أشياء يمكن فعلها من أجل غزّة

أشياء يمكن فعلها من أجل غزّة

27 أكتوبر 2023

طفل يرفع الغلم الفلسطيني في مسيرة داعم لفلسطين وغزة في العاصمة التونسية (21/10/2023/Getty)

+ الخط -

هي أوقاتُ حربٍ لا تكتفي بأن تُبيد آلاف الفلسطينيين وتقتلهم، بل تُفجع مئات الملايين في المنطقة العربية، ومليارات إذا حسبنا باقي الدول خارج أوروبا وأميركا، فما من إنسان سليم العقل والإحساس لن ينفطر قلبُه لما يحدُث، رغم أن الأثر بدأ يخفّ وتعوّد بعضهم على وجود الحرب. وهو ما لن يشعر به الغزّاويون، فكل يوم يفقدهم أحبّة قريبين أو بعيدين.

هؤلاء الذين تعبوا من مواكبة الحرب من بعيد، زايد بعضهم في حماسهم للقضية في الأيام الأولى، فطلبوا فتح الحدود لنصرة الفلسطينيين. قبل أن تهدأ النفوس وتتطبّع مع ما يحدُث، مع أن هناك كثيراً ممّا يمكن فعله، وبالفعل يساعد. من دون أن يحملوا السلاح أو يقطعوا الحدود، وأهمها: التبرّع للمنظّمات التي تُغيث أهل غزّة، وهو أهم فعلٍ يمكن للأفراد تقديمه.

في درجة ثانية، التوقّف عن انتظار الإنصاف من الإعلام الغربي، بينما هو يمثّل الأنظمة والجهات التي تُسيّر الدول الغربية نفسها، سياسياً واقتصادياً، فالإعلام في خدمة الأقوياء هناك، وهم إلى جانب إسرائيل، فكيف ينصفوننا؟ وهو أمرٌ يعرفه جيداً الواعون هناك، ويمكنهم البحث عن الحقيقة في أماكن أخرى. فيما تعيش بقية الشعوب الغربية من أجل نفسها، وتصدّق ما يأتي من الإعلام، لأنّها تفضّل أن تعيش في بديهياتٍ لا تنكّد عليها انشغالها برفاهيتها الخاصة. وهو انشغالٌ صار وباءً عالمياً منذ فترة طويلة. فحتّى بيننا، هناك من يسعى إلى تخفيف الاهتمام بالحرب، حتى يلقي نفسَه في عالم محورُه ذاتُه فقط.

كما أنّ الرأي العام العالمي خارج الغرب، مع القضية، بل فاقت مواقفه مواقف العرب، فهناك قادة ورؤساء خرجوا ووصفوا جرائم الكيان بما هي عليه مباشرة، خارج لغة التنديد، بجُبنها وعدم جدواها. لكننا نترك كل هؤلاء الإنسانيين الذين وقفوا مع الحقّ، ونبقي أعناقنا مشرئبةً إلى الغرب الإعلامي والسياسي، الذي لا يُعجزه أن يرى الحقيقة، لكن لا مصلحة له فيها.

الحقيقة أن وجود إسرائيل مسألة حيوية له، من أجل تشتيت المنطقة وتأبيد عدم استقرارها. ولا يمكن مواجهتها إلّا بما تُسبّبه من سخط أجيالٍ جديدة من المقاومين، أكثر مواجهة وجرأة وقوة. أجيال محرومة من أبسط الأشياء، مثل حقّ التجوّل حولها، فما بالك بالسفر. وهي فوق ذلك، مهدّدة بالموت من دون سببٍ على الإطلاق، سوى سوء مزاج حارس على معبر، أو غارة تبيد أحياء بأكملها، فلا يحتاج الكيان المجرم سبباً لتحطيم أهل الأرض، لعلهم ينقرضون.

لولا ضعفنا أمام الغرب الإعلامي والسياسي، لما جرؤ قادة العالم "الكبار" على زيارة الكيان لإبداء مساندتهم له، وهو يبيد أُسراً كاملة، ويرتكبون مجازر لا مثيل لها، حتى في الحربيْن العالميتين. فهما رغم قتلهما الملايين لكنهما لم تُمنهجا الإبادة، ما عدا ما فعله هتلر. هذه هي المقارنة الوحيدة التي يمكن اللجوء إليها، لكن حتى معها تتفوّق المحرقة الحالية بأنها تحدُث أمام العالم، بوقاحةٍ وإجرامٍ لم يجرُؤ عليهما حتى هتلر.

يمكن لمن يرغب حقّاً في المساعدة، التبرّع بكثافة لإغاثة غزّة ولو بعد حين، بعد أن يرفع الاحتلال المجرم يده عن معبر رفح. والاستمرار في إبداء أشكال التّضامن، وإلّا سنفقد ما تبقى من إنسانيتنا وانتمائنا. ولن نكتفي حينها بأن نخذل الغزاويين فقط، بل سنكون من الذين ينظرون في الاتجاه الآخر لإسكات ضمائرهم، حتى لو خسروا إنسانيّتهم.

التّضامن غير المشروط هو كل ما تبقّى للمنطقة العربية. وهو، في حد ذاته، أمر فريد في العالم كله، فما من منطقةٍ تجمعها قضايا مشتركة مثلها، ولها القدرة على التحشيد والتفاعل بين شعوبها. لكن بشرط تفعيل هذا التضامن، وإخراجه من عبثيّة الثرثرة إلى جدوى الفعل.

نحتاج خطوات حقيقية، فإسرائيل على حجمها القزم تُوضعُ رهن إشارتها إمكانيات الغرب العنصري (لا الحضاري) بلا حدود. وإذا فشلت الحملات التي قمنا بها في إقناع الناس بمقاطعة "ماكدونالد"، مثلا، فكيف نقنع الغرب بتغيير رأيه؟ وبدل لعن الإعلام الغربي يمكن لأهل المال عندنا أن يُشعلوا شمعات كثيرة، بشراء شركات إعلامية بدل الفرق الرياضية، حتى لا نقضي هذا القرن ونحن نندُب حالنا وصوتنا.

596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
عائشة بلحاج

كاتبة وصحافية وشاعرة مغربية

عائشة بلحاج