العمالة الأردنية في السعودية.. الحكومة تغط في النوم

لا يكاد يوم يمر، إلا وتستقبل عائلة أردنية، ابنا لها، عائدا من دولة خليجية، عقب فقدانه وظيفته، نتيجة الأوضاع الاقتصادية المزرية، التي تعانيها الشركات الخليجية، بالإضافة إلى الغرامات التي تفرض على الشباب المغتربين، من قبل حكومات تلك الدول.

ولعل المملكة العربية السعودية، تعد الآن، الدولة الخليجية الأكثر "تطفيشا" للعمالة الأردنية، خاصة الشباب منهم، وذلك بعد أن عمدت أخيرا، إلى فرض ضريبة شهرية، اعتبارا من مطلع الشهر الحالي على عائلات المقيمين الأجانب، وعلى الموظفين لديهم، وقيمتها 100 ريال سعودي (26.6 دولاراً) شهرياً، على أن تتزايد تلك الضريبة سنويا لتصل إلى 106.6 دولارات بحلول عام 2020.

ووفق شهادات شباب أردنيين يعملون في السعودية، تواصل "جيل" معهم، فقد قرر كثير من المغتربين الأردنيين في السعودية، العودة إلى بلدهم، جراء قيام السلطات السعودية بفرض هذه الضريبة، علما أن أعداد العمالة الأردنية في السعودية، تتجاوز 450 ألفا، وهو العدد الأكبر من القوة البشرية العاملة من الأردنيين في الخارج، والذي يقدر بمليون ونصف المليون أردني أغلبهم في الخليج العربي.

ويبدو أن الكارثة، التي ستلحق بهؤلاء الشباب وذويهم، تتجسد فعليا وبشكل جلي، حين يريد أحدهم مغادرة السعودية فعلا، كما حصل لبعضهم، والعودة إلى الأردن، فإن السلطات السعودية، وبموجب القرار آنف الذكر، تفرض عليه دفع الأشهر الكاملة عن مدة الإقامة، وإلا فإنه يمنع من السفر، بمعنى، أن كل أسرة أو أي فرد من أفرادها، سيضطر لدفع من 3- 5 آلاف ريال سعودي، كشكل من أشكال السداد، عن جميع أفراد عائلته، قبل أن ينوي أحدهم مغادرة السعودية، حتى ولو بهدف زيارة عائلته، وفق شهادات هؤلاء الأردنيين.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذا ما علمنا، بحسب ما ينقله الكاتب والصحافي هاشم الخالدي، "أن السلطات السعودية أيضا، قررت مضاعفة هذه الغرامات في كل عام، فمثلا، في عام 2017، يتم دفع مبلغ 100 ريال شهريا عن كل فرد من العائلة، فيما ستفرض السلطات في عام 2018 على رب الأسرة، دفع مبلغ 200 ريال شهريا، وعن كل شخص من عائلته 100 ريال شهريا، فيما ستتضاعف هذه النسبة عام 2019، إذ سيدفع رب الأسرة 400 ريال شهريا عن نفسه، و200 ريال عن كل فرد من أسرته".

وفق ما تقدم، فان الخيارات تبدو صعبة جدا بالنسبة للعمالة الأردنية، خصوصاً الشباب منهم في السعودية، ما بين التأقلم مع أوضاع أكثر صعوبة أو اختيار العودة، فيما يؤكد خبراء ماليون أن بعض الأسر الأردنية المغتربة في السعودية، ومع أعباء مالية قاسية وجديدة، قد تدفعهم للعودة للأردن، ما يتطلب استعداد الحكومة لاستيعابهم، خاصة الشباب منهم.

هذه الإجراءات "التطفيشية"، كما يحب عدد من الشباب العاملين في السعودية تسميتها، هي أولى المراحل، التي بدأتها السلطات هناك، بهدف "إحلال المواطنين السعوديين مكان العمالة الوافدة في وظائف القطاع الخاص"، وهو ما أطلق عليه "سعودة" القطاع الخاص، علما، أن موظفا سعوديا واحدا، يقابله 3 موظفين غير سعوديين في سوق العمل.

وعلى ما يبدو، فإنه من الواضح أن السعودية، قامت بتغييرات كبرى بما يخص الإنفاق على المشاريع وجنسية العاملين فيها، من خلال استبدال العمالة الوافدة بعمالة محلية يتم تأهيلها تدريجيا، وما حصل مؤخرا، من خفض للرواتب في السعودية، وإلغاء مشاريع بقيمة 20 مليار دولار، وخفض ميزانيات الوزارات، وإعلان وزارة العمل السعودية أنها ستُلحق مليوناً و300 ألف سعودي بسوق العمل، وأن الوزارة بدأت بتحديد وظائف، يمنع غير السعوديين من العمل بها، يظهر أن هناك أزمة حقيقية قادمة"، وفق الخبير المالي والاقتصادي مفلح عقل.

ويوضح عقل، في حديثه لـ"جيل"، أن كل ما سبق، سيؤدي إلى عودة جزء كبير من الأردنيين العاملين في السعودية لوطنهم، والسؤال هنا هو، "هل لدينا أي خطة لمواجهة الأثر الناتج عن عودتهم، وما هو دور سفارتنا في السعودية لمواجهة هذه الإجراءات القاسية؟".

لم تقم السفارة الأردنية بأي تحرك أو فعل حتى، يرد هذا الظلم الكبير على الأردنيين في السعودية، على الرغم، من تقديم الكثيرين منهم، طلبا للمساعدة، وفق ما يؤكده لـ"جيل"، الشاب مصطفى أحمد، والذي يعمل مستشارا قانونيا لإحدى الشركات السعودية.

ويبدي المتحدث استغرابه، من صمت السفارة الأردنية على هذه الإجراءات، في وقت، يشاهد فيه، وبشكل يومي، العمل الكبير التي تؤديه سفارات دول، مثل الفيليبين والهند ونيبال، لحماية رعاياها والدفاع عنهم أمام السلطات السعودية، لدرجة، أن "الكفيل السعودي يحسب ألف حساب، في حال قيام أي فيليبيني أو هندي بالتوجه إلى سفارة بلده في الرياض، بينما لا يكترث الكفيل بالمواطن الأردني، ولا بحسب حساب السفارة الأردنية"، وفق تعبيره.

"حكومتنا في موت سريري"، يصف لـ"جيل"، الطبيب الأردني الثلاثيني، عبد الله العبادي، والذي يعمل منذ قرابة 6 سنوات في السعودية، وقرر العودة نتيجة هذه القرارات التعسفية، ردة الفعل الحكومية الأردنية في مواجهة هذه الإجراءات، مشددا، أن "كل دول العالم تحترم شعوبها إلا في الأردن.. لا قيمه للأردني، حيث يتعرض للظلم خارج الوطن، فلا سفارة تستمع له، وتحاول أن ترد عنه الغبن"، بحسب تعبيره.

وفي ذات السياق، يحاول العشريني (م،ج)، مدرس الرياضيات في السعودية، وهو يبرر ساخرا في حديثه لـ"جيل"، الغياب الواضح للدبلوماسية الأردنية، بالقول، إن "وزارة الخارجية الأردنية، ممثلة بسفارتها في الرياض، شبه عاجزة عن حل الكثير من الإشكاليات البسيطة للمغتربين في السعودية قبل هذا الواقع المعقد، فما بالك وهي تواجه هذا الكم من الكوارث، التي توشك أن تأتي على كل العمالة الأردنية في السعودية".

تداعيات هذه الأزمة، تكاد تكون "قنبلة موقوتة"، ارتداداتها السلبية خطرة وكارثية، في حال، لم تنتبه لها الحكومة الأردنية، وهي لم تفعل حتى اللحظة، خاصة أن هؤلاء الأردنيين في غالبيتهم، ليسوا مستثمرين ولا أصحاب رؤوس أموال، لينشؤوا مصانع أو شركات، بل هم، عبارة عن أطباء ومهندسين ومقاولين ومدرسين، وموظفين يمتلكون خبرة في مجالات التكنولوجيا والبرمجة، وإدارة المستشفيات، وفق الخبير الاقتصادي خالد الزبيدي.

وهؤلاء، يبين الزبيدي في حديثه لـ"جيل"، "سيبدؤون البحث عن عمل في الأردن، فتخيل، كيف سيغدو الوضع، مع ملاحظة أن العمالة الأردنية في بلادها، لا تجد عملا أصلا، وان وجدت، فإن الراتب لا يكفي لسد حاجيات العائلة الأردنية البسيطة؟".

"يكفي فقط، أن عودة 10% فقط من المغتربين، سيكون بمثابة الكارثة على الاقتصاد الوطني، ما سيؤدي لارتفاع نسب البطالة المرتفعة جدا، وبالتالي، سيحرم الأردن من العملات الصعبة لهؤلاء، والتحويلات المالية"، بحسب الخبير الاقتصادي والحقوقي فوزي السمهوري، الذي طالب الحكومة في حديثه لـ"جيل"، بإيجاد حلول منذ الآن، لاستقبال هؤلاء الشباب الأردنيين، وهم معتادون على مستوى مرتفع من الحياة والتعليم والرعاية الصحية.

فـ"عودتهم دون خطة مسبقة لذلك، ستشكل أزمة اقتصادية واجتماعية معقدة، لا يمكن حلها لحظيا، مع العلم، أن الحكومة لم تحقق نموا اقتصاديا ملحا، مع مرور ستة أشهر من العام الجاري، لتكون قادرة على خلق فرص عمل كافية للقادمين الجدد لسوق العمل، من الجامعات والمدارس في داخل الأردن، فكيف يمكن أن نستوعب فوق ذلك، القادمين من الخليج، وتحديدا السعودية، بمتطلبات أكبر دون تخطيط كاف لتوفير الحلول الممكنة؟"، يتساءل السمهوري.

مختارات