صناعة الدواء المغربي... عراقيل تحرم المرضى من العلاج المحلي

صناعة الدواء المغربي... عراقيل تحرم المرضى من العلاج المحلي

29 اغسطس 2021
تجاهل توصيات برلمانية بتشجيع الدواء الجنيس (العربي الجديد)
+ الخط -

تواجه صناعة الدواء المغربية عراقيل تحرم المرضى من أنواع مشابهة للأصلية المستوردة أقل منها ثمنا لكونها منتجة محليا وتشبهها في الفعالية، وهو ما يعرف بالعلاج "الجنيس"، رغم توصيات برلمانية متكررة بدعم توفيرها.

- ينتظر مولاي أحمد الدريدي، المنسق الوطني لفروع جمعية محاربة السيدا والمسؤول عن الترافع وحقوق الإنسان، (ALCS منظمة غير حكومية)، منذ 3 سنوات، أن تثمر الضغوط التي يمارسها المجتمع المدني، على وزارة الصحة المغربية، من أجل تحديد آجال جديدة لإبرام صفقة لاقتناء دواء جنيس (يسمى كذلك المكافئ أو المشاع أو المحلي) خاص بعلاج التهاب الكبد الفيروسي من نوع "سي"، حتى يتمكن المرضى خاصة الفقراء من إنقاذ حياتهم. لكن يبدو، أن معاناتهم ستطول في ظل التزام الوزارة الصمت إلى حد الساعة، كما يقول لـ"العربي الجديد". 

والدواء الجنيس يشبه نوعا آخر من العلامات التجارية، ويملك نفس آلية العمل والاستعمال والجرعة والتأثير، كما يجب أن يكون لديه نفس المعايير الخاصة بالجودة والسلامة، وغالبا ما يتم تسويقه باسمه الكيميائي أو بتركيبته بدلاً من الاسم التجاري المعلن، وهو ما يؤكد أهمية البديل المحلي بحسب الدريدي، خاصة أن الصفقة حبيسة رفوف وزارة الصحة المغربية، منذ عام 2019، رغم ارتفاع أصوات تطالب باقتناء الدواء الجنيس المصنّع محليا بدلا من استيراده من الخارج وكان آخرها وأبرزها ما صدر عن المهمة الاستطلاعية، التي شكلها مجلس النواب المغربي، والتي دعت الوزارة إلى التعجيل بالصفقة "حتى يتسنى إنقاذ المرضى ممن يعانون الفقر والهشاشة، في ظل تمكن المختبرات الوطنية المغربية من إنتاجه"، وفق ما جاء في التقرير النهائي للمهمة الصادر في 6 يوليو/تموز الماضي.

ويطرح استمرار إلغاء الصفقة أكثر من علامة استفهام حول أسباب الإلغاء وإن كان الأمر يرتبط بطبيعة الدواء وكذا عن المستفيد من ذلك، وفق ما يقوله علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للحق في الصحة (غير حكومية)، في إفادة لـ"العربي الجديد".

ويلفت إلى أنه بالرغم من التوصيات الصادرة عن المهمة الاستطلاعية المؤقتة التي كان البرلمان قد أحدثها سنة 2015، والتي كان من بينها تشجيع الأدوية الجنيسة، وتسهيل حصولها على الترخيص، سيما تلك المصنعة على المستوى المحلي، إلا أن هذا الإشكال، ما يزال إلى حد الساعة أحد أبرز المعضلات التي تواجه الوزراء المتعاقبين على قطاع الصحة في المغرب. 

حصة الأدوية البديلة من السوق 

تبقى حصة السوق المغربية من الأدوية الجنيسة متواضعة جدا، على الرغم من المجهودات المبذولة من طرف الصناع الوطنيين لتوفيرها، إذ لا تتعدى 35٪ مقارنة بالدول المتقدمة التي تتجاوز في البعض منها هذه الحصة 70٪ (ألمانيا والولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية)، بحسب تقرير المهمة الاستطلاعية حول "عمل مديرية الأدوية ووضعها المالي والإداري وعلاقتها بشركات صناعة الأدوية".

وبالرغم من تواضع حصتها في السوق، تسجل الأدوية الجنيسة نموا متواصلا وصل في عام 2019 إلى 9 في المائة، مقابل نمو الأدوية الأصلية بـ7 في المائة، وفق تقرير لمجلس المنافسة، (مؤسسة مكافحة الاحتكار)، صادر في يونيو/حزيران 2020. ويلفت عضو في المهمة الاستطلاعية، تحفظ على ذكر اسمه لكونه غير مخول بالتصريحات الإعلامية، إلى وجود اختلالات تمس هذا النوع من الأدوية، والتي من شأن توفيرها ضمان حماية الأمن الصحي للمغاربة.

مخاوف الفعالية 

تكشف نتائج استطلاع رأي غير قياسي أجراه معد التحقيق بمشاركة 48 مغربيا، تتراوح أعمارهم بين 20 و70 عاما، أن 75 في المائة من المستجوبين لديهم معرفة بماهية الأدوية الجنيسة وما يميزها عن الأصلية، فيما قال 72.9 في المائة منهم إنهم استعملوا تلك الأدوية في علاجهم. وبخصوص الثقة في فعاليتها، يرى 54 في المائة من المشاركين، بناء على تجربتهم الشخصية، أنها "محدودة الفعالية"، في حين اعتبرها 43.2 "جيدة الفعالية". 

وتقول ليلى حميدي، إحدى المشاركات في الاستطلاع، إنها لا تثق بشكل كامل في الدواء الجنيس رغم أنه مناسب للقدرة الشرائية للطبقة المتوسطة لانخفاض ثمنه. ويوافقها في ذلك، أحمد الموساوي، موظف قطاع عام، قائلا: "أفضل أن أشتري دواء بسعر مرتفع له نتائج مضمونة عوض أن أتناول دواء أرخص لا أثق في نجاعته". 

وبينما يسود اعتقاد لدى العديد من المرضى أنّ الدواء الجنيس أقل فعالية من الأصلي، يقول البروفسور خالد فتحي، الأستاذ بكلية الطب في الرباط والخبير في القضايا الصحية لـ "العربي الجديد"، إن الدواء الجنيس المصنع في المغرب له نفس المفعول الخاص بالمستورد من الخارج، معتبرا أن الحديث عن ضعف جودته يجانب الصواب. وهو ما يتفق معه الصيدلي عزيز غالي، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (أكبر تنظيم حقوقي مستقل)، قائلا لـ"العربي الجديد"، :"التشكيك في فعالية الدواء الجنيس مرده ضعف تحركات السلطات الصحية فيما يخص التعريف به في صفوف المواطنين وفهم دوره وإظهار ميزاته".

 ترفض المختبرات إنتاج أدوية جنيسة لأنواع أصلية باهظة الثمن

ويؤيد رأي الصيدلي غالي، رئيس الفيدرالية المغربية لصناعة الأدوية والابتكار الصيدلي، علي السدراتي، مؤكدا أن فعالية الأدوية الجنيسة يتم فحصها من قبل المختبر الوطني لمراقبة الأدوية المعترف به من قبل منظمة الصحة العالمية، كما أنه خاضع لمعايير الاتحاد الأوروبي في مجال صناعة الأدوية والمراقبة.

ويعتبر تشجيع الدواء الجنيس منذ بداية الألفية الثالثة، من أهم المرتكزات التي راهنت عليها السلطات الصحية المغربية لتشجيع الصناعة الدوائية وتحقيق الأمن الدوائي، وكذا تسهيل ولوج المواطن إلى الدواء باعتباره حقا إنسانيا. وتشمل قائمة أبرز الأدوية الجنيسة الأكثر مبيعا في المغرب المضاد الحيوي Amoxicilline والدواء الخاص بأمراض الحمى والزكام Paracétamol، والدواء الخاص بالمعدة Oméprazole، وفق غالي. 

لكن المشكلة الأكبر، بحسب السدراتي، هي توجه المختبرات لصناعة الأدوية الجنيسة التي تباع بكثرة في السوق، ورفض إنتاج أدوية جنيسة لأدوية أصلية باهظة الثمن لأنها لا تحظى بالإقبال الشديد. "مع كامل، الأسف، لا نرى تدخل الدولة لدفع المختبرات لصناعة تلك الأدوية التي غالبا ما تخص الأمراض المزمنة التي تثقل تكاليف علاجها كاهل المرضى". 

لوبيات المختبرات 

يرى غالي أن "الإرادة السياسية القوية لتشجيع الأدوية الجنيسة غائبة بالنظر إلى قوة لوبي المختبرات الدولية، إذ نجد الدولة، مع الأسف، غير قادرة على تجاوز ضغوط أصحاب المصلحة، والذين يدفعون بعض الأطباء إلى توجيه المرضى نحو الأدوية الأصلية بدل الجنيسة بدعوى أنها غير فعالة في العلاج، ما يمكنهم من الحفاظ على الأرباح التي يجنونها من بيع الأدوية الأصلية". 

ويتفق معه الدريدي، مؤكدا أن "الإشكال في المغرب لا يتعلق بعدم فعالية الدواء الجنيس ولا ضعف الإقبال عليه، وإنما بعدم توفر ما يكفي منه جراء لجوء المختبرات الكبرى إلى أساليب ملتوية وإطلاق ادعاءات مغرضة بخصوص فعاليته وإقناع بعض الأطباء بعدم وصفه للمرضى، والتحصن بالملكية الفكرية للحيلولة دون الحصول على إمكانية صناعة الأدوية الجنيسة. وأخال أنه إذ وفرت للمغاربة أدوية ذات فعالية بثمن رخيص، فإنهم سيقبلون عليها بكثرة".

ووفق لطفي، فإنه رغم وجود بعض الضوابط القانونية، إلا أن المختبرات تمتلك قوة تجعلها تفعل ما تشاء، ونحن أمام صناعة تتحكم فيها جهات قوية لا يمكن مواجهتها إلا بمراجعة القوانين ورفع حالة الاحتكار وتشجيع الاستثمار لدخول فاعلين جدد يحترمون دفتر التحملات والقانون. 

ما سبق، يؤكده التقرير النهائي للمهمة الاستطلاعية والذي أشار إلى وجود اتهامات بتواطؤ لوبيات الأدوية من أجل عدم الترخيص للأدوية الجنيسة لطرحها في السوق الوطنية، أو المماطلة في تسليم رخصها، عبر إجراءات واهية لعرقلتها من بينها خنق الدواء الجنيس محلي الصنع، مقابل منح تراخيص لأدوية جنيسة مستوردة دون معرفة مصدرها.

تجاهل توصيات برلمانية بتشجيع الدواء الجنيس

لكن مصدرا من مختبر "مايلن"، والذي يشكل تطوير الأدوية الجنيسة الخاصة به 59 في المائة من نشاطه والموجهة إلى السوق المحلية والتصدير إلى الدول الأفريقية، يرى أنه "من الصعب جدا أن نجد أدلة ملموسة تؤكد اتهام شركات الأدوية والمختبرات بالتواطؤ. وإذا كان الأمر كذلك، فمن الأكيد أنها ستكون حالات معزولة"، ويضيف المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته لحاجته إلى تصريح من إدارته بالحديث، "ما لا يفهمه البعض أن مسطرة الحصول على تراخيص الأدوية دقيقة جدا ولا يمكن التلاعب بها، والسلطات الصحية تراقب كل شيء، من نوعية الدواء إلى استعمالاته، بل وحتى طريق التغليف. باختصار، تصنيع الأدوية وتسويقها في المغرب خاضع لضوابط قانونية معروفة".

وتحتـل سـوق الأدويـة في المغرب حجمـاً صغيـرا وتمثـل نحو 2.36 مليـون شـخص، وتعاني مـن ضعـف القدرة الشرائية ومحدودية التمويل العمومي المخصـص لها، وتبلغ حصة سوق الأدوية في المغرب 16 مليار درهم (1.78 مليار دولار)، وينقسم الطلب علـى هـذه المـادة إلـى فئـة تشـمل الحاجيات المعبـر عنها مـن قبل القطاع الخاص، المتمثـل أساساً في الصيدليات والمصحات الخاصة، وتصل إلى 80 في المائة، وفئـة تضم الحاجيات المعبـر عنهـا مـن قبـل مؤسسات رعاية الصحـة العامـة، متمثلة في المستشـفيات التابعة لوزارة الصحـة والمراكـز الاستشـفائية الجامعية والمستشـفيات العسكرية وتبلغ 20 في المائة، وفق تقرير مجلس المنافسة الصادر في يونيو 2020.

وتكشف معطيات التقرير أن معـدل الاسـتهلاك الفـردي للأدويـة في المغرب لـم يتجـاوز 431 درهمـاً سـنوياً برسـم 2017 وبلغ معدل استهلاك الأدوية، من حيث الحجم، حوالي 354 مليون علبة برسم 2019. في حين يقـوم القطـاع بتصديـر حوالـي 11 % من الإنتـاج الوطني فـي اتجاه أوروبا وأميركا وآسيا وأفريقيا، بحسب تقرير مجلس المنافسة، الذي كشف أن سوق الأدوية بالمملكة يتحكم فيها 15 مختبرا تستحوذ على نسبة 70 في المائة من حصص السوق.

وبالرغم من أن عدد الوحدات الصناعية يبلغ 53 وحدة، إلا أن قطاع التصنيع الدوائي لا يزال يعاني من العديد من الإشكالات والصعوبات والمعيقات جعلته يتراجع من حيث التصنيع المحلي للأدوية وتزويد السوق الوطنية وكذا من حيث تصديرها، وفق تقرير المهمة الاستطلاعية، الذي يلفت إلى أنه في الوقت الذي كان من المفروض فيه أن تغطي 80 في المائة من الحاجيات الوطنية، إلا أنها انخفضت إلى 51 في المائة حسب معطيات مكتب الصرف (مؤسسة تابعة لوزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة).

ويرد مصدر يعمل في مديرية الأدوية والصيدلة، بأن القطاع العمومي ممثلا في المستشفيات والمراكز الاستشفائية التابعة لوزارة الصحة المغربية يعتمد على الأدوية الجنيسة بنسبة 85 في المائة، نافيا وجود أي فرق في معالجة الملفات بين الدواء الجنيس والدواء المستورد، سواء على مستوى التقييم التقني والعلمي، أو مراقبة الجودة. كما يضيف أن وزارة الصحة، تعمل على الترويج لتلك الأدوية من خلال تخصيص مسطرة معجلة للحصول على رخص التسويق لأي دواء من الأدوية الجنيسة التي تكتسي منفعة بالنسبة للصحة العمومية، مشدداً على أنه "لا يمكن إرسال الدواء الجنيس المستورد إلى المغرب، حين يكون هناك دواء جنيس مصنع محليا حاصل على رخصة للتسويق".

70 % من الأدوية المباعة في المغرب يقل ثمنها عن 100 درهم

كيف يمكن دعم البديل المحلي؟

تكشف جولة ميدانية لـ "العربي الجديد" في خمس صيدليات بالرباط، عن وجود جدل واسع بين الصيادلة ونقابة الأطباء حول دعم الأدوية الجنيسة وتمكين المواطنين منها، وفق الصيدلي محمد اكديرة، الذي يرى أنه في ظل غياب آليات قانونية لحق الاستبدال يعجز الكثير من المرضى عن اقتناء الأدوية الأصلية المتعلقة بأمراض مزمنة كالقلب والشرايين والسرطان والتهاب الكبد والسكري، بالنظر إلى ارتفاع أسعارها، في حين توجد أدوية بديلة لها بسعر أقل.

وفي الوقت الذي ما زال فيه مطلب صيادلة المغرب بحق الاستبدال بعيدا عن التحقق، ترى النقابة الوطنية لأطباء القطاع الحر، أن منح "حق الاستبدال للصيادلة لن يخدم لا المواطنين ولا البلد"، لأن "الطبيب المعالج هو المؤهل علميا وقانونيا لاستبدال الدواء الموصوف من طرفه، بالنظر إلى تشخيصه للمرض من جهة، ولإلمامه بالسوابق الماضية من جهة أخرى".

وتؤكد النقابة، في توضيحات لـ"العربي الجديد" على لسان رئيسها بدرالدين داسولي، أن السماح للصيادلة باستبدال تلقائي للأدوية الموصوفة من طرف الطبيب المعالج سيزيد الوضع، تأزما طالما أنه سيعرض المرضى إلى أعراض جانبية  ومضاعفات غير مؤهلين لعلاجها".

وتدفع النقابة بنتائج دراسة تحت عنوان "حق الاستبدال تخوفات وواقع" أجراها، في مارس/آذار 2010، الدكتور في الصيدلة، عضو في مكتب جمعية تطوير دور الصيدلاني عبد الرحيم الدراجي، وتوصلت إلى أن 80 في المائة من الأدوية التي تباع بالصيدليات تسلم دون وصفة طبية، وأن 72 من الأدوية المباعة بدون وصفة أدوية أصلية، في حين أن 22 في المائة منها فقط جنيسة، ما يعني أن أغلب الأطباء لا يصفون إلا 20 في المائة من الأدوية المباعة.

وحسب توصيات المهمة الاستطلاعية، فقد "أصبح من الضروري تشجيع البحث العلمي والابتكار فيما يتعلق بأداء الجنيس، بما يضمن تصنيع الأدوية الباهظة الثمن والمستوردة من الخارج، كما هو الشأن بالنسبة لدواء الفيروس الكبدي "سي".

وثمة طريقتين لدعم الدواء الجنيس، وفق توضيح لعزيز غالي، قائلا :"إما منح الصيدلي حق استبدال دواء أصلي بآخر جنيس، أو أن تتضمن وصفة الطبيب اسم المادة الفعالة وليس المنتوج التجاري". ويتابع: "في ظل إحصائيات تشير إلى أن ما يزيد عن 70 في المائة من الأدوية التي تباع في السوق المغربية يقل ثمنها عن 100 درهم (نحو 10 دولارات)، تبرز أهمية تشجيع الدواء الجنيس لأنه يتلاءم مع القدرة الشرائية للمغاربة".