أيّ فرص للمبادرة المصرية؟

أيّ فرص للمبادرة المصرية؟

31 ديسمبر 2023
+ الخط -

كثيرة هي الأفكار والمقترحات التي طرحت منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة، لكنها اصطدمت جميعها بالتعنّت الإسرائيلي والسقف العالي الذي وضعه الاحتلال لحربه. اليوم، تبرُز المبادرة المصرية كأحدث المحاولات لإنهاء العدوان، وهي تنتظر المصير الذي ربما يكون مختلفاً عن المبادرات السابقة. لم يرفض أي من الأطراف، على الأقل رسمياً، حتى الآن، البنود التي قدّمها المصريون لوفدي حركتي حماس والجهاد الإسلامي اللذيْن زارا القاهرة خلال الأيام الماضية، وأيضاً إلى المسؤولين الإسرائيليين الذين وضعوها جدّياً على طاولة البحث.
تتمحور المبادرة المصرية بشكل أساس حول نقطتين جوهريتين: تركّز الأولى على الهدن وتبادل الأسرى، إذ تقترح ثلاث مراحل تتضمّن هدناً قابلة للتمديد والإفراج التدريجي عن عشرات الرهائن الذين تحتجزهم المقاومة الفلسطينية، مقابل إطلاق سراح أسرى فلسطينيين لدى دولة الاحتلال، ما يؤدّي، في نهاية المطاف، إلى التوصل إلى وقف الحرب. أما النقطة الثانية فتتحدّث عن "اليوم التالي" للعدوان، إذ تنصّ على تشكيل حكومة فلسطينية مؤلفة من تكنوقراط بعد حوار تشارك فيه "جميع الفصائل الفلسطينية"، وتكون مسؤولة عن حكم قطاع غزّة بعد الحرب وإعادة إعماره.
ورغم أن أياماً مرّت على طرح هذه المبادرة، إلا أن أياً من الأطراف لم يعلن رسمياً قبولها أو رفضها، ما يشير إلى أنها قد تحظى بفرصة، ربما ضئيلة، للتطبيق والسير في مسار وقف العدوان. لكلٍّ من الأطراف حساباته الخاصة في التعاطي مع المبادرة المصرية، أو على الأقل نقاط فيها. 
إسرائيل، وتحديداً رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، مستعدٌّ للقبول بجزءٍ من البند الأول الخاص بالهدن المترافقة مع تبادل الأسرى، للتخفيف من الضغط الشعبي الذي يشكّله أهالي الإسرائيليين المحتجزين لدى "حماس". وهو أيضاًَ غير معارضٍ لهدنٍ تسمح لقواته بالتقاط الأنفاس وإعادة رصّ الصفوف، خصوصاً بعد الخسائر الكبيرة التي تُمنى بها على أرض الميدان في قطاع غزّة بفعل البسالة التي يبديها المقاومون هناك. غير أنه لا يبدو إلى اليوم مستعداً للوصول إلى صيغة تنهي العدوان بشكلٍ كامل، والانسحاب من القطاع، بحسب ما تنصّ عليه المبادرة، قبل تحقيق أهداف تخوّله الحصول، على الأقل، على جزءٍ من "صورة انتصار". في السياق نفسه، هو أيضاً لا يزال مصرّاً على أن يكون هناك دور أمني إسرائيلي في مرحلة ما بعد الحرب، أو "مرحلة ما بعد حكم حماس" بحسب السردية الإسرائيلية، وهو أمرٌ غير مدرَج في المبادرة المصرية.
في المقابل، لدى "حماس" أيضاً جملة من التحفظات على بعض البنود، خصوصاً مع ما بدا أنه تباين في المواقف بين قادة الحركة في الداخل والخارج في ما يخصّ الهدن، بعد رسالة رئيسها في غزّة، يحيى السنوار، والذي رفض فيها الهدن وتمسّك بإنهاء العدوان بشكل كامل، إلا أن هذا الموقف بدأ يلين مع المجازر اليومية التي يرتكبها جيش الاحتلال، والثمن الكبير الذي يتكبّده المدنيون الفلسطينيون. كذلك، من غير الواضح حتى الآن موقف "حماس" من التخلي عن السيطرة على القطاع، فرغم أن لا موقف رسمياً بعد في هذا الشأن، إلا أن آخر المعلومات تشير إلى أن الحركة لا تزال رافضة للفكرة، على الرغم من أن هناك إجماعاً في كل المبادرات المقدّمة، ومنذ ما قبل المبادرة المصرية، على استبعاد "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، على الأقل شكلياً، عن السيطرة على قطاع غزّة، سياسياً وأمنياً. الأمر الذي تتذرّع به الولايات المتحدة وإسرائيل لاستمرار العدوان.
لا تزال النقاشات حول المبادرة المصرية في بداياتها، والكثير من التعديلات قد تطرأ عليها لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، لكن وفق المعطيات والحسابات، لا يبدو أن فرصها ستكون مختلفة عن المحاولات السابقة لوقف العدوان.

حسام كنفاني
حسام كنفاني
صحافي لبناني، يشغل حاليًا منصب مدير قطاع الإعلام في فضاءات ميديا، له منشورات في عدّة صحف لبنانية وعربية. يعمل في مجال الصحافة منذ أكثر من 25 عامًا، وهو من مؤسّسي موقع وصحيفة "العربي الجديد".