أساطير السيسي عن "25 يناير"

أساطير السيسي عن "25 يناير"

20 يناير 2022
+ الخط -

لا يفوّت الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أي مناسبةٍ إلا ويشن هجوما ضاريا على ثورة 25 يناير، فيصفها بالمؤامرة التي كادت أن تضيّع مصر، وتجعلها شبيهة بسورية والعراق وليبيا. لم يكتف بذلك، بل يكرّر أنها السبب في التدهور الاقتصادي والسياسي والتراجع الإقليمي لمكانة مصر. ويطرح هذا الهجوم المتكرر عدة أسئلة بشأن ماهية هذا العداء ومصداقية ما يقوله الرئيس. وبنظرة فاحصة لما يكرّره الرجل في كل مناسبة نجد أنه محض ادّعاء لا أكثر، فوصف ثورة يناير بالمؤامرة يتناقض مع الوصف الذي وصف المجلس الأعلى للقوات المسلحة (المجلس العسكري) به نفسه، في الفترة التي حكم فيها البلاد بعد تنحّي حسني مبارك (كان السيسي أحد أعضائه) من أنه حامي الثورة. وهنا السؤال، لو كانت ثورة 25 يناير مؤامرة فلماذا قام الجيش بحمايتها؟ ولماذا لم يخرج السيسي حينها ويتحدث عن تلك المؤامرة، ولماذا التقي بعديدين من شباب تلك الثورة؟ وحاول أن يستقطبهم؟ فما الذي تغير، ولماذا الآن أصبحت تلك الثورة مؤامرة.

اعتاد السيسي ترديد أن ثورة يناير كانت تهدف إلى جعل مصير مصر مثل سورية والعراق وليبيا

من أكاذيب اعتاد السيسي ترديدها عن ثورة يناير أنها كانت تهدف إلى جعل مصير مصر مثل سورية والعراق وليبيا. ولكن مع طرح هذه المقولة للنقاش نجد أن هذا جاء على غير الحقيقة، ففي أثناء الثورة، وفي ظل الانهيار والفراغ الأمنيين اللذين شهدهما الشارع المصري، لم يحدث أي حادث طائفي ولم يتم حرق أي كنسية أو مهاجمتها، ما يعصف بمقولة السيسي إن ثورة يناير كانت تهدف إلى تخريب مصر وإيقاعها وجعلها مثل سورية والعراق. كما أن ثمة مناقشة جادّة للأوضاع، السورية والعراقية والليبية، تكشف عن أن هذا غير صحيح بالمرة، فسورية دولة طائفية تحولت الثورة فيها إلي حرب أهلية، زاد من حدّتها التدخل الأجنبي. إلي جانب أن ما حدث في العراق وإسقاط نظام صدام حسين تم عبر الاحتلال الأميركي وليس عبر ثورة سلمية كالثورات التي حدثت في مصر وتونس والسودان على سبيل المثال، كما أن الوضع الليبي وإسقاط نظام القذافي حدث عبر تدخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) العسكري وإسقاط نظام القذافي، عبر ضربات عسكرية نفذها الحلف، تاركا خلفه دولةً منهارةً من دون أن تكون هناك خطة لإيجاد مسار ديمقراطي لبناء دولة حديثة في ليبيا. كما أن التدخلات والاستقطابات العسكرية فيما بعد، وكان السيسي جزءا منها، أدّى إلى تدهور الوضع وزيادة حدّة التدهور. بمعنى آخر، السيسي، وليست ثورة 25 يناير، هو من ساهم في تدهور الوضع في ليبيا وتعميق أزماته الداخلية، عبر دعمه الجنرال المتقاعد خليفة حفتر. في تلك الأمثلة الثلاثة التي يكرّر السيسي ذكرها دائما، ويحذّر المصريين من الخروج إلى الشوارع، أو التفكير في ثورة جديدة لتجنب مصير هذه الدول الثلاث، نجد أن أنظمتها سقطت عبر تدخلات أجنبية واضحة، وهو ما لم يحدُث في مصر، ناهيك عن الاختلاف الواضح بين بنية الدولة والمجتمع في مصر عن تلك الدول.

درج السيسي على جعل ثورة 25 يناير السبب الرئيس للتدهور الاقتصادي، وبالرجوع إلى المسألة الاقتصادية، نجد أن الجنيه، كأحد الأمثلة، استقر سعر صرفه عند 5.5 جنيهات للدولار الواحد، وارتفع في عام رئاسة محمد مرسي، ليستقر عند حوالي 7.5 للدولار، استمرت انخفاضات قيمة الجنيه في عهد السيسي، لتفقد العملة المحلية أكثر من 100% من قيمتها خلال السنوات الست، ليستقر سعر الجنيه حالياً عند حوالي 16.5 جنيها للدولار الواحد تقريباً، وذلك نتيجة سياسات اقتصادية فرضها صندوق النقد الدولي على مصر للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار بنهاية عام 2016. في الوقت نفسه، رفعت الحكومة الدعم بالكامل عن المحروقات والكهرباء، وكذا أسعار الخدمات الحكومية، وفرضت ضريبة القيمة المضافة، كما رفعت الضرائب الجمركية ثلاث مرات متوالية، ورفعت أسعار المواصلات العامة، وكلها سياسات تسببت في رفع معدلات التضخم إلى ما يزيد على 33% عام 2018، قبل أن يتلاعب النظام بمعادلة حسابه بتغيير سنة الأساس إلى عام 2018 بدلاً من عام 2010، ما جعل رقم التضخم الحالي الذي يبلغ حوالي 14% في المتوسّط مزيفاً إلى حد كبير.

يحاول السيسي، بكل ما أوتي من قوة، أن يقبر ثورة يناير، أن يحاصرها كفكرة أولا، وأن يعاقب المنتمين إليها ثانيا

وفي ما يتعلق بالأزمات الخارجية وتراجع دور مصر الإقليمي، نجد أن الرئيس السيسي يتخذ من ثورة 25 يناير الشماعة التي يعلق عليها هذا التراجع، وعدم قدرة مصر علي حسم عدد من الملفات، ومن أبرزها ملف سد النهضة الإثيوبي، فقد درج السيسي وإعلامه على تكرار مقولة إن الشروع في تشييد سد النهضة بدأ مع الثورة، وهي مقولة مضللة، ولا تستند إلى أي أساس تاريخي أو علمي، فالبرجوع إلى التاريخ، نجد أن بناء السد مشروع إثيوبي منذ عشرات السنين، وكان بإيعاز أميركي ردا على جمال عبد الناصر ومشروعه بناء السد العالي، وكان المخطط أن تكون السعة التخزينية خلف السد عشرة مليارات متر مكعب، ثم رفعتها إلى 14 مليار متر مكعب ووصلت الآن إلى 75 مليار متر مكعب. بالتوازي، هناك ثلاثة سدود يتم الشروع في تشييدها، وبدأ التخطيط لها قبل 2011، والسعة التخزينية لتلك السدود إلى جانب سد النهضة هي مائتي مليار متر مكعب، بما يعني أن إثيوبيا قادرة علي تجفيف النيل في مصر، ومنع وصول أي نقطة ماء إلى مصر في غضون أربع سنوات كاملة، ما تترتب عليه مجاعات وخراب ودمار، وعدم وجود كهرباء، لأن السد العالي حينها لن تكون لديه القدرة على توليد الكهرباء لعدم وجود مياه فيه.

في مايو/ أيار 2010، وقعت ست دول من دول حوض النيل (إثيوبيا، أوغندا، كينيا، تنزانيا، رواندا، بورندي) اتفاقية عنتيبي، وتنصّ على إنهاء الحصص التاريخية لمصر والسودان في مياه النيل التي تم النص عليها في اتفاقية 1959، وقد رفضت كل من مصر والسودان هذه الاتفاقية. وفي أغسطس/ آب 2010 انتهت الحكومة الإثيوبية من أعمال المسح الخاصة بالمنطقة التي سيقام عليها السد (منطقة بني شنقول)، وفي 5 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، استطاعت الحكومة الإثيوبية أن تنتهي من تصميم سد النهضة، وأعلنت عزمها علي التنفيذ، وفي 6 إبريل/ نيسان 2011 بدأت إثيوبيا في التنفيذ.

يخفي الهجوم المنهجي على ثورة يناير حقيقة أنها ليست حدثاً عابراً في حياة الدولة والمجتمع المصريين بل حالة مستمرة

إذاً، لا علاقة ليناير أو ما حدث في يناير بسد النهضة، بل هو سابق عليها، كما أن حسن النوايا مع الجانب الإثيوبي وتحليف رئيس الوزراء الإثيوبي اليمين هما السبب في ما وصلت له الأمور الآن، وليست ثورة يناير التي فشلت في المفاوضات وجعلت إثيوبيا تستغل الوقت وتستثمره لصالحها وتنتهي من معظم الإنشاءات في السد وتنتهي من المرحلة الأولى في الملء، وتستعد للثانية، بل هي السلطة الحالية من فعلت هذا. لذا أدعو السيد الرئيس إلى أن يخفف من عدائه للثورة، فما يواجه مصر أضخم وأكبر مما حدث في 25 يناير/ كانون الثاني 2011، فهي معركة وجود حقيقية.

إذاً، نجد أن السبب الحقيقي للهجوم على ثورة يناير، بصورة دائمة ومتكرّرة من الرئيس ونظامه، الخوف الذي يشعران به من تلك الثورة الشعبية التي أطاحت نظام مبارك الذي حكم البلاد 30 عاما. وفي الوقت ذاته، يخفي هذا الهجوم المنهجي خلفه حقيقة واحدة، أن ثورة 25 يناير ليست حدثا عابرا في حياة الدولة والمجتمع المصريين، بل هي حالة مستمرة، لها توابعها وأثرها المستمرّان. لذا يحاول الرجل، بكل ما أوتي من قوة، أن يقبرها ويحاصرها كفكرة أولا، وكذلك أن يعاقب المنتمين إليها من أشخاصٍ، خوفا من أن يتكرّر المشهد الذي تكرر من قبل، وهو ما يعبّر عنه الرجل مرارا بأن ما حدث في 25 يناير لن يحدث مرة أخرى في مصر. وفي الواقع لا أدري من أين يأتي الرجل بكل هذه الثقة، على الرغم من أن كل سياساته المتبعة تنبئ بأن ما حدث في مصر في يناير/ كانون الثاني 2011 قابل للحدوث مرّة أخرى نتيجة تلك السياسات.