إيلي حبيقة يبعث من جديد

17 سبتمبر 2020
الصورة

صبرا وشاتيلا (ضياء العزاوي)

لم يرتكب شارون مجزرة صبرا وشاتيلا مباشرة، نفّذها من هو أكثر صهيونية منه. إيلي حبيقة ومقاتلوه الذين بقروا بطون النساء لاستخراج الأجنّة، وقتلوا الأطفال والشيوخ العزّل. وما كانوا ليفعلوا ذلك، لولا أن الجيش الإسرائيلي انتصر على مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية، وألقاهم في البحر، يبحثون عن مناف في تونس والجزائر وأقاصي الدنيا. كانت لحظة "صبرا وشاتيلا" ذروة مجد شارون، ملاحقة الفلسطينيين في المخيمين، بعدما طرد آباءهم وأجدادهم من مدنهم وقراهم. 

ليس دفاعا عن صهاينة لبنان، وبمعزل عن طوائفهم (أكثرية جيش لبنان الجنوبي كانوا شيعة مثلا)، تحالفوا مع إسرائيل لأسباب وجودية في نظرهم. اعتبر المسيحيون مقاتلي منظمة التحرير تهديدا وجوديا لهوية لبنان، وللمسيحيين عموما، وقد كانوا عمليا الذراع العسكرية لسنّة لبنان الذين لم يتسلحوا حتى اليوم. عانت القرى الشيعية من كلفة القتال، كمعاناتها من سوء سلوك الفصائل الفلسطينية. وتشكل ذلك كله في الصهيونية العربية في لبنان، والتي عبر عنها مثقفون بوزن سعيد عقل، أبرز شعراء العربية في العصر الحديث، فضلا عن سياسيين بوزن رئيس الجمهورية بشير الجميل الذي قتل في تفجير نفذه لبناني. 

انتهت الصهيونية اللبنانية، ولم يعد أحد يجاهر بها، وتحوّلت القرى الحاضنة لجيش لبنان الجنوبي إلى قرى حاضنة للمقاومة، لكنها ولدت في ظروفٍ تختلف عن ميلاد الصهيونية العربية في الخليج. والتي تستند، في نسختها الإماراتية (والسعودية المستترة)، إلى غرور إمبراطوري يسعى إلى بناء أمجاد اقتصادية وعسكرية وأمنية تستند إلى المال العربي (والغباء العربي) مقابل الذكاء الإسرائيلي، وتتحالف جيوش الإمارات في البحر المتوسط واليمن والبحر الأحمر مع الجيش الإسرائيلي، لمواجهة الإسلام، سواء عبّر عنه "الإخوان" أم أردوغان أم إيران أم جميعهم. 

مقابل النسخة الإماراتية المغرورة، ثمّة نسخة بحرينية، قدمت حججا متواضعة، تشبه حجج الصهاينة في لبنان. البحرين تواجه تهديدا وجوديا من إيران، ولن يقبل الأميركان بحمايتها ما لم تطبّع مع إسرائيل! والواقع أن النسخة الإسبارطية المغرورة، والنسخة البحرينية المتواضعة، يسهل الرد عليهما، فالإمارات، وفق منظّريها، أو مغرّدها، عبد الخالق عبدالله، دولة متمكّنة وقوية اقتصاديا وعسكريا، وتضع واشنطن "في جيبها" فلماذا تحتاج أن تطعن الفلسطينيين في الظهر، بدلا من أن تُلزم نتنياهو بتنفيذ قرارات الشرعية مقابل مبادرة السلام العربية الإسرائيلية، والحصول على مكاسب التطبيع؟ أما البحرين فلم تحتلها إيران في عز الحرب العراقية الإيرانية، ولا في عز أحداث اللؤلؤة عند دخول قوات درع الجزيرة، فهل تحتلها اليوم؟ 

في مقاله في "وول ستريت"، يتحدث وزير خارجية الإمارات عبدالله بن زايد، عن المصابين بـ "هوس الخلافة"، فهل هذا الهوس موجود عند غير الإمارات التي قفزت آلاف الكيلو مترات، لتصل إلى أن تتحالف مع من يحتل أرض غيره بالقوة؟ هل توجد كذبة أوقح من "أن الإماراتيين والإسرائيليين وجميع شعوب الشرق الأوسط، قد سئموا الصراع". لم تطلق الإمارات طلقة في تاريخ الصراع، إلا الأسلحة التي أوصلتها إلى محمد دحلان لقتل الفلسطينيين. سئمت الشعوب فعلا في اليمن وليبيا وغيرهما من المناطق التي تسعّر فيها الإمارات نار الصراع الأهلي. والسلام الحقيقي المطلوب منها هو السلام مع الشعوب العربية التي تحاربها في اليمن وليبيا، وأخيرا في سورية، من خلال مليشيات قوات سورية الديمقراطية (قسد). 

وصف الكاتب الصهيوني، توماس فريدمان، في مقاله في "نيويورك تايمز" الاتفاق الجديد بأكثر من تحالف، إنه "مثلث الحب" الذي اكتشفه جاريد كوشنر في أثناء محاولة ترتيب الطلاق بين إسرائيل وفلسطين، أن الإمارات كانت على علاقة حب مع إسرائيل، وبدلا من أن ينظم الطلاق الفاشل نظم زواجا ناجحا. لا تبدو صهيونية الإمارات في علاقة الحب التي أفضت إلى الزواج، بقدر ما هي في علاقة الكراهية لكل ما يمت للمنطقة بصلة. وكأن حاكم الإمارات يستشعر ظلم الجغرافيا بوجوده في عالم العروبة والإسلام. 

في الصحافة الإسرائيلية، وحتى في الحروب، لا تجد حجم الحقد والكراهية على الفلسطينيين والعرب والمسلمين وقياداتهم، كما في إعلام الإمارات، لا تقرأ صحيفة الاتحاد وتلفزيون أبو ظبي. الموقف الحقيقي تجده في حساب حمد المزروعي الذي يشتم الفلسطينيين بطريقةٍ لا تجدها في تاريخ الصحافة الصهيونية. قلّ أن تجد كاتبا في اليمين الصهيوني المتطرف يتحدّث بغطرسة عبد الرحمن الراشد وعبد الخالق عبدالله.

يدرك الصهاينة الأصلاء أكثر من محدثي النعمة تعقيدات المنطقة. مر عليهم صهاينة عرب ومسلمون كثيرون، دول بحجم تركيا وإيران كانت حليفة لهم، ثم تغير قادتها وانحازت شعوبها لأخوة العقيدة في فلسطين، يدرك أولئك أن مصر عادت إلى مربع العداء بمجرّد أن امتلك الشعب قراره وانتخب رئيسا مدنيا. يعرفون أيضا أن مجزرة صبرا وشاتيلا ورمي مقاتلي منظمة التحرير في البحر أفرزت انتفاضة 1987 وميلاد حركة حماس. أما إيلي حبيقة فانتهى حليفا لحزب الله، متبرئا من تاريخه الصهيوني، ولا يُعرف من اغتاله، الحلفاء الجدد أم القدامي. 

لم تنتصر الصهيونية منذ قرن على الأمة، وبنسخها الجديدة تكسب جولاتٍ، لكن المعركة التي سئم منها من لم يقاتلوا لا تنتهي.

83B64D8F-BC3E-45BA-96A2-36C353D769E9
ياسر أبو هلالة