"الحروب" العالمية الثالثة

"الحروب" العالمية الثالثة

22 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

خلفت الحرب العالمية الأولى مقتل أكثر من 16 مليون شخص و20 مليون إصابة. أما الحرب العالمية الثانية فقد كانت أكثر ضراوة، حيث يتحدّث غالبية المؤرخين عن 55 مليون ضحية في أوروبا وآسيا. لكن خبراء يتحدثّون عن 80 مليون قتيل، فضلا عن خسائر مادية تناهز الـ20 مليار دولار، حسب بعض التقديرات. وعلى الرغم من جسامة الخسائر التي سببتها الحربان وضخامتها، إلا أن ما سببته "الحروب" العالمية الثالثة التي بالكاد يتحدّث عنها المؤرخون تفوق خسائر كلا الحربين. والأنكى أن تينك الحربين انتهتا، أما "الحروب" العالمية الثالثة فهي في حالة تناسخ وتناسل وتمدّد في صعود متواصل، بلا هبوط، ولا تتوفر حتى الساعة أي إحصاءات دقيقة لحجم الخسائر التي تُحدثها، بل إن من نتائج الحرب العالمية الثانية أن فرض المنتصرون على المهزومين دفع تعويضاتٍ لا تزال تُدفع. أما "المجرمون" الذين ما زالوا يشنون "الحروب" العالمية الثالثة ويديرونها، فهم في منأى من العقاب والمساءلة، ناهيك عن إلزامهم بدفع التعويضات!

نقول إنها "حروب" وليست حربا، لأنها ببساطة سلسلة حروبٍ متناسلةٍ بشكل عنقودي لم تعرف البشرية مثيلا لها، وفق أكثر من تصنيف، فهي حروبٌ تحظى برعايةٍ دولية، وترصد لها المليارات من الدولارات، لتثخن في القتل وتتفنّن به، سواء كان مباشرا أو غير مباشر. ومن الصعب هنا أن تحيط عُجالة كهذه بحجم هذه الحروب، لأنها تدور على عشرات، إن لم يكن مئات وملايين الجبهات، ما خفي منها وما بدا، وكلها تستهدف تدمير الإنسان والتنكيل به، والتمثيل بجثته. وسنكتفي هنا بالإشارة إلى بعض هذه الحروب الأكثر ضراوة وتوحّشا، تاركين للمؤرّخين مهمة الغوص في التفاصيل، إن وجدوا أصلا.

حروب تشنها دول العالم الأول والثاني ضد دول العالم الثالث وشعوبه لنشر "قيم الديمقراطية" وحقوق الإنسان و"الإصلاح الاقتصادي!"

أول هذه الحروب "النظيفة" وأبشعها تلك التي تشنها دول العالم الأول والثاني ضد دول العالم الثالث وشعوبه لنشر "قيم الديمقراطية" وحقوق الإنسان و"الإصلاح الاقتصادي!"، فتحت هذا العناوين البرّاقة تستباح ثروات الشعوب المستهدفة وأرواحها، وتُنتهك حرماتها، وتدمّر مقدّراتها، وأداة القتلة "الناعمة" هنا البنك الدولي والشركات العابرة للقارات. ومن المستحيل هنا إحصاء ضحايا هذه الحرب من قتلى ومهمّشين وجوعى ومحرومين، فهم بالملايين. ولا تزال هذه الحرب مشرعة الأبواب تُخاض بحماية قوانين دولية ومواثيق وضعها الأقوياء والمنتصرون في الحرب العالمية الثانية. والكلام هنا كثير جدا، ويستعصي على الجمع والحصر، وشواهد تلك الحرب ماثلةٌ في أعداد الجوعى التي تنشرها تقارير من يشن تلك الحرب، حيث بلغ عدد هؤلاء 821 مليون شخص في عام 2017، أو واحد من بين كل تسعة أشخاص، وفقا لتقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم لعام 2018، ناهيك عن عدد من يعانون من سوء التغذية والأمراض المزمنة الناتجة عن حرب الإفقار ونهب خيرات الشعوب، فضلا عمّن يموتون بسبب عجزهم عن تحصيل الدواء أو شحّ الرعاية الطبية.

ثاني تلك الحروب خاصة بالنزاعات التي تفتعلها لوبيات شركات صناعة الأسلحة لتجربة نجاعة أسلحتها وفاعليتها، وهي حروبٌ يبدو أنها تنشب وفق نزاعاتٍ إثنيةٍ، إلا أنها تجد من أصحاب العلاقة تشجيعا لإذكائها ومدّها بأسباب الاستمرار، حتى يتاح لهم القيام بتجاربهم الشيطانية بالذخيرة الحية. ولا يعرف الآن حجم هذه الحروب ولا أعداد ضحاياها، ولا آثارها الاقتصادية المدمّرة. وقل مثل هذا عن حروب اللقاحات وصناعة الأوبئة و"الأدوية!" و"الجائحات!" واللقاحات، وما تمثله هذه الحروب من حجم التجارة الدولية. وأيضا، وفي السياق نفسه، حرب أو حروب المخدّرات والجنس والاتجار بالبشر التي تشرف عليها وكالاتٌ سرّية وأجهزة استخبارات، وما تسببه من تدمير وقتل للإنسان واقتصاده وصحته وكرامته.

ومن الحروب العجيبة الغريبة أيضا تلك الحرب المفتوحة التي تشنها الأنظمة القمعية ضد شعوبها، ونحن في الشرق العربي نحظى، والحمد لله، بنصيب الأسد من هذه الحروب، فبعد مرحلة الاستقلال الصوري عن الاستعمار الأجنبي المباشر التي حظينا بها، جاءت مرحلة "الاستعمار الوطني" وتنصيب أنظمة غارقة في الولاء للمستعمر الأصلي، تتبادل معه المصالح. هو يدعمها للبقاء في الحكم، وهي تتكفّل بتخريب حياة شعوبها وتجريف الوعي، وإبقاء الناس في منزلةٍ بين الحياة والموت، همّها اللحاق برغيف الخبز، إن استطاعت. وتحظى هذه الحرب بالطبع بكامل رعاية المستعمر ودعمه ومدّه بالقواعد العسكرية و"المعونات" الاقتصادية التي تنفخ جيوب عصابات السلطة والمنتفعين منها. أما الشعوب فلها المعتقلات والانقلابات والضرائب والإفقار والقوانين المكرّسة للقهر والقتل البطيء والمستعجل على حد سواء، والأمثلة بينكم وحواليكم قرّاء هذه الصحيفة العربية!

مافيا إجرامية تضع القوانين لحماية مصالحها، وديمومة سيطرتها عليه، لتعيش حياة الرفاهية

أما حرب "إسرائيل"، الكيان العدواني الاستعماري المتوحش، فربما تكون أوضح هذه الحروب وأكثرها شهرة، فهي حربٌ مفتوحةٌ منذ مائة عام ضد الشعب الفلسطيني وشعوب العرب كافة. وهي كغيرها من الحروب تحظى بدعم كامل من مجلس الأمن و"فيتواته" الشهيرة، وبحماية بلا حدود لكيان أصبح أمثولةً للفصل العنصري والإبادة الجماعية وارتكاب جرائم الحرب. وعلى الرغم من هذا، يبقى في منأى عن أي مساءلة حقيقية من رعاته الدوليين، فهم أرباب الإجرام وصناعة الموت، وكهنة التوحش والتدمير والتخريب.

هذه ملامح سريعة للحروب العالمية الثالثة، ولا يُسعفنا الوقت، ولا المساحة، لحصر بقية الحروب التي يشنها "كبار العالم" ضد الأرض ومن عليها، من استنزافٍ لمواردها وتخريب بيئتها، وتدمير حياة الكائنات الحية عليها، ما يسبّب رفع درجة حرارة الكوكب وتدمير غلافه الغازي، وإجراء التجارب الخاصة بالأسلحة النووية وغيرها من الأسلحة السرّية.

إنها الحقبة الأكثر سوادا وتوحشا في حياة الإنسان على هذا الكوكب الذي بات محكوما بمافيا إجرامية تضع القوانين لحماية مصالحها، وديمومة سيطرتها عليه، لتعيش حياة الرفاهية. ويكفي أن نعلم في الختام أن أغنى 26 شخصاً في العالم يملكون ما يعادل ثروة نصف سكان العالم، وفق تقرير لمؤسسة أوكسفام الخيرية الدولية، والذي وجد أن ثروة المليارديرات في جميع أنحاء العالم ارتفعت بقيمة 2.5 مليار دولار كل يوم في عام 2018، فيما تقول منظمة العمل الدولية إن نحو نصف سكان العالم (ثلاثة مليارات نسمة) يعيشون على ما يقدر بدولارين يوميا!