نورما بارزمان: تاريخ شخصي من الانتصارات الصغيرة

24 سبتمبر 2020
الصورة
حرّض جوزيف مكارثي ضد كل شيء بتهمة الشيوعية (Getty)

احتفلت كاتبة السيناريو والصحافية والناشطة الأميركية نورما ليفور (Norma Barzman)، الثلاثاء الماضي (15 سبتمبر/ أيلول)، بعيد ميلادها المئة، لتطفئ شمعة قرن من العمر، نشأت فيه لأسرة ثرية في نيويورك، قبل أن تبحر إلى فرنسا، بعمر دون التسعة عشر عاماً، حيث عملت صحافيّة في جريدة "باريس هيرالد". لكن غزو بولندا من قبل القوات النازية، واندلاع الحرب العالمية الثانية، دفع والديها إلى إرجاعها إلى الولايات المتحدة بسرعة.
في طفولتها، عاصرت التحولات الكبيرة التي حدثت في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، من الكساد إلى الحرب العالمية الثانية، وبينهما صعود الفاشية والحرب الأهلية الإسبانية التي صنعت آراءها التقدمية، كما تقول، وما سيأتي لاحقاً من محاكم تفتيش سينمائية وحرب باردة.
وفي وقت مبكر، عندما كانت على حافة العشرين، تزوجت من عالم الرياضيات كلود شانون، الذي سيعرف في وقت لاحق بـ"أبو نظريات المعلومات". قبل أن تنفصل عنه وتغادر إلى لوس أنجليس، حيث ستجد زواجها الأكثر ديمومة من كاتب السيناريو الكندي بن بارزمان، الذي نالت منه لقبها، في عام 1943، وانضمت معه إلى الحزب الشيوعي الأميركي في أربعينيات القرن الماضي.


قائمة هوليوود السوداء
مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، برزت نورما كمراسلة لصحيفة "لوس أنجليس كزامينر"، من خلال القصص التي تركز على حقوق المرأة واستغلال العمال، عندما كانت المرأة الوحيدة في مكاتب الصحيفة، وتتعرض لمضايقات باستمرار واتهامات بأنها "حمراء".
في الوقت نفسه، كتبت أول سيناريوهاتها بعنوان Never Say Goodbye، الذي سيصبح فيلماً من بطولة النجم إيرول فلين، بعد شرائه من قبل شركة "وارنر برذرز"، في عام 1945، لكن بدون الإشارة إلى نورما ككاتبة سيناريو، بل إلى زوجها بن.
ولم تعترض بسبب حاجتهما الشديدة إلى المال آنذاك، كما حدث عندما باعت سيناريو What Nancy Wanted إلى الممثل هيوم كرونين، الذي باعه بدوره إلى شركة RKO التي حولته إلى فيلم تحت اسم The Locket (1946)، من بطولة لارين داي، من دون الإشارة إليها ككتابة سيناريو مجدداً.
لكن في يوم صيفي خلال عام 1947، عندما كان الزوجان مستلقيان في حديقتهما ويشربان الكحول في منزلهما القريب من استديوهات هوليوود، مرّ الكوميديان الشهير غروشو ماركس وأدلى ببعض الملاحظات المشفرة، وسرعان ما تبعته فتاة شابة تدعى نورما أيضاً كانت في طريقها إلى حفلة في منزل فنسنت مينيلي وجودي غارلند على شرف ابنتهما ليزا، التي ستفوز بجائزة أفضل ممثلة رئيسية في حفل الأوسكار عام 1973. آنذاك تحسّسا الخطر عندما قالت الشابة لهما إنها رأت رجال الشرطة يسألون أحدهم عما إذا كان ذاهباً إلى منزل عائلة بارزمان. بعد عامين، في المنفى، سيجدان صورة الفتاة نفسها وقد غيرت أسمها إلى مارلين مونرو. 
هكذا، اصطدم بروزها بإصدار لجنة الأنشطة غير الأميركية في مجلس النواب، أواخر ذاك العام، القائمة السوداء التي ضمت عشرة من أبرز كتّاب السيناريو والمخرجين في هوليوود، بسبب رفضهم الإدلاء بشهاداتهم عن التأثير الشيوعي في صناعة السينما الأميركية، وأودت ببعضهم إلى السجن بتهمة "ازدراء الكونغرس" الأميركي، ودفعت البعض الآخر إلى الهروب من البلاد أو الكتابة بأسماء مستعارة في وقت لاحق. علاوة على مقاطعة الاستديوهات أساساً للعمل مع كل من أدرج اسمه في القائمة السوداء.
في الأثناء، لعب الزوجان دوراً كبيراً في جمع التبرعات من أجل "عشرة هوليوود"، هم رينج لاردنر وجون هوارد لوسون ودالتون ترامبو وسبعة آخرون، قبل أن تطول القائمة شيئاً فشيئاً مع نهاية الأربعينيات وتشمل زوجها بن، وظلّت تتسع بشكل كبير مع بداية الخمسينيات حتى شملتها هي نفسها، إلى جوار نجوم كبار مثل شارلي شابلن.

الحملة المكارثيّة والمنفى
أشارت مجلة "هوليوود ريفيو" إلى أن هناك "قائمة سوداء أقدم وأكبر، وهي قائمة الفنانين الزنوج. إن عاصمة السينما العالمية في العالم الغربي ليست إلّا مدينة جيم كرو، لا يوجد منتج أو مخرج أو كاتب زنجي واحد، لا مصورون ولا مهندسو صوت ولا أي حرفة كانت، لقد تم استبعاد الزنوج بشكل منهجي من معظم الأعمال منذ وقت ميلاد صناعة الأفلام".
وبدورها، كانت القائمة السوداء الجديدة فاتحة للحملة المكارثية (نسبة إلى السيناتور الجمهوري جوزيف مكارثي)، التي شملت جميع مناحي الحياة الأميركية في عقد الخمسينيات، سياسياً وأكاديمياً وثقافياً، وفنياً بطبيعة الحال، ضد كل من يشتبه في كونه شيوعياً أو كان شيوعياً في يوم ما.
مع هذا، أصبحت المكارثية اليوم، خصوصاً مع صعود دونالد ترامب، تعرّف بأنها سلاح ديماغوجي لاغتيال الخصوم السياسيين معنوياً من خلال تخوينهم والتشكيك في وطنيتهم واتهامهم بالولاء للخارج (الاتحاد السوفييتي، في حالة القائمة السوداء).
في عام 1949، سافر الزوجان إلى لندن، على أمل العودة قريباً من أجل تصوير Give Us This Day، من إخراج إدوارد دميتريك، وهو واحد من المتهمين العشرة في القائمة السوداء. لكن دميتريك عاد قبلهما إلى الولايات المتحدة، ووشى بهما وبكثير من الأشخاص الآخرين لكي يتفادى عقوبة السجن، في الوقت نفسه الذي قدم فيه متهم آخر في القائمة، هو أدريان سكوت، النصيحة لهما بعدم العودة لأن "الأمور ازدادت سوءاً" مع انتشار "الذعر الأحمر" في الولايات المتحدة.
في المنفى الفرنسي، بين باريس ونيس، حظيت نورما بجيرة الرسام الإسباني بابلو بيكاسو، الذي كانت أكثر حماسة لمقابلته مما كانت عليه عندما قدمها زوجها الأول إلى ألبرت آينشتاين (ضحية أخرى من ضحايا الحملة المكارثية) عام 1940.

وشكلت صداقة مع الممثلة الإيطالية صوفيا لورين عندما لعبت دور البطولة في فيلم "El Cid" (1961)، الذي ساهم بن في كتابة السيناريو الخاص به، كما صادقت النجوم الفرنسيين، مثل إيف مونتان وسيمون سينوري، ونالت صفعة على بطنها وهي حامل من المصور الشهير روبرت كابا وهو في طريقه إلى لعب القمار.
لكنهما كانا مراقبين من الحكومة الأميركية على طول طريق المنفى، وسحب منهما جوازا سفرهما لسنوات طويلة. ولم تكن أيّاً من الصداقات الجديدة، ولا الأطفال السبعة، ولا كتابة السيناريوهات، كافية لمنع الاكتئاب من التسلل إلى وجدان زوجها بن وشعوره بمرارة المنفى. بالمقابل، حافظت نورما على رباطة جأشها وحيويتها في تلك الفترة العصيبة، وحتى يومنا هذا.
ورغم أن حضور الرئيس المُنتخب جون كينيدي عرض فيلم Spartacus، الذي كتب السيناريو له ترامبو وأخرجه ستانلي كوبريك، مباشرةً بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية أواخر العام 1960، مثّل محاولة لوضع حدّ للقوائم السوداء والقطيعة مع شيوعيّي هوليوود، إلّا أن الزوجين استمرا في منفاهما حتى العام 1979.
كان عقد السبعينيات نهاية القمع في هوليوود، مع حلّ مجلس النواب لجنة الأنشطة غير الأميركية، واستقبال شارلي شابلن وإعادة الاعتبار إليه بمنحه جائزة فخرية من أكاديمية الفنون والصور المتحركة، إلى جوار عودة الكثير من نجوم القائمة السوداء إلى الولايات المتحدة.

حاملة شعلة الضحايا
بعد العودة، شاركت مع زوجها في كتابة رواية "أحلام غنية" (1982)، قبل أن تعود إلى "لوس أنجليس كزامينر" من جديد، لتكتب عمود "أفضل السنوات"، منذ عام 1985 حتى وفاة زوجها عام 1989. في مذكراتها، "الأحمر والقائمة السوداء: مذكرات حميمة لمغترب هوليوودي" (2003)، و"نهاية الرومانسية: مذكرات عن الحب والجنس وغموض الكمان" (2009)، تروي نورما سيرتها الذاتية ممزوجة بذكريات الأصدقاء والزملاء الذين طاولهم قمع الخمسينيات.
ليست نورما آخر من تبقى حيّاً ممن تعرضوا لحملات الأربعينيات والخمسينيات، هناك آخرون، من بينهم كاتب السيناريو والتر بيرنستاين، الذي أكمل مئويته في العام الماضي، لكنها الوحيدة التي أبقت اللهب متقداً على مدار سنوات طويلة، داخل الولايات المتحدة وحول العالم بأسرة.
"لقد أصبحت حاملة شعلة القائمة السوداء، تصرّ على أنه لا ينبغي نسيان التضحيات التي يقدمها الناس، ويجب ألا ننسى أبداً ما حدث حتى لا نكرره"، يقول المؤرخ الأميركي لاري سيبلير، الذي أنتج العديد من المؤلفات عن القائمة السوداء والحملات المناهضة للشيوعية في الولايات المتحدة.
في التسعينيات، تحوّلت إلى "ضمير بليغ" للقائمة السوداء، وفق تعبير صحيفة "لوس أنجليس تايمز"، بعدما لعبت أدواراً مهمة في الحملات المناصرة للضحايا، بدءاً من الحصول على اعتذار رسمي من نقابات المواهب الأربعة الكبرى في هوليوود لأول مرة عن دورها في القائمة السوداء، عام 1997.
ومنذ ذلك الحين، تستكمل نورما الجهد الكبير الذي قام به الكاتب بول جاريكو منذ خمسة عقود من أجل تحقيق العدالة لكتّاب السيناريو والمخرجين المدرجين في القوائم السوداء، الذي استنزف كل طاقته، لدرجة أنه مات بسبب نومه أثناء قيادته السيارة وهو عائد إلى بيته من مناسبة متعلقة بالذكرى الخمسين لإصدار القائمة السوداء.
خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار عام 1999، نظمت نورما احتجاجاً كبيراً ضد تكريم إيليا كازان، الذي تسبب في إنهاء مسيرة العديد من الكتّاب بعدما وشى بهم أمام لجنة الأنشطة غير الأميركية، بجائزة فخرية. أتى الاحتجاج ثماره بسرعة، حيث امتنع ثلثا الحضور من الوسط الفني، وفق صوفيا لورين، عن التصفيق عند تسلمه الجائزة، وتلقى الحفل انتقادات وتعليقات ساخرة. واستمرت في ضغوطها حتى استضافت هيئة الأوسكار معرضاً عن عصر القوائم السوداء في هوليوود، بتنسيق سيبلير، مطلع العام 2002.
وما زالت نورما مستمرة في حراسة الذاكرة الفنية بنشاط كبير حتى السنوات الأخيرة، في الجامعات، والمهرجانات السينمائية، والمقابلات الصحافية. تذكّر الجيل الجديد كيف صنعت معظم الأفلام الصامتة الأولى بواسطة النساء، بينما اليوم تستبعد النساء من صناعة الأفلام، وتدافع عن ميولها اليسارية واختيارها الانضمام إلى الحزب الشيوعي إبّان الحرب العالمية الثانية وضرورة القضاء على الفاشية.
تقول في واحدة من آخر مقابلاتها: "لقد حاول اليمين دائماً إظهارنا كأننا سممّنا صناعة الأفلام الأميركية، وأننا حاولنا إدخال الدعاية الشيوعية في الأفلام، بينما كان ما حاولنا فعله هو دعم التقاليد الديمقراطية وتحييد أكثر الشخصيات عنصرية والصور النمطية (...) Back to Bataan (1945/ الذي كتبه زوجها بن) كان أول فيلم في هوليوود يتضمن رومانسية بين الأعراق، بين النجم أنتوني كوين وسيدة فيليبينية. كانت تلك دعايتنا الشيوعية". وقبل سنوات، لخصت نورما مسيرتها على أنها "التاريخ الشخصي لامرأة من تلك الانتصارات الصغيرة".