اعتذار ألمانيا الدائم

اعتذار ألمانيا الدائم

24 سبتمبر 2021
الصورة

وزير الخارجية الألماني هايكو ماس يتحدث في برلين بعد الاتفاق مع ناميبيا (28/5/2021/Getty)

+ الخط -

القويّ هو من يعترف بأخطائه، والمتحضّر الواثق من نفسه هو من يعتذر عنها، ويحاول التعويض عمّا سببه من ضرر. هذه قيمٌ اجتماعية تنطبق على البشر، وتأخذ طابعها الإلزامي ضمن أُطر القوانين المحلية، المدنية والجزائية، في أغلب الدول في العصر الراهن. لكنّ هذه القاعدة يمكن أن تنطبق أيضاً على المجموعات البشرية التي تنتظم ضمن أطرٍ رسمية، مثل الدول. وقد يكون الأمر أكثر إثارة، عندما نعلم أنّ القوانين الدولية لم تصل إلى مرحلة الإلزام بمثل هذه القيم، وتحويلها إلى قواعد سلوك وتعامل ثابتة.

هذه مقدّمة لشرح اعتراف الدولة الألمانية بارتكابها جرائم إبادة جماعية بحق جزء من شعب ناميبيا، عام 1904، في أثناء فترة احتلالها تلك البقعة من المعمورة. فقد وصلت حكومتا ناميبيا وألمانيا إلى اتفاق مبدئي، سيصبح نهائياً حال موافقة برلماني البلدين عليه، يقضي باعتراف ألمانيا بما ارتكبته قواتها من مجازر بحق آلاف من شعبي قبائل ناما وهيريرو، الذين حالوا الدفاع عن وجودهم، وعن حقوقهم وممتلكاتهم بوجه المصادرة والنهب. وتقضي الاتفاقية، علاوة على الاعتراف والاعتذار الرسمي وطلب الصفح من الشعب الناميبي، بدفع تعويضات مالية بقيمة مليار ومئة مليون يورو، تُصرف على مدار ثلاثين عاماً، على شكل معوناتٍ تُعنى بمشاريع البُنى التحتية والرعاية الصحية والتمكين التي ستستفيد منه المجتمعات الأكثر تضرّراً من هذه الجرائم.

تقضي الاتفاقية الألمانية مع ناميبيا، علاوة على الاعتراف والاعتذار الرسمي وطلب الصفح من الشعب الناميبي، بدفع تعويضات مالية بقيمة مليار ومئة مليون يورو

استعمرت ألمانيا ناميبيا الحالية، والتي كانت تسمّى آنذاك جنوب غرب أفريقيا الألمانية، من عام 1884 وحتى 1915. وقد مثّلت تلك الفترة إحدى أكثر تعبيرات العنصرية الأوروبية تجاه بقية شعوب العالم، وخصوصا الأفريقية منها، فقد كانت الدول الاستعمارية تُجري تجارب بيولوجية ودراسات على البشر في مستعمراتها المختلفة، لتثبت نظريات تفوّق العرق الآري لسكان أوروبا على غيرها من الأعراق. أعادت الدولة الألمانية، خلال هذه المفاوضات، رفات عدد من أبناء ناميبيا الذين أجرت عليهم آنذاك بعض هذه التجارب المشينة.

لم تكن ألمانيا استثناءً في ما ارتكبته من جرائم، فدول كثيرة، هولندا وبلجيكا وفرنسا وإنكلترا و..، ارتكبت ما هو أفظع. ولعلّ هذه النظرة العنصرية قد تطوّرت لدى الأوروبيين، حتى ارتدّت عليهم عندما ظهرت الحركات النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا، والتي لم تسلم منها شعوب أوروبا. لقد تطوّر وهم التفوّق العرقي ليصل بالألمان، في أثناء فترة الحكم النازي، إلى الاعتقاد بوجوب سيادة الإنسان الأوروبي ذي العرق الصافي، وهذا ما سهّل عملية إبادة الألمان المرضى، قبل إبادة اليهود وغيرهم من أعراق شعوب أوروبا الشرقية.

ما زالت الدولة الألمانية تدفع تعويضات لأسر اليهود المتضرّرين من الهولوكوست

يقول المفكر الهولندي هوغو جروسيوس "العقاب ضرورة للدفاع عن شرف أو هيبة من تضرّر، حتى لا يؤدي غياب العقاب إلى مهانة الضحيّة". لكنّ القوانين الجزائية، المحلية والدولية منها، تعتبر المسؤولية الجنائية فردية، وبالتالي لا يُتصوّر، حتى الآن على الأقل، تطبيق عقوبات مانعة أو مقيدة للحرية على الأشخاص المعنويين كالدول. ومن أجل ذلك، مجرّد أن يوجد في القانون الدولي مبدأ التعويض عن الأضرار الناتجة عن فعل الدولة، فإنّه وحده غير كافٍ لإلزام الدول الاستعمارية بالاعتراف بما اقترفته بحق الشعوب المُستعمرة من جرائم خلال عقود طوال. هذا ما يُعطي الموقف الألماني قوّته ومبدئيته الأخلاقية.

ما زالت الدولة الألمانية تدفع تعويضات لأسر اليهود المتضرّرين من الهولوكوست، وثمّة اعتقاد بأنّ عقدة الذنب هذه لا يجب أن تُمحى من الذاكرة الألمانية، كي لا تتكرّر. وأحد أهمّ مبرّرات ذلك يكمن في حرص الألمان على عدم السماح لأنفسهم بممارسة التطرّف ثانية. هناك شعوبٌ تحاول لجم نزواتها الجماعية، وهناك مستوى من التطوّر الحضاري يجعل من تذكّر الانتهاكات الخطيرة والتجاوزات الأخلاقية عبرة دائمة تمنع العودة لها مستقبلاً.

لا يخشى الألمان من الحديث عن ماضيهم القذر، بل ينكأون الجراح بقصد تنظيفها

هل يمكن أن نشهد في مقبل الأعوام حركة اعتذار مماثلة من الدولة السورية للشعب اللبناني، عمّا ارتكبه جيشها وأجهزتها الأمنية ثلاثين سنة بحقهم من جرائم؟ هل يمكن أن نشهد من الدولة اللبنانية اعتذاراً عمّا ارتكبته قوات الكتائب اللبنانية وغيرها من فظاعات بحق الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا بعد انسحاب قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان؟ هل يمكن أن تصل الأمور في إسرائيل يوماً إلى أن تعترف بحقوق الفلسطينيين، وبما سلبتهم إياه من أرض وحياة أجيال، وبما ألحقته بهم من أضرار لا توصف؟

إذا أردنا أن نجيب عن هذه الأسئلة المطروحة على دول وكيانات في المشرق العربي، علينا أن نطرح الأسئلة نفسها على دول ومجتمعات مثل فرنسا وهولندا وبلجيكا أولاً، أليست هذه الدول مصنّفة من دول العالم الأول، أليست دولاً تزدهر فيها أفكار حقوق الإنسان وقيم الأخوّة والعدالة والمساواة، بعكس دولنا الطاردة كلّ ما هو إنساني وجميل وراقٍ؟

تكون البدايات على الدوام صعبة، فغالبية البشر تألف الشائع والمعتاد، وتحاول تجنّب المخاطرات، لكنّ سنّة الحياة تفرض الجديد دائماً، وتجعل من الأفكار مقدّمةً للاستكشاف والتطوير والتحديث. لا يخشى الألمان من الحديث عن ماضيهم القذر، بل ينكأون الجراح بقصد تنظيفها، ويناقشون أخطاءهم بقصد تصحيحها، ويعلّمون أجيالهم القادمة فضيلة الاعتراف بالذنب لمنع تكراره. ألمانيا أمام حالة اعتذار دائم من ذاتها ومن تاريخها، فهل نرجو أن نرى أنفسنا ودولنا يوما أمام مرآة مراجعة النفس ومحاسبتها، وهل يمكننا أن نعتذر يوماً عن أخطائنا؟