أنقرة – القاهرة .. تقارب المصالح

23 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

تتجّه العلاقات التركية المصرية، منذ عدة أسابيع، إلى تقارب ملحوظ، وهي مرشّحة إلى حصول لقاء بين وزير خارجيتي البلدين في الشهر المقبل (مايو/ أيار)، وذلك بعد قرابة ثمانية أعوام من القطيعة، تلت انقلاب الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على الرئيس المنتخب محمد مرسي في 13 يوليو/ تموز 2013. حينذاك، حدّدت أنقرة موقفا من الانقلاب، وما ترتب عليه من مجازر وحملات قمع، وكان من أبرز النقاط الخلافية اعتقال مرسي، وعدم تمكينه من أبسط حقوقه، وحتى وفاته في المعتقل.

ليس هناك حل قريب لكل الخلافات بين البلدين، ولكن عملية تطبيع العلاقات صارت على السكّة. من المستبعد حصول لقاء على مستوى عال بين الرئيسين رجب طيب أردوغان والسيسي، فهذا غير ممكن في اللحظة الراهنة، على الأقل من طرف الرئيس المصري الذي لن يجازف بخطوة كهذه تُغضب حليفيه، السعودي والإماراتي، على وجه التحديد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا التقدم في العلاقات بين القاهرة وأنقرة ما كان له أن يحصل على هذه الوتيرة، وبهذه السرعة، لو لم تتم المصالحة الخليجية في قمة مجلس التعاون الخليجي في العلا السعودية في مطلع هذا العام. وفتح تحسّن العلاقات القطرية السعودية الباب أمام بقية الأطراف، وتلعب المصالح المشتركة دورا أساسيا في أي تقدّم ممكن. ومن دون شك، لعبت التسوية في ليبيا دورا مهدّئا بين مصر وتركيا. وبعدما بدأت عملية تفكيك العقد في الموقف الليبي، أدركت كل من القاهرة وأنقرة حجم الدور الذي تلعبه كل منهما في الملف الليبي، في وقت أصبحت حدود الدور مرسومة بشكل نهائي، ولا يمكن تجاوزها، ثم أن حفاظ الطرفين على مصالحهما يحتّم التفاهم، وليس النزاع.

أنقرة والقاهرة تتقدّمان باتجاه بعضهما منذ عدة أشهر. وهناك عدة ملفات يبدو فيها الموقفان، المصري والتركي، أقرب إلى بعضهما من بقية الأطراف في شرق المتوسط، ومنها في صورة أساسية ترسيم الحدود البحرية. وهناك معلوماتٌ مؤكّدة تفيد بأن القاهرة أيدت وجهة النظر التركية في هذه المسألة، على قاعدة أن يبدأ الترسيم من البر، وليس كما تريد أثينا بدءا من الجزر البحرية. وهذا يصبّ في صالح مصر وتركيا معا، كونهما تمتلكان أطول ساحلين على البحر الأبيض المتوسط. وهناك ملفاتٌ أخرى، منها القضية الليبية والتنسيق الأمني والوضع في سورية، وذلك وسط إدراك القاهرة أن الاستثمار في العداء لتركيا لم يعد مربحا في وقت تجري محاولات إسرائيلية يونانية لاستبعاد مصر. وحصل أكثر من تطوّر في الآونة الأخيرة، منها اللقاء الرباعي، يوم الجمعة الماضي، بين وزراء خارجية اليونان وإسرائيل وقبرص ومستشار رئيس الإمارات أنور قرقاش، وسبقه استبعاد مصر من اتفاق ربط شبكات الكهرباء الذي تم توقيعه في الثامن من الشهر الماضي (مارس/ آذار)، بين قبرص وإسرائيل واليونان بتمويل من الاتحاد الأوروبي بكلفة تبلغ حوالي 900 مليون دولار، وأثار ذلك انزعاج القاهرة التي تعتبر نفسها شريكة للدول الثلاث في ميدان الطاقة.

تركيا بحاجة إلى فكفكة التحالف ضدها في شرق المتوسط، والذي تلعب فيه مصر واليونان وإسرائيل الدور الأساسي، ويلتقي هؤلاء عند هدف كبح الدور التركي الذي يتعاظم بسرعة. وبالمقارنة مع الأطراف الثلاثة، تبقى تركيا مؤهلة أكثر لاحتلال مكانةٍ متميزةٍ في شرق المتوسط، بفضل قوتها الاقتصادية وثقلها العسكري، وحركة التحديث والعمران التي تقوم بها بسرعة كبيرة، حتى أن الاقتصاد التركي تقدّم وأصبح من بين العشرين على المستوى العالمي. ويضاف إلى ذلك أن تركيا تشكل أرض استقبال مثالية لمواطني البلدان العربية التي تأثرت بفعل التدخلات الخارجية في شؤونها خلال الأعوام الأخيرة. ويعيش على أرضها عدة ملايين من سورية وليبيا والعراق ومصر وفلسطين.