أحمد بن إسماعيل ذاكرة مراكش

28 سبتمبر 2020
الصورة

شيخ الحلقة مولاي امبارك في ساحة جامع الفنا في مراكش بعدسة أحمد بن إسماعيل

في مدينته مراكش التي يصعب أن تراها بالعين المجرّدة من دون أن ترافقك أجنحة الخيال، نظراً إلى ثرائها الفولكلوري وتنوع أسواقها العتيقة وصفاء شوارعها، كان أحمد بن إسماعيل يتحرّك، قبل أن تغرب الشّمس، باحثاً عمّا يُصوّره. لا يترك شيئاً جامداً أو متحرّكاً يفُوته، مهما بدا تافهاً وبسيطاً. ولذلك، حين تفتح صفحته في "فيسبوك"، تجد صوراً قديمة لكتّاب وفنّانين ولرواة ساحة جامع الفنا، بعضهم غاب عن دنيانا، ولكن عدسته اللاقطة وثّقتهم، ومن أكثر من زاوية. لم يكن لهم أن يُعرفوا لولا كاميرته، سيطمرهم النسيان، ولأنه يعرفهم معرفة قريبة، ويخبر جوانب حميمة من سيرهم وصفحات شقائهم وكفاحهم من أجل تلبية متطلبات الحياة؛ فقد كانت الذاكرة محظوظة بكاميرا أحمد بن إسماعيل، وبروحه البسيطة في الفن، حيث إنه مُستعدّ دوماً لأن يمطر الحياة حوله بالصور، وفي أي وقت وأي مكان، بشرط أن تكون هناك شمس. كان "يلاحق أصدقاءه بقلق" إلى أن تغرب الشّمس، علامة هدوئه، وإن كان هدوءاً يسبق عاصفة اليوم الموالي. يفعل ذلك كله، في كل مرة، بدقة وحرص من يلتقط الصورة الأخيرة. صور كثيرة، لا تعدّ، لأماكنَ ومُنشآت ثقافية تُجسّد فضاءاتها نماذجَ لعمران مغرب الحقبة التي وثّقتها عينُه، عدسته، فقد كان لا يتحرّك إلا ومعه عدسته.
لم ألتقِ ابن إسماعيل منذ قرابة العقدين، لأني لم أزر مراكش منذ ذلك الحين، ولكني عرفته جيداً خلال التسعينيات، حين كان يأتي إلى الرباط، أو حين كنا نزوره، يوسف فاضل وعبد الله الريامي ومحمد الحارثي وعبد الله الحارثي، في شقته في الدار البيضاء، حيث كان معلماً مادة اللغة العربية، ويكون معه، في أحيانٍ كثيرة، زميله الصموت معاذ الناصري، أو حين ألتقيه في مراكش، في البيت التقليدي المضياف لعائلته، داخل أسوار المدينة القديمة، حيث في الطابق الثاني مرسمه، كما ترصّعت رفوف البيت التقليدي بالكتب النادرة. أذكر منها نسخة عتيقة من كتاب "مغني اللبيب" لابن هشام. وكان والد ابن إسماعيل فقيهاً معروفاً في مراكش، احتفظ بمكتبةٍ عامرةٍ تولّى أحمد الاعتناء بها.
فنّان يَجري حبّ التصوير في دمه جرَيانَ الماء في الينابيع والجداول. وطبعاً، بخفّة دم وقدرة عجيبة وبديهية على اجتراح النكتة ومسرحَة الموقف وانتزاع الضّحكة من القلوب، وفق ما جُبل عليه أهل مراكش وعُرفوا. أتذكّر أني سألته، مرّة، هل تعرف حاتم الطائي؟ (كنت أقصد صحافياً عُمانياً بهذا الاسم)، فأجابني بعفويته المحبوبة: لا أعرفه، ولكني أعرف امرأ القيس والسّموأل والنابغة الذبياني.
لدى أحمد أرشيف حيّ قائم الذات، فقط من صوره بالأبيض والأسود، صور رسمت مساراً امتدّ من ثمانينيات القرن الماضي، أجمع مُتتبّعون على أهمّيتها، لإسهامها في توثيق الذاكرة العُمرانية والثقافية في مراكش والمغرب، في أبعادها المختلفة. وقد جمعته صداقاتٌ بكتابٍ عديدين من مختلف أنحاء الوطن العربي، وكذلك بكتاب غربيين. ولا أستغرب، حين أكتشف في صفحته كلّ يوم صورة قديمة لأحد الكتاب أو الرياضيين المتقاعدين أو حكّائي ساحة جامع الفنا في مراكش، ذلك المسرح المفتوح على الحياة، أو كما سمّاها الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو "أجمل شاشة سينمائية في العالم". وهي صور يعود كثيرٌ منها إلى التّسعينيات، الفترة التي عرفتُها فيه. وأستحضر اليومَ الذي افتتح فيه (في 1994) أول معرض له، في "باب دكّالة" في مراكش. وسمّاه بن إسماعيل "آثار الليل"، لأنه كان يعرض صوراً أقرب إلى الهامش، خصوصاً التي التُقطت داخل الأسوار، في المدينة القديمة. كان بين الحضور مجموعة من أصدقائه، منهم غويتيسولو الذي كان هو مَن خطّ مقدمة "بْروشّير" المعرض، وترجمه إبراهيم الخطيب، بالإضافة إلى مساهمات عبد الله الريامي ومحمد الحارثي وعبد القادر الشاوي وإدمون المليح بعبارات بالعربية. أذكر أنه في اليوم نفسه زُفّ له خبر أول مولود له. كانت بنتاً، فلم يحترْ كثيراً في الاسم، فكان "آثار". ثم واجهته معضلة في "الأحوال المدنية"، فالإسم غريب بالنسبة إليهم. شرح لهم، بفكاهته المعهودة، أنه اسم معروف لممثلة مشهورة، وهي آثار الحكيم. أسعفته آثار الحكيم، إذاً، بينما هو يقصد تسميتها على اسم معرضه الأول الذي صادف يوم افتتاحه ولادة البكر، آثار.