ألعاب الجوع

ألعاب الجوع

12 اغسطس 2022

(فريد بلكاهية)

+ الخط -

في تلك اللّحظة، بدا أن من الصّائب أن يقف رجالُ الإسعاف لحظاتٍ عند الباب، حتى يفرغ المُصوّرون من التقاط صور المصاب، وإصاباته، وتسجيل أنينه على فيديو أو reel، ثم يواصلوا طريقهم إلى سيارة الإسعاف. لعلّهم يسمحون لبعضهم بالصّعود إلى السيّارة لمرافقة الجريح، وربما دخول غرفة الجراحة. حدث هذا، حين أخرج رجال الإسعاف شاباً مصاباً في شجار، من بيته. وحالما خرجوا إلى الشارع، انقضّت جموع المتفرّجين على الموكب، رُفعت الهواتف لتصوّر المُصاب من فوق أكتاف المُسعفين ورؤوسهم. لتحقيق ذلك، عرقلوا سيرهم واستهلكوا دقائق ثمينة ومؤلمة من حياة الشّاب.

في باب كيف تُحوّل وسائل التواصل الجرائم إلى تلفزيون واقع، يتغيّرُ وجه الحقيقة يوماً بيوم، بالبحث عن تصريحاتٍ أعنف من جيران الضّحايا والمجرمين، وكلّ منهم يروي قصة مختلفة. كما يحدُث في صالونات النّميمة، تتواترُ الحكايات، وتدعو إلى إعادة النظر في ما أُعلن سابقاً، من مصادر موثوقة. كلّ من له ثأر من أسرتي الضّحايا، من أقارب وجيران، يهاجمهم. من لا يعرف عنهم سوى وجوههم وأسمائهم يدّعي القرب منهم، ويخترع في سبيل ذلك ما لم يحدُث. ربما لا تُغيّر هذه الحلقات المُتلاحقة بجرعاتٍ من التّدليس من مصائر القتلى، أو من هوية المجرمين، لكنها تلعب في منطقة خطرة. ما يمنع تزوير هوية الجناة من التزوير، أنّهم يحملون أدوات إدانتهم في أيديهم، مثلما نفعل جميعاً، فالهواتف لم تعد وسيلة تواصل فحسب، بل هي شاهد على خطواتنا وعلى ما نرتكبه.

نتذكّر فيلم "مباريات الجوع" (The Hunger Games)، حيث يتفرّج الناس على اثني عشر شاباً وشابة، يقتلون بعضهم لتسلية الجمهور، فقط. ولا أحد من المتحلّقين حول عملية التّقتيل المقنّنة هذه يشعر بالشفقة على الضّحايا، الذين عليهم أن يصبحوا مجرمين للحفاظ على حيواتهم. ما عدا أن يفتعل أحدهم أسباباً تجعل هذا الجمهور يُشفق على أكثر من فائز، لينجو اثنان كما حدث مع بطلَي الفيلم اللذين وقعا في الحب. في تلفزيون الواقع هذا الذي يحوّل الكوكب إلى استوديو عملاق لأفلام الواقع، تتحوّل ضحية جريمة إلى مذنبة، ويجري تقطيع حياتها ومحاكمة كلّ تفصيل فيها، وفوقها سيل من الإشاعات التي تشجّعها وسائل إعلام صفراء. أما القاتل فمعذور، لأنّ الضّحية استفزّته. تخيّل لو قتل أي واحد منا كل مستفز، لما بقي في العالم أحد.

ما رأيناه من فيديوهاتٍ عن عائلة وأصحاب وجيران الضّحيتين المصريتين لجريمتي قتل في أسبوع واحد، نيرة وشيماء، مثال قوي لهذا السيرك الأخلاقي، حيث صار الأقارب البعيدون والجيران اللّؤماء ذوي رأي في حياة امرأة لم يعرفوا عنها إلّا الإشاعات والتكهنات. ليسأل أحدُنا نفسَه كم يعرف جيرانه وأقاربه الأبعدون عنه؟ في المغرب تدخل القناة الفضائحيّة "شوف تيفي" منازل القتلة قبل الشُّرطة، وتستجوبهم ويُصرّح القتلة بأنّهم ضحايا المقتول، وتطلب الأمّهات من المجتمع والأمن الرّفق بأبنائهن القتلة. وتشهد الجارات بأنهم "الله يعمّرها دار"، أي أنهم أناس طيبون. هكذا تجري محاكمة القتلة إعلامياً، ويغوص في المحاكمة كلّ من يشاء، ويخرج المقتول مذنباً بحقّ القاتل. مثلما حدث مع قاتل نيرة، الذي حاول بعضهم جمع الدّية له. يمكن أن يقتُل أحدهم، ويعتمد على أمه وأخواته، لاستجلاب عطف الغوغاء الذين صاروا أبطال التّواصل الاجتماعي. ليخفوا خللهم النفسي، بالانتصاب محامين عن الجرائم التي يرَونها مبرّرة، ويلاحقوا أناساً يعيشون حياتهم، ولا يضرّون أحداً فقط لأن أسلوب حياتهم لا يوافق قناعات قضاة التواصل الاجتماعي.

لو تُركت السيطرة للشارع في الواقع، ستتأرجح موازين الأخلاق، وسيُدان كل مختلف، وعلى درب "أحسن الدواء الكي" يُجتث العضو الملتهب قبل كيّ الجرح الذي يُخلفه البتر. ستجري المحاكمات العامة التي يتاح نقلها إلى الجمهور، الذي يُصبح قاضياً ولجنة محلفين. ويستمع إلى الشُّهود بعد أن يجري تحقيقاته، كما تفعل النيابة العامة أو قاضي التحقيق. ثم يُصدر الحكم الذي يرى كلّ قاضٍ أنه وحده العادل. لكن لا قاضٍ واحد في الحشد، بل قضاة كثر، أو بالأحرى كل فرد في الحشد قاضٍ وحده، فتعمّ الفوضى. وهذا بالضبط ما يحدث في الافتراضي: الفوضى الأخلاقية العارمة.

596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
عائشة بلحاج

كاتبة وصحافية وشاعرة مغربية

عائشة بلحاج