إبداع مُعلّمة

إبداع مُعلّمة

27 ديسمبر 2021

(صفاء سالم اسكندر)

+ الخط -

قبل أيام، كنت في ضيافة مدرسة "الرضوان" للتعليم الأساسي في ولاية السيب، وهي مدرسة حكومية في مدينة أم عبيلة في أطراف مسقط. أنيقة في واجهة مدخلها، ما يعطي الزائرَ صورة مقرّبة عما في داخلها... فما إن دخلت في أجواء الحفل الذي تم إحياؤه بمناسبة الاحتفاء باللغة العربية في يومها العالمي، حتى وقفتُ على مدى إبداع المشرفين على هذه المؤسسة التعليمية. كان سبب اختياري للمشاركة أنّ نصاً لي عنوانه "خبز ولبن" هو من ضمن مقرّرات الصف الرابع الابتدائي. وكان من محاسن المصادفات أنّي وجدت هناك الصديق الكاتب زهران القاسمي، وكان حضوره للسبب نفسه. وقد تمحورت جلّ الفقرات التي أدارتها المعلّمات ونشّطها التلاميذ حول القراءة وأهمّيتها في صقل مدارك الناشئة. تحدث بعض التلاميذ، بعربيةٍ فصيحة، عن رحلات قاموا بها، برفقة آبائهم، إلى المناطق الداخلية لعُمان، منها ولاية نزوى وفلجها الشّهير "دارس" الذي يسقي ستين ألف نخلة غير المزروعات الأخرى، ويبلغ في ارتفاعه ارتفاع قلعة نزوى "الشهباء" وكانت منظمة اليونسكو قد صنّفته ضمن عجائب الآثار العالمية. ألا يوحي اسم "دارس" بكيفية ما، بالدّرس والدراسة؟
والحقيقة أنّ نزوى مدينة علمية تقليدية، شبيهة بمدن علمية تقليدية في الوطن العربي، مثل فاس والقيروان وحلب. وقد كتب عنها الشاعر الراحل أمجد ناصر نصّاً مكثفاً في كتابه الرّحلي البديع "تحت أكثرَ من سماء". وكانت المشاركة التي أثارت إعجابي من توقيع معلّمةٍ، أستغلّ هذه المناسبة لأوجّه لها تحية خاصة، وأرجو أن يتم تعميم فكرتها النيّرة هذه، ليس في عُمان فقط، بل أيضاً في عموم المدارس الابتدائية في كامل الوطن العربي، لما فيها من فائدة في تعزيز القراءة في أوساط البراعم والنشء في بلداننا التي تعاني من آفة العزوف عن القراءة، مقابل تزايد الانغماس "المرَضي" في برمجيات الألعاب الإلكترونية "بلاي ستايشن" وما شابهها.
تتلخّص الفقرة التي ابتكرتها المعلمة في دفترٍ يملأ الطالب كلّ صفحة فيه بملخص لكتابٍ قرأه... وهكذا، يكون في انتظاره، في الدفتر نفسه، بعد أن يكون قد قرأ ولخّص مجموعة من الكتب أوراق بيضاء لكتابة قصته أو "تعبيره"... فكرة مبتكرة ومبدعة، فمن المؤكد أنّ التلميذ بعد أن يقرأ عدداً من الكتب ويلخّصها سيكون قد تعلّم مجموعة جديدة من الكلمات والأساليب، وحين سيكتب "التعبير" أو القصة لاحقاً، سينطلق مما حفظ . بينما كانت مادة التعبير، خلال طفولتنا لا تسبقها أيّ دعوة إلى القراءة العامة؛ بل "المتميز" بيننا حينئذ هو من كانت له قراءات عامة كما حدث لكاتب هذه السطور في المرحلة الإعدادية، حين استغرب أستاذ اللغة العربية (حسنين) أن أكون من كتبتُ ذلك التعبير، وكان عن العيد الوطني. وحين أصررتُ على أنّي كاتبه، وليس "أخي الأكبر" كما قال الأستاذ، قرأه على الطلبة بصوتٍ عالٍ ليبرهن لهم أنّه على حقّ. لكنّي أصررتُ على كلامي، فدعاني إلى الجلوس بجانبه أمام الطلبة وكتابته من جديد.
القراءة ودوافعها الأولى ستكون أساس جميع القراءات التالية، فسحرُها الذي لا يُقاوم، إن تعوّد عليها التلميذ منذ صغره، سيحميه من كلّ غلوّ سلوكي، فكما هو معروف، ينفتح عقل من يقرأ كتاباً أكثر، ويتشكل لديه صمّام أمان ضد مختلف الرياح العاصفة. ومما يزكّي هذا الطرح أنّ سجوناً في العالم صارت تحرص على تزويد السجناء بالكتب، وتقدّم من أجل ذلك تحفيزاتٍ ومسابقاتٍ لتعزيز الوعي بأهمية القراءة ودورها في جعل السجين، وهو يغادر زنزانته، شخصاً آخر غيرَ الذي دخلها.
أن تجعل طفلاً يتعوّد على فعل القراءة منذ نعومة أظافره، كما فعلت هذه المُدرّسة النبيهة والمبتكرة، التي لم تكتفِ بالمقرّر، صنيعٌ سيشكرها عليه التلاميذ ويدينون لها طوال العمر، وقد غُرس في نفوسهم حب المطالعة... أخبرني صديق مرّة، وهو مبدع وناقد، أنّ سبب حبّه القراءة نشأ مصادفة حين طلب منه والده يوماً أن يقرأ له الصحيفة كاملة... بالنسبة إليّ، بدأ شغفي بالمطالعة مع سيرة ملخّصة لحياة عنترة بن شدّاد قرأتُها، ذاتَ طفولةٍ بعيدة، تحت نخلة، وإنْ كان لجدّي رأي آخر بعدما اكتشف الأمر فجأة، فلسع جسدي بعدّة ضربات بعصاه، وقذف بعنترة وشعره وعبلته نحو رؤوس الأشجار، فلم يكن الجدّ، يومئذ، يستسيغ أن يقرأ الطفل كتباً تتصل بالخرافة والخيال.