إلغاء الطوارئ وعدمه في مصر سواء

إلغاء الطوارئ وعدمه في مصر سواء

01 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

تشبه حالة الطوارئ في مصر أوراماً سرطانية تنهش في جسد البلد المأزوم، فلا يستطيع التخلص منها، لتبقى شبه ملتصقة به منذ عام 1939. لكنّ اللافت في الأمر الساعات القليلة بين الانقلاب العسكري مع إعلان حالة الطوارئ فى السودان وإلغاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشكل مفاجئ، مساء اليوم نفسه، 25 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول) حالة الطوارئ في مصر، وكأنّ الطوارئ خصوصية مصرية، لا تقبل التكرار أو الاستنساخ!
وكان السيسي، في 9 إبريل/ نيسان 2017، قد قرّر فرض حالة الطوارئ على أرجاء مصر كافة ثلاثة أشهر، وذلك عقب تفجيرين إرهابيين استهدفا كنيسة مار جرجس في طنطا والكنيسة المرقسية بالإسكندرية، ليعيد البلاد إلى المحضن الذي عاشت أجيالٌ أعمارها فيه ولم تعرف غيره: الطوارئ والأحكام العرفية. لكنّ حالة الطوارئ لم تمنع، مرة واحدة، الجرائم الإرهابية التي ضربت البلاد، كما لم يمنع شرط الدستور، عدم إعلان الطوارئ في عموم البلاد، إلّا ستة أشهر متصلة بحد أقصى، استمرارها للمرة الـ 18، في تحايل فجّ، لكنّها أعطت للسلطات الأمنية مسوغاً قانونياً (ربما لا تحتاجه) لممارسة القمع وتقنين الانتهاكات، والتأسيس لدولة الرعب والخوف.
على الرغم من أنّ الانقلاب العسكري في السودان، وما ترتب عليه من طوارئ، كان متوقعاً في محاكاة لانقلاب 2013 في مصر، بدا إلغاء الطوارئ في مصر مفاجئاً، ففي خضم الانتهاكات وترسانات القوانين السيئة، وأشهرها قانون مكافحة الإرهاب، نُسيت الطوارئ، وبات تذكّرها يرتبط بتجديدها كلّ ثلاثة أشهر، أو عند إحالة أحد النشطاء الأكثر شهرة إلى محاكم أمن الدولة العليا طوارئ (جنح وجنايات)، على الرغم من أنّ آلافاً ربما أحيلوا لها في صمت سنوات، ولم يشعر بهم أحد.

ربما يرتبط قرار إلغاء حالة الطوارئ بنتائج زيارة مجموعة الحوار الدولي إلى واشنطن، والرسائل التي عادت بها، وإن كانت كذلك، فهي تنفي أسطورة استقلالية القرار الوطني

يرتبط قرار السيسي بمرحلة جديدة من مراحل إعادة التموضع، فهو يقدّم نفسه، في تلك اللحظة، للخارج على أنّه رئيس الدولة الوحيدة التي تحظى بالاستقرار في المنطقة المشبعة بالأزمات، فالجوار الليبي غير مستقر، والسودان دخل مرحلة انقلاب عسكري جديد، وتونس تترنّح بين أيدي قيس سعيّد بعد انقلاب دستوري أرعن. ولافتٌ للانتباه أنّ السيسي أشار إلى قراره عبر تدوينات وتغريدات على حساباته على منصّات التواصل، وفيها أخطاء إملائية، وكأنّها كُتبت على عجل، للحاق بظرف طارئ استدعاها، كوعدٍ بلقاء الرئيس الأميركي، جو بايدن، مثلاً، في قمة المناخ المرتقبة الأسبوع الجاري في مدينة غلاسكو الاسكتلندية. ولم ينسَ الرئيس أن يذيّل كلماته بشعاره الأثير "تحيا مصر" ثلاث مرّات على غرار "تحيا مزرعة الحيوان" في رواية جورج أورويل.
من جهة أخرى، ربما يرتبط القرار بنتائج زيارة مجموعة الحوار الدولي إلى واشنطن، والرسائل التي عادت بها، وإن كانت كذلك، فهي تنفي أسطورة استقلالية القرار الوطني، وتؤكّد انصياع النظام لرغبات الإدارة الأميركية، وإن بشكل تدريجي، وتجعلنا نصدّق أنّ بايدن ليس ترامب.
الفرحة المصطنعة التي حاول أن يبديها السيسي، فى رسالته، توحي كأنّه كان مضطراً لفرض حالة الطوارئ، وأنّه يستشعر كراهية الشعب لها، وأنّه حان الوقت ليخلّص البلاد والعباد منها. كما يبدو أنّ القرار استشار فيه السيسي أحداً (لجأ إلى صديق) فولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، عرّاب انقلاب 2013، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" سارع إلى مباركة الخطوة، كما سارع سكرتيره ومنسّق العلاقات الانقلابية في المنطقة، محمد دحلان، بالإشادة بها، في خطوةٍ غير مسبوقة، وكأنّها إعلانٌ بانتهاء مرحلة الحرب على الإرهاب، كما قال، وبدأ بسط مصر سيادتها على كلّ ربوعها (وكأنّها كانت محتلة!) وأنّها باتت واحة استقرار وأمن.

أنهى السيسي قانون الطوارئ، لكن ستبقى قوانين مكافحة الإرهاب والكيانات الإرهابية وقانون حماية المنشآت العامة

ضرب الاستقرار في جذور البلاد، وعمّ أرجاءها بمجرّد الإعلان عن إلغاء الطوارئ، وكأنّها كانت تحول بيننا وبينه، حتى أنّ شركة "إيني" الإيطالية أعلنت، بعد ساعات من القرار، عن ثلاثة اكتشافات جديدة، في الصحراء الغربية، بإجمالي احتياطات مؤكّدة، 50 مليون برميل نفط مكافئ، بإجمالي إنتاج ستة آلاف برميل يومياً. كما حُشد الداعمون للقرار حشداً، وكأنّه زفافٌ شعبي، في مقدمتهم نواب البرلمان الذين طالما تغنّوا بحالة الطوارئ، وتنازعوا شرف تمريرها، حتى أنّ المفتي أصرّ على أن يشيد بالقرار وحكمة الرئيس، وشدّد رئيس البرلمان الأسبق، فتحي سرور، على أنّه يؤكّد استتباب الأمن في مصر.
تدوينة (بوست) جديدة إذاً تضاف لمجموعة تدوينات السيسي، وورقتان جافتان إضافيتان بلا حياة تنضمان إلى جبال أوراقه الجرداء التي لا تعدو كونها حبراً على ورق، وليس لها أي مردود على الحياة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، أنهى بها حالة الطوارئ على الورق، لكنّ فكر الطوارئ الشيطاني بقي كما هو، يسيطر على الأجهزة الأمنية والحياة السياسية، يوجّهها ويحرّكها ويوسوس لها.
أنهى السيسي قانون الطوارئ، لكن ستبقى قوانين مكافحة الإرهاب والكيانات الإرهابية وقانون حماية المنشآت العامة، ومحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وقانون التظاهر، والنشر، وتعديلات قانون العقوبات التي توفر الدعم التشريعي والقانوني الاستثنائي لرجال الجيش والشرطة، والتي مثلت غطاءً لعمليات الإخفاء القسري، والقتل خارج إطار القضاء، على مدار سنوات، وهي القوانين الأكثر قسوةً، والتي تكرّس لحالة طوارئ دائمة غير معلنة.

القرار بحد ذاته دليل على ضعف الحياة التشريعية في مصر، وصفعة على وجه البرلمان

وإذا كان قرار إلغاء حالة الطوارئ قد أثار جدلاً متصاعداً بشأن الآثار التي تترتب عليه، ومنها مصير عشرات الآلاف من المعتقلين، الكثير منهم دخل في عام اعتقاله التاسع، فالأكيد أنّ جميع الاعتقالات للمعارضين والمصادرات والمنع من السفر وكلّ الإجراءات القمعية هي بإمضاء القضاء والنيابة، ولا صلة لها بحالة الطوارئ. كما أنّ الإخفاء القسري والتصفيات لا صلة لها بالطوارئ ولا بالقانون من أساسه، وأن الإعلان الاحتفالي برفع حالة الطوارئ قنبلة دخان للتسويق الخارجي. كما أنّ الاعتقالات والتدوير، وإجبار معارضي النظام والمعتقلين السابقين فى أنحاء البلاد على المتابعة الدورية فى مقرّات أمن الدولة، وتهديدهم وتخويفهم، باتت ممارسات روتينية، لا ترتبط حتى بحالة الطوارئ، وإنّما ببلطجة نظام، وبأنّ مؤسساته الأمنية فوق القانون.
... القرار بحد ذاته دليل على ضعف الحياة التشريعية في مصر، وصفعة على وجه البرلمان، فما هو المعنى أن يقرّر السيسي إنهاء حالة الطوارئ فجأة، من دون أن يطلب إذناً من البرلمان الذي يقرّها ويمررها كل ثلاثة أشهر وبالمخالفة للدستور؟ وكأنّه يوجه رسالة إلى البرلمانيين أنّهم مجرّد عرائس يحرّكهم متى وكيف يشاء.
وأخيراً، إذا كان قرار إلغاء الطوارئ موجهاً إلى الخارج، بعد فشل سيناريو الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والتي غرقت في مستنقع التدوير والمحاكمات الاستثنائية، فأهل الخارج أعقل من أن يُخدعوا بهذه الدعايات السمجة، والألاعيب الجوفاء. وإذا كان يراد به الداخل، فآلاف المعتقلين ينتظرون قراراً يعيدهم إلى الحياة، والقرار يحتاج إلى تطبيق، والتطبيق يستلزم وجود إرادة سياسية، لا سلطة عسكرية، أفرطت في الانتهاكات مع وعود الحصانة ويقين الإفلات من العقوبة والملاحقة.