ضحايا عجز العناية المركزة [4/2]... وفاة في انتظار الدور بتونس

تونس
بسمة بركات
22 فبراير 2021
+ الخط -

يوثق الدكتور حبيب غديرة، عضو اللجنة العلمية لمجابهة فيروس كورونا التابعة لوزارة الصحة التونسية، وجود نقص كبير في الكوادر الطبية وشبه الطبية في المستشفيات العامة بعد إيقاف حكومي للتوظيف في القطاع العام قبل 3 أعوام، الأمر الذي أدى إلى مواجهة جائحة كورونا (كوفيد 19) بإمكانيات محدودة، إذ هاجر 500 أخصائي إنعاش (عناية مركزة) إلى الخارج، وخاصة إلى ألمانيا وفرنسا.

"لم يتبق في المشافي الحكومية سوى 140 أخصائياً و250 في المشافي الخاصة"، كما يقول غديرة، مشيراً إلى وجود نقص في أسرة العناية المركزة بسبب الطلب المتزايد عليها مقابل محدوديتها، الأمر الذي جعله يخشى من إشغال جميع أسرة العناية المركزة البالغ عددها 307، بعد أن تجاوزت نسبة إشغالها 80% حتى 27 يناير/كانون الثاني 2021، بسبب تزايد أعداد المصابين في تلك الفترة، مضيفاً أن الأسرة العادية المزودة بالأوكسجين يبلغ عددها 1920 سريراً فقط، ما سيزيد من الصعوبات في العثور على أماكن شاغرة،  بحسب إفادته لـ"العربي الجديد".

سرير عناية مركزة واحد

تعاني غالبية المحافظات التونسية من نقص في أسرة العناية المركزة المخصصة لمصابي كورونا بالمستشفيات الحكومية، مثل محافظة سيدي بوزيد وسط غرب تونس التي يوجد بها سرير عناية مركزة واحد، وفي باجة سريران، وفي سليانة، وتطاوين جنوباً، وجندوبة شمال غرب البلاد 4 أسرة، والكاف وتوزر فيها 5 أسرة، وفق مهاب القروي، عضو الهيئة التسييرية لمنظمة أنا يقظ (مؤسسة مستقلة تهدف إلى مكافحة الفساد المالي والإداري وتدعيم الشفافية في البلاد)، والمشرف على الدراسة التي نفذتها المنظمة حول أسرة العناية المركزة بالمستشفيات الحكومية في 17 يناير الماضي، مشيراً إلى أن محافظات تونس الكبرى وسوسة والمنستير والمهدية وصفاقس تضم 60% من إجمالي أسرة العناية المركزة.

ويتعين على مصابي كورونا الانتظار حتى لو كانت حالتهم تستوجب الدخول إلى العناية المركزة والرقابة الدقيقة، حسب تأكيد الدكتورة سميرة مرعي، وزيرة الصحة السابقة والطبيبة في قسم الأمراض الصدرية والتنفسية بمستشفى الرابطة الحكومي بالعاصمة تونس، مؤكدة لـ"العربي الجديد" :"وفاة مصابين بينما ينتظرون دورهم في الحصول على سرير، بسبب عدم وجود أماكن شاغرة وهناك من وصلوا للعناية المركزة متأخرين وتوفوا، وتبدي أسفها وخشيتها من الأمر قائلة :"هذا ما يخيفنا كأطباء".

ووصلت نسبة الوفيات بين المصابين ممن دخلوا غرف العناية المركزة بمستشفيات تونس الحكومية 90% خلال ديسمبر/كانون الأول الماضي، حسب تأكيد الدكتورة مرعي، قائلة: "عندما تصل كورونا للرئتين تتلف 80% منها، ما يصعب تمرير الأوكسجين بالتنفس الصناعي".

وسجلت وزارة الصحة التونسية 7755 وفاة بكورونا حتى 19 فبراير/شباط 2021، وفق بيانها المنشور على صفحتها في "فيسبوك"، والذي أشار إلى وجود 1266 مصاباً في المستشفيات الحكومية والمصحات الخاصة، منهم 285 مصاباً يخضعون للرعاية في العناية المركزة،  و111 من بينهم تحت التنفس الصناعي.

ماذا يحدث داخل غرف العناية المركزة؟

تعترف الدكتورة مرعي بظهور أخطاء في التعامل مع مصابي كورونا المحالين إلى العناية المركزة، إذ كان يتم تركيب جهاز التنفس الصناعي وتمرير أنبوب التنفس داخل القصبة الهوائية بشكل مباشر، "وهو إجراء خاطئ"، كما تصفه، إذ يفترض التدرج في علاج المريض ومنحه الأدوية ومراقبة حالته ونسبة الأوكسجين في دمه، وإعطائه مضادات حيوية تدعم مناعة الجسم وتمنع تكاثر الجراثيم ومضادات لمعالجة الالتهابات لأن كورونا يمس مناعة الجسم ويحدث التهابات في الجهاز التنفسي والرئتين، وفق توضيحها، وفي حال وجود تصلب في الشرايين يتم وصف أدوية تمنع تخثر الدم، حسب درجة الخطورة، وحالة المريض. مؤكدة أن العلاج في العناية المركزة يختلف من مصاب لآخر وفق عوامل الخطورة والسن ونتائج فحوصات المريض التي تكشف عن وضعه الصحي بدقة.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بالإدارة الفورية للعلاج بالأوكسجين وفق حاجة المريض، سواء في وحدات الطوارئ أو في العناية المركزة، عندما تنخفض نسبة تشبع الدم بالأوكسجين عن 90% لدى البالغين، و92% لدى الحوامل، مع مراقبة منتظمة للعلامات الحيوية بما في ذلك النبض، وقياس التأكسج، باستخدام واحد من أنظمة الأكسجين مثل Oxygen Nasal Cannula القنية الأنفية المكونة من أنبوب يؤمن تدفق الأوكسجين من جهاز عبر شوكتين تثبتان في الأنف، أو القناع الفنتوري وهو والذي يثبت على الوجه لتمرير الأوكسجين عبر أنبوب، ويشير لون القناع إلى مستوى تركيز الأوكسجين، بالإضافة إلى قناع مع حقيبة الخزان يستخدم لتوصيل الأوكسجين للمرضى الذين يعانون من نقص الأكسجة الحاد، عندما لا تتمكن الأقنعة العادية من تلبية الطلب.

أما في حالة المرضى ممن يعانون من متلازمة ضيق التنفس الحادة، بسبب نقص التأكسج عندما يصل الضغط الجزئي للأوكسجين في الدم الشرياني/تركيز الأوكسجين المستنشق إلى 150، وعدم استقرار الدورة الدموية أو فشل العديد من الأعضاء، فيجب ألا يوضعوا على جهاز التنفس الصناعي مباشرة، إذ ينبغي تأخير التنبيب بعد محاولة تزويد المريض بالأكسجين عبر أحد الأنظمة الأخرى، وفي حال لم يتحسن خلال ساعة واحدة يصبح حينها التنبيب (إدخال الأنبوب الرغامي إلى القصبة الهوائية اليمنى) إلزامياً ويجب أن يقوم به أطباء من ذوي الخبرة قادرين على الحفاظ على القصبة الهوائية. بحسب دليل الإرشادات المبدئية للتدبير العلاجي السريري لمرض كوفيد-19، الصادر عن منظمة الصحة العالمية في 27 مايو/أيار 2020.

وتشير منظمة الصحة العالمية في الدليل ذاته إلى أن اللجوء إلى تزويد المصاب بتركيز مرتفع من الأوكسجين و زيادة الضغط الزفيري النهائي الإيجابي (Positive end-expiratory pressure – PEEP) عبر جهاز التنفس الصناعي لم يكن مرتبطاً بفرص نجاة كبيرة مقارنة باستراتيجية التهدئة الخفيفة للمحافظة على تشبع أوكسجيني في الدم عن طريق إعطاء الأوكسجين بواسطة قناع، وفق ما أثبتته التجارب مع مرضى كوفيد 19، وذلك بسبب احتمالية حدوث خلل في تزامن جهاز التنفس الصناعي رغم التخدير، بحيث لا يمكن تحقيق التزويد المطلوب بشكل دقيق، ما يترتب عليه نقص أكسجة الدم، أو فرط ثنائي أكسيد الكربون في الدم. وتحذر الإرشادات من الإفرازات المفرطة لدى بعض المرضى.

نقصٌ عدديّ وتدنٍّ في الكفاءة

يعزو الدكتور رفيق بوجدارية، رئيس قسم الطب الاستعجالي بمستشفى عبد الرحمن مامي للأمراض الصدرية الحكومي بأريانة شمال غربي تونس، أسباب ارتفاع وفيات أقسام العناية المركزة بتونس إلى تأخر المصابين بالدخول وتلقي الرعاية، نتيجة شح في أسرة العناية المركزة، صاحبه نقص في أطباء الإنعاش والممرضين المدربين على تركيب أجهزة التنفس الصناعي، حسب قوله، مردفاً: "لا فائدة لأجهزة التنفس الصناعي طالما لا يوجد ممرضون مدربون يمتلكون مهارة في تركيب تلك الأجهزة، وهي تقنيات لا يستطيع تركيبها الممرض العادي".

وتابع أن سرير العناية المركزة لا يعني جهازاً فقط، بل هو سرير وأجهزة للتنفس وأجهزة لمتابعة ضغط الدم والقلب وقياس الأوكسجين لكن لا فائدة من هذه الأجهزة طالما لا يوجد أطباء إنعاش، وهو ما ينقص تونس حالياً".

ويتزامن النقص في أطباء الإنعاش، مع عدم وجود تدريب كاف لبعض الأطباء في أقسام العناية المركزة، كما تقول الدكتورة مرعي، مضيفة أن بعض الأطباء يحصلون على معلوماتهم عن طريق الإنترنت وبالتالي لا توجد لدى كل الأطباء نفس الدرجة من المعرفة والمهارة، وتضيف: "أدعو وزارة الصحة إلى الاهتمام بتدريب الأطباء على كيفية التعامل مع مصابي كورونا في العناية المركزة والاهتمام بهم".

العلاج في المنزل

يؤثر تردي الوضع الصحي في المستشفيات الحكومية على حياة المصابين ممن لا يجدون أسرة عناية مركزة، إذ تتدهور حالاتهم ويموتون في منازلهم، والعديد منهم لا يمكنهم التوجه للمصحات الخاصة لارتفاع كلفة العلاج حيث تشترط تلك المصحات ضماناً مالياً على المريض يصل حتى 25 ألف دينار تونسي (9182 دولاراً أميركياً)، بحسب مهاب القروي، عضو الهيئة التسيرية لمنظمة أنا يقظ، والذي أضاف قائلاً لـ"العربي الجديد": "المصاب بكورونا في المناطق الداخلية بولاية سيدي بوزيد الواقعة بالوسط الغربي لتونس والتي تفتقر لأسرة العناية المركزة، عليه التوجه إلى أحد مشافي مدينة صفاقس وسط تونس".

"ومن لم يتمكن من التنقل بحثاً عن العلاج يموت في منزله" يقول القروي.

ومنذ فبراير 2020 حتى 11 يناير 2021، توفي داخل المنازل 640 مصاباً، بحسب ما كشف عنه وزير الصحة التونسي الدكتور فوزي مهدي في مؤتمر صحافي عقد بقصر الحكومة بالقصبة في 12 من يناير 2021. مرجعاً حينئذ، سبب ارتفاع حالات الوفيات بكورونا خاصة في المنازل إلى رفض العديد من المرضى الإقامة في المستشفيات للعلاج، موضحاً أن التأخر في الإشراف على المصابين بفيروس كورونا ورفضهم الذهاب للمستشفيات يتسبب في عدم التمكن من التدخل بشكل سريع وفعال لإنقاذهم.

تأكيد مهدي على رفض بعض المصابين البقاء في المستشفيات، يتناقض مع ما وثقته معدة التحقيق مع الأربعينية التونسية إيمان الواعر التي طُلب منها مغادرة العناية المركزة بأحد المستشفيات بعد شهر ونصف من العلاج منذ دخولها في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، لإتمام علاجها في المنزل، رغم أن نسبة تشبع الدم بالأوكسجين لديها كانت حينها 90%، وكانت بحاجة إلى الأوكسجين ما اضطرها إلى استئجار جهاز أوكسجين من مزود خاص في مدينة سوسة جنوب العاصمة تونس بـ 250 ديناراً في الشهر الواحد، أي ما يعادل 92 دولاراً، موضحة أنها استخدمت الجهاز لمدة 21 يوماً، ورغم تلك التكاليف الكبيرة إلا أنه كان أمراً لا مفر منه لإنقاذ حياتها.

ذات صلة

الصورة
ف1

تحقيقات

لم يخفِ المهندس فايز سويطي قلقه من الوضع الصحي في غرف الاعتقال، قائلاً: "المعتقلون فوق بعضهم البعض. وكنا 10 أشخاص في غرفة لا تتسع إلا لـ 4 أشخاص"، وأضاف: "أدخلوا إلى غرفة الاعتقال موقوفاً جديداً أخبرنا أنه يشعر بأعراض كورونا".
الصورة
دينا دبوق- العربي الجديد

مجتمع

دينا دبوق، طالبة جامعية، من مدينة صور، جنوبي لبنان، أصيبت بفيروس كورونا الجديد قبل فترة، ثم تمكنت من الشفاء منه. مع ذلك، تؤكد أنّها تجربة قاسية جداً، في مختلف تفاصيلها، علماً أنّ آلامها استمرت رغم الشفاء
الصورة
عربة البوعزيزي

سياسة

يحكي مسار الوصول إلى منطقة لسودة بمحافظة سيدي بوزيد، حيث نشأ رمز الثورة التونسية، محمد البوعزيزي، الكثير عن الإهمال والحرمان اللذين عاشهما هذا الشاب قبل أن يحرق نفسه. ورغم مرور 10 سنوات على الحادثة، إلا أنّ لا شيء تغيّر.
الصورة
غزة1

تحقيقات

تضاعفت أعداد الإصابات بفيروس كورونا المستجد في قطاع غزة، بسبب الأفراح والمآتم السرية التي تقام في منازل المواطنين في مخالفة لتعليمات الشرطة والإجراءات الاحترازية، ما خلق بؤراً متعددة تضغط على المنظومة الصحية المنهكة، ونقل العدوى إلى مناطق كانت خالية.