تعويضات كورونا... شركات تتلاعب بدعم العمال في المغرب

20 ديسمبر 2020
الصورة
العمال غير المسجلين في الضمان الاجتماعي لا يحصلون على الدعم (Getty)
+ الخط -

خروقات واسعة ارتكبتها شركات مقاولات مغربية، لم تعمل على تسريح عمالها بسبب جائحة كورونا، ورغم ذلك، استفادت من أموال حكومية مخصصة للمتضررين، ما يكشف عن ظاهرة عدم تسجيل العاملين بالضمان الاجتماعي وضياع حقوقهم.

-في 12 سبتمبر/ أيلول الماضي، طالبت فرق برلمانية وزير الشغل والإدماج المهني المغربي، محمد أمكراز، بالكشف عن نتائج التحقيقات التي فتحت بشأن مزاعم تلاعب شركات مقاولات بتعويضات التوقف عن العمل، التي يفترض أن تحصل عليها عبر صندوق تدبير جائحة كورونا، لمواجهة مشاكل تسريح عمالها.

لكن أعضاء لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب والرأي العام لا يزالون ينتظرون نتائج التحقيق حتى اليوم، وفق ما قاله المحامي ورئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، محمد الغلوسي لـ"العربي الجديد"، مؤكدا أنه على وزارة المالية والحكومة الكشف عن نتائج التحقيق الذي قامت به الأجهزة الرقابية باعتبار تعويضات الصندوق مالا عاما يخضع للقانون.

كيف تم التحايل للحصول على الدعم؟

في 26 مارس الماضي قررت لجنة اليقظة الاقتصادية (لجنة حكومية لتتبع انعكاسات كورونا)، منح تعويض شهري قدره 2000 درهم مغربي (222 دولارا أميركيا) للأُجراء المتوقفين مؤقتا عن العمل والمسجلين لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ويجب أن يكون المستفيدون ضمن تصريح بالشرف (وثيقة إدارية تؤكد من خلالها المقاولات أن المعطيات التي قدمتها صحيحة) من طرف شركة المقاولات التي تشغلهم، وذلك عبر البوابة الإلكترونية للصندوق المخصصة للتعويضات الجزافية الشهرية (مبلغ مقابل عمل إضافيّ أو وضع خاصّ). ويفيد هذا التصريح بأن المقاولة توجد في حالة توقف كلي أو جزئي لأنشطتها بسبب جائحة كورونا، وفق الموقع الرسمي للجنة.

لكن بعض شركات المقاولات استفادت من دعم صندوق تدبير جائحة كورونا دون وجه حق خلال مارس الماضي، حسب ما تقوله المستشارة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة، نجاة الكمير، مضيفة أن بعض شركات المقاولات استفادت ولو عن طريق صرف الدعم لفائدة مستخدميها، رغم عدم توقفهم عن العمل، عبر التصريح الكاذب بأنهم متوقفون عن العمل".

المغرب2

وللاستفادة من الدعم، تحايل بعض شركات المقاولات بعدم منح مستخدميها تراخيص التنقل الاستثنائية من أجل العمل والتي فرضتها السلطات على المواطنين، خلال فترة الطوارئ الصحية وتحديدا في 20 مارس الماضي، وفق ما وثقه معد التحقيق مع عاملين، ومنهما حمزة المنور (اسم مستعار خوفا من تعرضه لمضايقات) والذي يعمل بشركة لصناعة النسيج، كما يقول مضيفا أن إدارة الشركة أرادت أن تتخلص من عبء أداء أجور العمال من ماليتها عن طريق استفادة عمالها من مبلغ 2000 درهم من دعم الصندوق، وعوضا عن تأدية الشركة لأجور العمال المعتادة، والتي هي بطبيعة الحال أكثر من مبلغ التعويض، ستربح الفارق بين الأجور والتعويض الممنوح من صندوق الدعم.

وهو ما يؤكده رئيس اللجنة الاجتماعية بالاتحاد العام لمقاولات المغرب (الباطرونا)، هشام زوانات، لكنه يبرر ذلك بالقول: "في سياق استعجال صرف أول دفعة للدعم الذي خصص للمستخدمين في شهر مارس الماضي، وغياب تحديد الحكومة آنذاك لشروط الاستفادة، كان من الطبيعي أن يتم خلال المرحلة الثانية من توزيع التعويض الشهري الجزافي تسجيل وجود شركات ومقاولات لا تتوفر فيها الشروط التي حددها قانون رقم 25.20 المتعلق بسن تدابير استثنائية لفائدة المشغلين المنخرطين بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الصادر نهاية إبريل الماضي.

عدد قليل من مفتشي الشغل

بلغت أموال صندوق مواجهة فيروس كورونا، 33 مليار درهم (674 مليونا و862 ألف دولار) بفضل تبرعات شركات خاصة ومؤسسات عامة وأفراد، ويعيد ملف التحايل في ظل جائحة كورونا إلى الواجهة سؤالا عن سبب عدم تصريح فئة واسعة من المشغّلين بعمالهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إذ بلغ عدد العمال المصرح بهم 3 ملايين وخمسين ألفا من إجمالي 9 ملايين عامل، وفق تأكيد علي لطفي، أمين عام المنظمة الديمقراطية للشغل (هيئة نقابية حقوقية).

وكشفت عمليات التقييم الأولي التي قامت بها مصالح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في بداية عملية توزيع الدعم، في إبريل/نيسان الماضي، عن تصريحات مشبوهة داخل مؤسسات خاصة مثل المدارس الخاصة التي صرح أربابها بأكثر من 48 ألف أجير فقدوا شغلهم في وقت استخلصوا رسوم التدريس لشهر مارس/آذار الماضي من أولياء أمور الطلاب، فضلا عن مصحات وعيادات وصيدليات لم تضعها الجائحة في حالة إغلاق كلي ومع ذلك وجهت عمالها للاستفادة من الدعم الذي برمجته الدولة من خلال صندوق كورونا، حسب تأكيد الوزير أمكراز، خلال انعقاد لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب المغربي في 20 إبريل الماضي.

وأكدت وزارة الشغل في رد مكتوب لـ"العربي الجديد" أنها توجه ملاحظات أو تنبيهات للمشغلين المخالفين في حال وقوف مفتشي الشغل على مخالفات، أو تحرير محاضر بالمخالفات المسجلة طبقا لمقتضيات مدونة الشغل، ويتم إرسالها إلى مصالح النيابة العامة، مؤكدة أن الأعوان المكلفين بالتفتيش قاموا خلال 9 أشهر من العام الجاري بـ 19362 زيارة مرتقبة للمؤسسات الخاضعة للتفتيش تم خلالها تسجيل 284 ألفا و631 ملاحظة من بينها 14638 تتعلق بالضمان الاجتماعي.

لكن لطفي يقول إن وزارة الشغل تفتقر إلى معطيات حقيقية بخصوص الشركات المتواجدة في المغرب وعدد العاملين فيها، مضيفا أن وزارة التشغيل تتوفر على 400 مفتش شغل وهو رقم لا يكفي لتفتيش الشركات والمقاولات المتواجدة في مدينة بحجم الدار البيضاء، إذ إن عدد المقاولات المصرّحة بعمالها أو ببعضهم يزيد عن 250 ألف مقاولة في مجموع التراب المغربي. فكيف يمكن مراقبة هذا العدد الهائل من المقاولات بالعدد القليل من مفتشي الشغل المتوفرين لدينا"؟

من يتحمل المسؤولية؟

يرد مسؤول في وزارة المالية، طلب عدم الكشف عن هويته، لكونه غير مخول بالحديث للإعلام، بأن التحقيق الرسمي في ما جرى بشأن استفادة شركات متحايلة من دعم صندوق مواجهة كورونا يتم في وزارة الشغل باعتبارها المشرف على صندوق الضمان الاجتماعي، قائلا: "وزارة المالية لا دخل لها في التحقيق، لأن وزارة الشغل والاندماج المهني هي التي تمتلك المعطيات، كما أن الذي أثار الموضوع في البرلمان هو وزير الشغل وحينها طالبه البرلمانيون بالكشف عما لديه من معطيات، لكن إلى حدود الساعة لم يتم ذلك".

غير أن مصدرا مسؤولا في وزارة الشغل تحفظ كذلك على ذكر اسمه، رفض ما سبق قائلا إن تعويضات الدعم تخضع قانونيا للمراقبة المالية التي تقوم بها الأجهزة المختصة، خاصة المفتشية العامة للمالية والمديرية العامة للضرائب. وهو ما يؤكده رضا بنعمر مسؤول التواصل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، قائلا: "التحقيق حول التلاعب مسؤولية المفتشية العامة لوزارة المالية"، مضيفا أن صندوق الضمان الاجتماعي دوره لا يتعدى توفير قاعدة البيانات الخاصة بالعاملين المصرح بهم لديه".

ويقول الغلوسي إن ما جرى يكشف عن ضعف جهاز مفتشية الشغل، في ظل غياب الرقابة في هذا القطاع، وإن بعض الشركات تستغل ذلك لمخالفة ما ينص عليه القانون بشأن التصريح بالأُجَراء لدى صندوق الضمان الاجتماعي، مؤكدا على ضرورة فتح بحث في كل التجاوزات التي قد تحصل على مستوى التصريح لدى الصندوق لأن عدم التصريح يفوت فرصا على العمال تخص التغطية الصحية والحماية الاجتماعية، ويفوت على الدولة مداخيل مهمة.

وتقع مسؤولية عدم التصريح بالأجير لدى الصندوق على عاتق المشغل، باعتباره الملزم طبقا للفصل 15 من القانون المؤطر للصندوق الصادر في 27 يوليو/تموز 1972 بالانخراط وتسجيل الأُجَراء، وإلزامه بدفع الاشتراك للصندوق، حسب الغلوسي. وهو ما يؤيده لطفي، الذي حمل مسؤولية عدم التصريح بالأُجراء نهائيا، أو التصريح بعدد أيام أقلّ من العدد الحقيقي، لأرباب العمل ووزارة الشغل والإدماج المهني، كونها الجهة الوصية على حماية حقوق الأُجراء، لافتا إلى وجود فوضى في مجال الأجور والتصريح بالعمال لدى صندوق الضمان، ما يفرض إعادة النظر في مجال الشغل والعلاقات المهنية، ومحاربة التهرب من التحملات الاجتماعية الخاصة بالتصريح لدى الضمان الاجتماعي.

ولا ينكر أحمد الودغيري، مسير شركة أطلنتيكو العاملة في صناعة النسيج والألبسة، وجود شركات ومقاولات تتهرب من تلك التحملات لكنها تشكل أقلية، حسب قوله، مشددا على ضرورة تخفيض تكاليف الاشتراك لتشجيعها على ذلك، إذ لا يعقل أن يؤدي المشغل 750 درهما شهريا (83 دولارا) للصندوق عن أجر أدنى يقدر بـ 2700 درهم (300 دولار).

إجراء حكومي متأخر

بعد تقدم أكثر من 131 ألف مقاولة في مارس الماضي، بطلب الاستفادة من الدعم فوجئت الحكومة بهذا العدد الهائل من المقاولات، ما جعلها تتراجع عن هذا التعاطي خلال المرحلة الثانية من الدعم في إبريل الماضي، ولجأت إلى سن القانون رقم 25.20 وفق الكمير.

واشترط القانون أن يكون المستفيد من التعويض قد توقف مؤقتا عن مزاولة نشاطه بموجب قرار إداري اتخذ عملا بالتدابير المتعلقة بحالة الطوارئ الصحية في المغرب للحد من تفشي الفيروس، كما اشترط أن يكون رقم أعماله المصرح به قد انخفض بنسبة لا تقل عن 50% برسم كل شهر من أشهر إبريل ومايو ويونيو 2020، مقارنة برقم الأعمال المصرح به خلال الأشهر نفسها من سنة 2019، على ألا يتعدى مجموع عدد الأُجَراء والمتدربين من أجل الإدماج المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي حتى شهر فبراير الماضي المتوقفين مؤقتا عن عملهم بسبب هذه الجائحة 500 فرد.