"قيامة أرطغرل" وسرّ التشويق

"قيامة أرطغرل" وسرّ التشويق

26 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

حصل المسلسل التركي "قيامة أرطغرل" على مشاهدة جماهيرية تكاد تكون خرافية، إذا أحصينا فقط عدد المشاهدين له حتى اللحظة (قارب ثلاثة مليارات)، إذ بُثّ على شاشات 71 دولة، وتمت دبلجته إلى 25 لغة مختلفة، وقد أدّى دور أرطغرل الممثل التركي إنجين ألتان دوزياتان. أعرف أشخاصاً اشتركوا في منصة "نتفلكس" فقط لمتابعة حلقات المسلسل الطويل، الذي يعرض في خمسة مواسم. على الرغم من ذلك، لا تحتاج مشاهدته صبراً عقابياً، كما يحدث مع مسلسلات عربية كثيرة، بقدر ما تشكّل تلك المشاهدة متعة متجدّدة. ويكمن سر هذه الجاذبية في التقنيات العالية المستخدمة فيه إلى جانب أداء الممثلين، خصوصاً الحربي منها. ستعيش مع كلّ حلقة ما يشبه معركة حية بكلّ تفاصيلها الميدانية والنفسية، وتأخذ هذه المعارك مستويات عدة. فبالإضافة إلى المستوى المباشر في ساحات الوغى، بين أرطغرل ورفاقه ومن يواجههم، سواء من مسيحيي فرسان الهيكل، أو المغول الذين كانوا يحتلون قرابة نصف العالم القديم. أحد هذه المستويات، إتقان المسلسل تحريك الصراع الخفي الذي يعيشه أرطغرل وقبيلته قايي مع الخونة الذين ما إن ينكشف واحدٌ منهم، ويجري التخلص منه، حتى يظهر آخر جديد يساهم في تأزيم خط سير الأحداث ذات الطبيعة الملحمية.
يعالج المسلسل فترة تتعلق بقيام الدولة العثمانية، وذلك التحول من القبيلة إلى الدولة الذي أسّسه عملياً القائد الحربي أرطغرل بن سليمان شاه، وهو والد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية. انطلق المسلسل من معطيات تاريخية، شحنت بتفاصيل تتساوق مع ممكنات التاريخ. كذلك فإنّه لم يركز فقط على شخصية أرطغرل، بل أيضاً على تفاصيل تلك المرحلة عبر تسليط الضوء على مختلف جوانبها وطبيعتها. فمثلاً، لا يمكن الحديث عن المغول من دون استحضار العنف المجّاني والبدائي الذي امتازوا به، وهو السبب الذي جعلهم لا يخلّفون وراءهم حضارة أدبية وعلمية بخلاف العرب الذين تركوا حضارة تكاد تشكل أرشيفاً يصعب حصر منجزاته وتنوعه. وفي كلّ مرة، تفاجئنا المخطوطات بجديد، فضلاً عن ذلك التراث الضخم الذي لم يحقق بعد، وتحويه جامعات كثيرة، مثل "لايدن" في هولندا.
ويُبرز المسلسل تلك القوة الاستخباراتية المسيحية من أجل الهيمنة على الشرق، ويُقصَد من ذلك الزحف نحو القدس، وهو حلمٌ ظلّ يراود فرسان الهيكل، وساهم أرطغرل في إجهاضه، في معارك طويلة عرضها المسلسل بالتفصيل.
تقع أحداث العمل في القرن الثالث عشر الميلادي، ويتضح مدى المجهود البحثي المبذول في استقصاء التفاصيل التاريخية والوقائع المعنية بتلك المرحلة. ومن أهم مكامن التشويق في المسلسل، اختيار الممثلين وكثرتهم وتجدّدهم، لتشعر مع التقدّم في المتابعة بأنّ كلّ شخصية اختيرت بانسجام لأداء دورها، خصوصاً المحاربين رفاق أرطغرل ممن يتميزون ببنيات جسمانية تؤهلهم منطقياً للقيام بأدوار دراماتيكية في تحويل سير المعارك لمصلحتهم. كذلك فإنّ التقطيع الذي اعتمده المسلسل يجعل المشاهد معلقاً في انتظار المشهد التالي، فضلاً عن الحلقة التالية. اعتمد المسلسل ما يمكن تسميته أفق الانتظار داخل الحلقة الواحدة، فما إن تصل اللقطة إلى الذروة يجري الانتقال إلى لقطة أخرى، ويجري كذلك تصعيدها درامياً إلى حدود الذروة، ثم ينتقل المشاهد إلى لقطة ثالثة، وهكذا إلى أن تتم العودة إلى متابعة مسار اللقطة الأولى التي ظلت معلقة، لكن ليس لوقت طويل، ويعتمد المسلسل أيضاً على الموسيقى التصويرية المصاحبة لكلّ لقطة.
دغدغ "أرطغرل" أحلام المسلمين في قائد يوحدهم ويدافع عن الأقصى، وهذا أحد عناصر الجاذبية للمسلسل التي رفعت مشاهداته في باكستان وحدها إلى الذروة، بعدما تمت دبلجته إلى اللغة الأوردية، فضلاً عن المشاهدات العربية التي لم تخفت وتيرتها، مع أنّ الموسم الخامس والأخير من المسلسل قد أنجز عام 2019.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي