"لعلّ وعسى"

"لعلّ وعسى"

01 يونيو 2021
الصورة

رندا الأسمر وحنان الحاج علي في مسرحية "لعلّ وعسى"

+ الخط -

كنا ندرك، نحن الذاهبين إلى حضور مسرحية "لعلّ وعسى" التي عُرضت ثلاثة أيام متتالية على خشبة مسرح "دوار الشمس" (28 – 29 - 30 مايو/ أيار الماضي) في بيروت، أنّنا نقوم بعمل استثنائي لن يتكرّر، وأنّنا آتون للاحتفال بشيءٍ انتهى، بعصرٍ مضى، بذكريات ممثّلتين جميلتين خاضتا معاركهما المسرحية خلال الحرب الأهلية وما بعدها، كلّ منهما على جبهة: رندا الأسمر، مع مخرجين كبار من أمثال ريمون جبارة، وقد سعوا إلى أن يُكملوا عملهم خلال الحرب، فيُبقون المسرحَ على قيد الحياة، على الرغم من كلّ شيء، وحنان الحاج علي، مع فرقة "الحكواتي" الملتزمة التي أسّسها الكبير روجيه عساف، والتي قامت، كما تقول حنان، على العمل في بيئات المحرومين والمهمّشين. رندا وحنان، المتقاربتان في العمر، المتباعدتان في التجربة، تقفان معاً للمرة الأولى على خشبة مسرح، بفضل كاتبة النص ومخرجة العمل كريستيل خضر.
هذي لحظة وداع بكلّ ما فيها من ثقلٍ وخفّة، ابتسامة وغصّة، لحظات التماع ولحظات خفوت وحسرة. وهي لحظة تأريخ لما مضى، من دون أن يمضي في الحقيقة كلّياً، طالما أنّه باقٍ في ذاكرة هاتين الممثّلتين. وطالما أنّ الممثلتيّن باقيتان، فلا بدّ للذاكرة من أن تعيد تشكيل المشهد، بدءاً من لحظاته الأولى، لحظة الاكتشاف والانشداه والوقوع في غرام المسرح، والقيام بالخطوة الأولى من خلال الانتساب إلى كلية الفنون الجميلة، المنقسمة على ذاتها، في بيروت المشطورة نصفين، مع اعتراض الأهل أو موافقتهم.
فإلى جانب ما ترويه الممثّلتان عن تجاربهما المسرحية والحياتية، هناك قصّة بيروت كلّها التي ستمرّ في مخيّلتنا؛ بيروت المسرحية التي بأصواتٍ متعدّدة، بيروت الممثّلين والمخرجين من أمثال نضال الأشقر ورضى خوري، وريمون جبارة، وروجيه عسّاف، وأنطوان ولطيفة ملتقى، ويعقوب الشدراوي، وشكيب خوري... وبيروت المسارح التي أُقفلت أبوابُها واحداً تلو الآخر: أورلي، بيكاديلي، جان دارك، الغران تياتر، مسرح بيروت، مسرح بعلبك، بابل، مارون النقاش... إلخ. مسرحية عبثية عاشها اللبنانيون بفصولٍ كثيرةٍ لا تنتهي، وتراجيديا العمر الماضي لممثّلتين ما زالتا قادرتين على العطاء، على الأداء، على الحياة، في مدينة طوت كتابَها وجفّ حبرها وذوت.
وإذ تختار المخرجة كريستيل خضر تجربتي رندا الأسمر وحنان الحاج علي، مادّة وموضوعاً، نراها تعتمد خشبةً فقيرة لا ديكور فيها، وخالية إلّا من كرسيّين ينتقلان في مساحة الخشبة، كلما انتقلت الممثلتان من مرحلة إلى أخرى، وتصنعان من كلٍّ منهما مُشاهِدةً (أو جمهوراً) للأخرى حين تستأثر بالخشبة لتستعرض ماضيها، أو تؤدّي مقطعاً من "صانع الأحلام" (ريمون جبارة)، كما مع رندا، أو "حكايا 1936" كما مع حنان، حيث نالتا جوائز فنّية مهمّة عن دوريهما. وعلى ما يظهر في النصّ المسرحي، يبدو أنّ خضر عملت مطوّلاً مع الممثلتين، وحفرت في عمق شخصيتيهما، لتظهرا بهذا الصدق وتلك الشفافية، ما جعلهما على قوةٍ وهشاشةٍ في الآن نفسه، حكمة وبراءة، ذكاء وسذاجة، قِدماً وطزاجة. فهنا، لا مساحيق تجميلية، ولا أدوار مخترعة تخفي الوجه الحقيقيّ، هنا التمثيل هو أداء الحياة الشخصية عاريةً من أيّ تنميق، آسرة في حقيقتها التي لا يجيد سوى المسرح الجميل إخراجها.
مع ذلك، ما زال هناك أمل، إنّه هذا الحبّ الملفت الذي يجسّده اجتماعُ هاتين الممثّلتين اللتين تلتقيان فوق مشهد حطام، لتتعانقا وتتراقصا وتتواجها وتتساندا، مدركتين تماماً خصوصية هذا اللقاء وأهميته. فلتتمسّكي بي، ولأتمسّك أنا بكِ، ولن نغرق. لنفلش حياتنا وذكرياتنا، ونصنع منها طبقاً يُبقينا معاً على قيد الحياة. خلافاتنا، اختلافاتنا، ليست بذات بال. المهمّ كم أنّني أراكِ جميلةً امرأةً، عظيمةً ممثلةً، وإن بدا أنّ ممثّلي المسرح لا قيمة لهم، وأنّهم على عكس ممثّلي السينما، يُنسَون. بفضلكِ أنتِ، أنا ما زلت أملك الأمل، تقول رندا لحنان، متكئة على كتفها في نهاية المسرحية، فيما تحيطها حنان بذراعها. لنبقَ معاً. معاً، لعلّ وعسى...