي التزمت هذه الدول بتوفير المساعدة لتحقيقها كما تدّعي. وعلى غرار ما تتّخذه من إجراءات في أحداثٍ أقلّ عنفا مع بعض الدول، لإيقاف هدر دماء الأبرياء من الشباب الذين خرجوا بشكل سلمي، لمطالبة الحكومة بتوفير أبسط الحقوق الإنسانية في العيش الكريم ليس أكثر، فإنها تتواطأ مع هذه الحكومة ومن سبقها من حكومات العملية السياسية بشكل صارخ، إذ لا يصدر عنها إلا بيانات التعبير عن "القلق" إزاء ما يحصل من أحداث، ليصل الأمر قبل أشهر إلى تفاهم وتنسيق مع المدعو أبو فدك، قائد المليشيات الولائية. إذ استقبل هذا الأخير بحفاوة مندوبة الأمم المتحدة في العراق، جنين بلاسخارت. وقد واجهت عائلة إيهاب الوزني بلاسخارت، وعلى لسان أخيه ممثلة المنظمة الدولية بقوله: الكلام مستمر عن قلقكم منذ سنوات، لكن ليس هناك أي أفعالٍ تنفذونها لحماية الشعب العراقي والمتظاهرين والمغيّبين.

لن ينخدع الشعب العراقي ببيانات المجتمع الدولي الذي يساهم بتدمير بلده وتهجير شعبه منذ 18 عاماً

ذهاب ممثلة الأمم المتحدة إلى عائلة إيهاب الوزني محاولة جديدة "ناعمة" من الدول المحتلة لعمل شيء، بعد فشل حكومات الخضراء المتعاقبة في قمع وإسكات التظاهرات التي تطالب بإسقاط العملية السياسية التخريبية، وكل أحزابها، وحصر السلاح بيد الدولة وكتابة دستور وقانون جديد للانتخابات، لإقامة دولةٍ تبني العراق، وهو ما يرفضه الاحتلال الذي يدعم بقوة العملية السياسية، كما فصلها المحتل الأميركي وشريكه الإيراني. الخوف المتزايد من استمرار ثورة تشرين التي زعزعت أركان العملية السياسية، ونزعت القدسية عن العمامة الفاسدة والالتفاف الشعبي المتزايد حولها من الشمال والغرب، وهتاف شبابها "ألعن أبو إيران لأبو أمريكا" هو ما دفع المجتمع الدولي إلى الإسراع وتكثيف دعم حكومة الكاظمي والعملية السياسية برمتها، بهدف إحيائها وضخ الأوكسجين في جسدها المتفسّخ. خلال وقت قصير، أرسلت دول المجتمع الدولي وزراءها إلى العراق، إذ وصل وزير الخارجية الدنماركي ليعيد فتح سفارة بلاده، بعدها جاء وزير الخارجية البريطاني، فوقّع مذكرة تفاهم لعقد معاهدة استراتيجية مع العراق، واستقبلت فرنسا الكاظمي، ومن بعده وفدا برلمانيا برئاسة رئيس مجلس النواب، محمد الحلبوسي، استقبالا متميزا يتناسب مع المصالح التي فازت بها فرنسا جرّاء مساعدتها الفعالة للاحتلال، ومساهمتها المتكرّرة في إنقاذ العملية السياسية من الانهيار.

لن ينخدع الشعب العراقي ببيانات المجتمع الدولي الذي يساهم بتدمير بلده وتهجير شعبه منذ 18 عاما، أمم متحدة وهيئات حقوق إنسان هي أدوات المجتمع الدولي لتنفيذ خطط الغزو والحرب والاحتلال، وقد صدق شقيق إيهاب الوزني، حينما قال لممثلة الأمم المتحدة: سنة ونصف يقتلوننا بكل أدوات وآلات القتل وأنتم تتفرجون بدم بارد، استخدموا كل شيء في قتلنا، ولم ترفعوا تقارير حقيقية لا إلى المنظمة الدولية ولا إلى مجلس الأمن ولا إلى مجلس حقوق الإنسان. تتفرّجون علينا بدم بارد، لكن ثورتنا مستمرّة، ولن تتمكّنوا من القضاء عليها ولا قمعها، فقد تسرّبت جذوتها إلى كل العقول، وإلى كل بيوت العراق من شماله إلى غربه، ليلتحم مع وسطه وجنوبه. وبصوت واحد عاد الشعب يردّد بإسقاط النظام.. الشعب يريد إسقاط عملية المحاصصة السياسية للاحتلال، ويبقى يردد "ألعن أبو إيران لأبو أمريكا"!