وثائقيان أرمينيان: تصوير ومونتاج يعمِّقان الإحساس باختلاط المشاعر

30 سبتمبر 2020
الصورة
تمارا سْتِبانيان: خيبة أمل بتشكيل أمّة (مايكل لوتشيسانو/Getty)

"قرية النساء" لتمارا سْتِبانيان و"لا وجود لشيء يدعو إلى الخوف" لسيلفا خْناكانوسيان وثائقيان (إنتاج مشترك بين فرنسا وأرمينيا، 2019) ينقلان أرمينيا من الجغرافية إلى الشاشة. هذا ما تفعله أفلامٌ أخرى ببلدانٍ يُذاع صيتها في لحظة من التاريخ، بفعل حدثٍ ما، غالباً ما يكون تراجيدياً، ثم تدخل النسيان ما إنْ تخفّ شدّتها، ويهجرها الإعلام. السينما ـ التي تُعنى بكشف ومراقبة ما تتركه الانقلابات التاريخية السريعة من آثارٍ على الناس والبلدان ـ لا تَمُلّ. ترجع مراراً إلى تلك البؤر، وتعيد معاينتها، فتجد فيها دائماً ما يستحقّ التوثيق.

الوثائقيان الأرمنيان يقاربان أحوال البلد عبر نسائه. يجعلان المرأة مركزاً لهما. تتجنّب صانعتاه فخاخ السياسة ورطانة الخطاب القومي، وتقترحان بدلاً منه فتح مجاز طويل، عبر مساراتٍ متشعّبة، تعرض مقاطع لافتة للانتباه من المشهد الأرميني. النصّان يضعان السياسة والهجرة والحرب خلفية لهما، وللّقطة "الأنثوية" المقرّبة. لا الموت الكامن تحت قشرة ترابها ولا هجرة رجالها يقدران على إزاحة حضورها المؤثر. على العكس، تبدو تلك العوامل كأنّها تضع المرأة الأرمنية في بؤرة عدسات الكاميرات.

في ممرّ "لاشين" الجبلي وعمق غاباته، نساءٌ يعملن ـ بصمتٍ مطبق ـ على كشف الألغام المزروعة في كلّ شبر فيه، بغية تعطيلها. إليهنّ، ذهبت سيلفا خْناكانوسيان لتصوير يوميات بحثهنّ عن الموت الكامن تحت قشرة تراب إقليم ناغورنو كاراباخ، مُبعدة عن "لا وجود لشيء يدعو إلى الخوف" كلّ ما يخصّ النزاع بين أرمينيا وأذربيجان. كاميرتها منشغلة برصد تفاصيل مهنة "الخطأ الواحد": هكذا يوصف عادة عمل الكشّافين عن الألغام الأرضية، فالخطأ الواحد يُنهي كلّ شيء. انشغال كاميرتها، بل إلحاحها على الاقتراب من الباحثات عن مكامن الموت الخفي، يُلهي عن البحث في أسباب اختيارهنّ مهنة خطرة كهذه. أهو العوز الماديّ، أو الوحدة؟ سؤال ينسج خيوط مقاربة للفيلم مع "قرية النساء" لتمارا سْتِبانيان (أقامت وعملت في لبنان فترة من الزمن).

في مساحة آمنة، تسجِّل سْتِبانيان بكاميرتها يوميات قرية أرمنية، يغيب رجالها عنها مدّة طويلة، ويعودون إليها فترات قصيرة. وضعٌ شاذ، تفرضه عليهم هجرتهم للعمل في روسيا البعيدة، كما يفرض غيابهم على نسائها التكيُّف معه. بغيابهم، تُصبح "قرية النساء" مكاناً مختلّ التوازن، يُحمّلهنّ أعباءً في مواجهة عوز مادي وحرمان جسدي. ملازمتها القرية طويلاً، يسمح لكاميرتها دخول بيوتها. بسهولة، تتآلف مع سكّانها، فيتصرّفون أمامها كأنّها واحدة منهنّ.

 

 

الإحساس بالوحدة والهجر لا يحتاج التقاطه إلى جهدٍ. النساء منفتحات أمامه، والحياة البسيطة لا تحتمل طول إخفاء. الغناء وحده يُعين، أحياناً، على كشف ما يختلج في دواخلهنّ. يُلاحَظ هذا أيضاً في فترات استراحة الباحثات عن الألغام، مُعطِّلات الموت. كلّ نجاح في تعطيل موتٍ ومنع إعطاب جسدٍ بشري يُسرّب فرحاً إلى دواخلهنّ، يُعلَن عنه بدعوة خجولة إلى تذكّر مقاطع من أغنيات عاطفية وشعبية، تحرّر بقايا خوف يتوغّل في الأجساد.

في "قرية النساء"، تحيل العلاقات إلى خلفيات سياسية واقتصادية. الهجرة نابعة من قلّة مردودٍ، وضمناً من انحيازٍ إلى ماضٍ روسي، أشاع ريعاً اقتصادياً من أجل هيمنةٍ، تُعيدها اليوم سوق عمله. آباء المهاجرين المتقاعدين يمتدحون هجرة أبنائهم، ويتملّقون جَلادَة نسائهم. في العمق، هناك إحساس عام بالعجز، وبخيبة أمل بتشكيل أمة قادرة على إدارة شؤونها، في ظلّ غياب قوّة عملها. في أعالي الجبال، الإحساس بالخوف طاغٍ، يتأتّى من تماسٍ مباشر مع عوائق ديمومة وجود، وبفعل عمل محفوف بالمخاطر والتوقعات.

كلّ لقطة متأنّية تنقل شعوراً عميقاً بالخوف. الكاميرا (فاغن تير ـ هابوبيان) تحسّ به، لاقترابها الشديد منه. تلتقط تفاصيله. تَعرُّق غزير، وارتجاف يد نابشة بعناد تربة هشّة، تحتها معدن صلب، يكفي انفجاره لإنهاء وجود. الموسيقى (جان ـ مارك شيك وسامفيل ساريان) خافتة، تختلط مع الصمت، بينما تحضر في القرى الخالية من الرجال، وتعكس إيقاعاتها تقلّبات فصول السنة وتعكّر الأمزجة.

مونتاج الفيلمين يعمِّق قوّة الإحساس باختلاط المشاعر. في "لا وجود لشيء يدعو إلى الخوف"، مونتاج جوستين هيريارت يوزّع ببطء ما تلتقطه عدسات الكاميرا، ليزيد من شعور المتفرّج بالخطر المحيط بالمكان، وبالموجودين فيه. المشهد الافتتاحي يكثّف هذا الاشتغال. دقائق عدّة لكاميرا ثابتة، يظهر فيها شخصٌ من بعيد لا يتحرّك، ثم يهرول فجأة، وبعدها يُسمَع دوي انفجار، وصوت صفارة تعلن انتهاء المهمّة. في "قرية النساء"، يُكرِّس المونتاج (أوليفر فراريو فيليام ويدا) جهده لجمع المشترك بين الحالات. لكلّ امرأة وضع خاص، ولوجود كلّ طفل امتداد يتعدّى والده والبيت إلى البلد ومستقبله.

النصّان مشحونان بأسئلة محيّرة عن مصير أمّة، ربما من "محاسن" متاعبها تحمّل المرأة مسؤوليات مضاعفة فيها. وضعٌ ملتبس، يمهّد مستقبلاً لحضور مطلوب، توثّق السينما ملامح تشكّله الآنيّ في مُنجزين مهمّين للغاية.