محمد علي بحري... الشاهد في 12 مجلّداً

22 نوفمبر 2020
الصورة
تضم الموسوعة أعمالاً من تأليفه وتلحينه أيضاً (العربي الجديد)
+ الخط -

بعيداً عن وطنه، ومن دون صخب أو ضجيج، يبذل جهداً كبيراً في وضع موسوعته التي تتألف من 12 مجلداً، كل مجلد منها يحوي 10 مقامات موسيقية مع شرحها شرحاً وافياً واضحاً، نظرياً وعملياً، وذكر النماذج التلحينية الموضوعة على كل مقام، بما يشكل فصلاً مفتتحاً بـ بشرف، ومختتماً بـ سماعي، ويقع كل مجلد في ما بين 300 إلى 400 صفحة من القطع الكبير. إنه الموسيقي التراثي الحلبي محمد علي بحري، الذي أعطى نحو 35 عاماً من عمره لفن الموشحات، تأليفاً وتلحيناً وتوثيقاً.

ولد محمد علي بحري عام 1972 في مدينة حلب السورية. وبالرغم من أن المدينة في ذلك الوقت كانت تذخر بكبار الفنانين من أمثال صبري مدلل، وحسن حفار، وعبد القادر حجار، إلا أن بحري لم ينتظم في دروس موسيقية إلا لقاءات يسيرة أخذ فيها عن الحفار إيقاعاً أو إيقاعين، قبل أن يعتمد على نفسه كلية في تحصيل العلم الموسيقي، نظرياً وعملياً.

سألنا خبير الموشحات عن دوافعه لتأليف موسوعته الكبيرة. يقول: "الدوافع كثيرة، وأولها أن الأغنية العربية الحديثة، لا تصلح لأن تكون شاهدا تلحينياً على مقام معين، لأنها غالبا ما تكون مزيجاً، لا يعبر عن شخصية المقام، فهي أشبه بـ"الكوكتيل"، أما القالب الأساس في الشواهد اللحنية المغناة فهو الموشح، وفي القوالب الآلية تكون الأولوية لقالبي البشرف والسماعي. ومع الأسف، فإن كثيراً من المقامات العربية لا نجد لها شواهد واضحة، كما أن الغناء العربي، استهلك عدداً من المقامات المشهورة، وأهمل عشرات غيرها، إلى حد ألا نجد عليها شاهداً تلحينياً واحداً، سواء كان غنائياً أو آلياً".

يوضح بحري أن حالة الدرس الموسيقي العربي، كانت أيضاً من الأسباب المهمة التي دفعته للتصدي إلى هذا المشروع العلمي: "طرائق تدريس الموسيقى في العالم العربي عقيمة، ولا يمكن أن تؤدي إلى نتائج مرضية". يُرجع السبب الرئيس لهذا التراجع إلى أن القائمين على التدريس يتعاملون مع المقامات بطريقة خاطئة، ويقدمون المقام وكأنه مجرد سلم، أو على الأكثر مجرد جنسين: جذع وفرع. وبرأي بحري، فإن هذه الطريقة لا يمكن أن تفي بتعريف شخصية المقام وطبيعته وروحه المسيطرة، إذ لا بد من معرفة طريقة عمله، وسبيل الشروع فيه، وسبل تركيب أجناسه وعقوده. وكل هذا لا يمكن إدراكه عبر سلم لا يكاد يمثل إلا هيكلاً بلا ملامح ولا شخصية.

كما يأخذ بحري على مؤسساتنا التعليمية اعتمادها على مقاطع من الأغاني الحديثة، لتكون شواهد تلحينية، وهي بنظره لا تصلح لهذا السياق العلمي التعليمي، حيث يجب أن تكون الشواهد متعددة، وخالصة من شوائب المقامات الأخرى، وهو ما يتوفر أكثر في قوالب: الموشح والبشرف والسماعي.

يؤكد بحري أن المشكلة التعليمية تتعمق بسبب تصدر كثير من غير المؤهلين، ولا يعني بالتأهيل هنا مجرد الحصول على الشهادات العليا، أو حتى درجتي الماجستير والدكتوراه، لأن توالي الأجيال التي تعلمت بطرق غير سليمة أنشأ جيلا من "الأساتذة" ونجوم الفضائيات والإذاعات والإنترنت، يساهمون بما يطرحون في ترسيخ الجهل بالموسيقى الشرقية الكلاسيكية.

مع اعتزازه بتراثه الحلبي، يحمل بحري تقديراً كبيراً لمصر وقدماء أهل الفن فيها، ويعتبر عدداً من كبار المصريين ضمن أساتذته، رغم أنه لم يزر مصر ولا مرة. وفي مقدمة هؤلاء، يأتي اسم كامل الخلعي، الموسيقي والملحن العالم. ويرى بحري أن الخلعي، في ألحانه وفي مؤلفاته، وأشهرها كتاب "الموسيقي الشرقي"، كان قمة في الفن، وموسوعة في العلم، وحافظ على قيمة الموسيقي، ولم ينزلق يوما إلى التفكير التجاري أو نيل الرضاء الشعبي الرخيص.

كما يعتبر بحري أن سيد درويش ضمن ثلة أساتذته من المصريين، فألحانه مقطوعات وجدانية عميقة، تحمل شعوراً قوياً، وتفكيراً موسيقياً بالغ الرقي. يصف بحري سيد درويش بأنه "بيتهوفن العرب". وبرأيه أن الرجل أفضل من غنى ألحانه، فكل من غنوا أعمال سيد درويش لم يصلوا -برأي بحري- إلى مستوى الشيخ سيد أبداً، حتى الكبار المشتهرين من أهل الفن.

ومن العجيب أن بحري يعد الشيخ مصطفى إسماعيل ضمن أهم أساتذته، ويرى أن الشيخ يمثل أعجوبة ومعجزة في التلاوة القرآنية، وأنه يكاد يكون الوحيد من بين القراء والمطربين والملحنين، الذي يؤدي المقام الموسيقي بطريقة علمية دقيقة، لا تصدر إلا عن المتعمقين في دراسة الموسيقى الكلاسيكية، وأن ترتيبه للأجناس والعقود وإخراجه للعرب الصوتية يمثل معجزة فنية بكل معنى الكلمة.

يوصي بحري أهل الفن بالاستماع إلى ألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب، ويعده ضمن أعظم ملحني القرن الماضي، لكنه يؤكد أنه يعني أعمال عبد الوهاب قبل سنة 1940، لأن ما بعد هذا التاريخ يراه الموسيقي الحلبي فناً كان هدفه تتبع "الموضة" وما يطلبه الجمهور، وابتعد عبد الوهاب كثيراً عما أبدعه قبل سنة 1940، فقد سيطرت عليه بعد ذلك التاريخ أفكار المنافسة الشعبية التجارية، وظل كذلك حتى رحيله.

نسأل بحري عن الحيثيات التي دفعته لاعتبار هؤلاء الأعلام أساتذة له، بالرغم من أنه لم يلتق بأي منهم، ولم يزر مصر أصلاً. يؤكد أن الحفظ والمعايشة هي المعلم الأول: "عايشت شيوخ الأسطوانات، وخبرت ألحانهم، وعاينت أكثر من 300 دور مصري، وسمعتها بصيغها المختلفة، فبعض الأدوار وصلتنا بأصوات عديدة، وهذا السماع المتكرر لنفس العمل بأصوات مختلفة، يمكّنك من فهم الجانب المشترك فيها، الذي هو روح الطريقة المصرية وجوهرها".

في رحلة تحصيله، حفظ بحري مئات الموشحات، ووثقها نصياً ولحنياً، وفي مقدمة هذه الموشحات تأتي أعمال عمر البطش، شيخ الوشاحين العرب، كما حفظ بحري أعمال الشيخ أحمد أبو خليل القباني، وأعمال كثيرين من تلامذة البطش وبكري الكردي، وكل هذا أهّله للتصدي لتلك العملية شديدة الصعوبة المتمثلة في تأليف الموشح وتلحينه، واختيار المقامات النادرة ليقدم عليها عدداً من الموشحات تصلح كشواهد تلحينية، علمية وفنية رصينة.

خلال 30 عاما، لحن بحري نحو 200 موشح، أكثرها من شعره، وكما اختار لها المقامات النادرة والمهملة، اختار لها الإيقاعات الطويلة والمركبة وقليلة الاستعمال، بل والنادرة إلى حد ألا يكون لها شاهد تلحيني غنائي واحد في الموسيقى العربية. يصر بحري على أن يلحّن من المقام النادر والإيقاع المهمل عدة موشحات، ولا يكتفي بنموذج واحد، لأنه يرى أن تعدد الشواهد التلحينية وحفظها هو السبيل الوحيد لفهم المقام وتنمية الشعور به. كما أن التعليم المجرد للإيقاعات يؤدي إلى نسيانها والخطأ فيها، أما تعليمها عبر الشاهد اللحني فهو الأنفع والأبقى. 

وعلى سبيل التمثيل، لحن بحّري من مقام المستعار 11 لحناً، تشمل 9 موشحات وطقطوقة وسماعي، ومن مقام العجم بوسلك لحن 8 موشحات، ومن مقام الدلكش حوران 9 موشحات، ومن مقام الجانفزا 4 موشحات، والشد عربان 5 موشحات، والسلطاني يكاه 6 موشحات، ومن مقام الدوكاه ومقام الطاهر بوسلك 6 موشحات أيضا، ومن مقام الزاويل والكردانية 4 موشحات.. وغير ذلك كثير.

وفي استخدامه للإيقاعات النادرة الطويلة والمركبة، لحّن بحري على ضرب الفتح موشح "يا حمام الروض غنِّ"، وهذا الإيقاع يعتبر أضخم الإيقاعات والضروب في الموسيقى الشرقية قاطبة، وهو مرقم بمقياس 176/4. ولحن موشح "هبت نسيم اللطف" على إيقاع الجهار والمرقم بمقياس 124/ 4. ولحن موشح "يا بدر حسن تبدى من" مقام الشيفيه نُما، على إيقاع الزنجير الكبير والمرقم بمقياس 120/ 4. ولحن موشح "هات اسقني يا بن ودي"، من مقام الفرح فزا على إيقاع الثقيل المصري بمقياس 96 / 4.

نسأل بحري عن تكرار اتهامه بالانحياز للموسيقى العثمانية، وتقديمها على الموسيقى العربية. يقول: "الموسيقى العثمانية رافد مهم من روافد الموسيقى الشرقية الكلاسيكية، يتسم بغزارة وثراء لا يمكن تجاهله، كما أن الملحنين الأتراك حرصوا على أصول المقامات، وتقديمها من دون خلط، فنجد عندهم وصلات كاملة، تتضمن عشرات الأعمال الغنائية والآلية لمقامات نسميها في عالمنا العربي "فرعية"، أو إيقاعات شديدة الندرة. بينما هي عالم بحد ذاته". يوصي بحري شباب المطربين والعازفين بالاهتمام بالمدارس الثلاث التي يعتبرها تشكل الأعمدة الأساسية للموسيقى الشرقية، وهي: المدرسة المصرية القديمة، ومدرسة بلاد الشام ولحلب فيها قصب السبق، وأيضاً المدرسة التركية العثمانية.

يوضح بحري أهمية الإفادة من التراث الموسيقي العثماني، فيقول: "لا يمكن لمن أراد التأسيس الموسيقي أن يهمل أعمال جميل بك الطنبوري، أو طاطيوس أفندي، أو المعلم إسماعيل حقي بك، أو القانوني حاجي عارف بك، والداوادت الثلاثة، والطنبوري عثمان بك، وعثمان بك الكوجوك، وشوقي بك، وأحمد سلانكلي بك، وحمامي زاده، وإسماعيل دده أفندي، ودلالي ذاده، ويوسف باشا، وبيمن شان، وجودت شاغلا، وألحان السلطان سليم الثالث، وغازي غراي خان، والكماني علي أغا، وزكي محمد أغا، وهو والد الملحن الموسيقي الطنبوري نعمان أغا، وقنتمير أوغلو، والكمنجاتي نيقولاكي أفندي، ومئات أخرى من أسماء العباقرة الأعلام والملحنين في الموسيقى الشرقية الكلاسيكية".

ويرى بحري أن التراث الموسيقي العثماني أثرى من العربي في الجانب الآلي، المتمثل في السماعيات والبشارف واللونجات وغيرها من أشكال التأليف غير الغنائي، حيث نجد عشرات السماعيات والبشارف من أي مقام مهما ندر. كان لبحري دور كبير في التصدي لحالة التراجع التي يعانيها فن تلاوة القرآن في مصر، ووظف علمه ودرايته لكشف "قراء السبوبة" الذين حولوا تلاوة القرآن إلى تجارة، وقدموا أنماطاً من الأداء المبتذل، وتعاملوا مع التلاوة كأنها مواويل ونواح وتكسر لا تضبطها قواعد ولا نغم.

يضيف بحري: "تعرضت إلى هجوم شرس من هؤلاء القراء ومن ينتفعون من ورائهم، وأغلقوا صفحتي على فيسبوك أكثر من عشر مرات". ويتحسر الملحن الحلبي الذي يقول دائما: "القرآن لمصر"، على حال هذا الفن ومآله، بعدما كان يذخر بالأعلام من أصحاب الأصوات العظيمة، من أمثال المشايخ مصطفى إسماعيل ومحمد صديق المنشاوي وعبد الباسط عبد الصمد ومحمود علي البنا ومحمود عبد الحكم، وغيرهم ممن أثروا هذا الفن ورفعوه إلى سموات عليا.

جمع بحري عدة مواهب يندر أن تجتمع عند أحد، فهو ملحن، ومؤلف للموشحات، وهو قارئ للقرآن، تلاه في مساجد حلب وسهراتها، وقد علم نفسه التدوين الموسيقي، والعزف على العود، وهو باحث ومؤرخ موسوعي، لا تكاد تغيب عنه بيانات قطعة موسيقية كلاسيكية، سواء كانت مصرية أم حلبية أم تركية، حفظ الموشحات والأدوار، وهضم الأسطوانات القديمة. وبمجرد ذكر اسم أحد الأدوار، يتدفق بالمعلومات عن مؤلفه وملحنه وتاريخ صدوره والمطربين الذين أدوه، وأيهم تفوق فيه وأيهم أخفق. وكل هذا جعل منه مرجعاً موثوقاً للمهتمين بالتراث في كل أنحاء العالم العربي.

يتمنى بحري أن ينجز موسوعته الكبرى قريبا، إذ تصل مجموعة المقامات المشروحة إلى 120 مقاماً موسيقياً، مع إرفاق كل جزء من هذه الموسوعة الضخمة التاريخية بقرص مدمج يحمل التسجيلات ومقاطع الفيديو والألحان المشروحة. وهو الآن بصدد الانتهاء من أول أجزائها، وقد تناول فيه عشرة مقامات موسيقية، وألحق بها شواهدها التلحينية، وهي: مقامات العجم كردي، الفرح فزا، الزاويل، الأوج، الدلكش حوران، الفرحناك، الشوق أفزا، العجم بوسليك، الطاهر بوسليك، المستعار.

وتمثيلاً للمقام الأول (العجم كردي)، فقد ألحق به بحري عدداً من الشواهد الموسيقية، وهي: بشرف المعلم إسماعيل حقي بك، وموشح ساقي الراح اسقنيها، موشح قم بنا للحان، موشح أي سحر قد حوت، موشح يا ليل طل، موشح فؤادي هام، موشح يا طلعة البدر، طقطوقة قولي يا جميل قولي، فالس العجم كردي، سماعي العجم كردي لإسماعيل حقي بك.

ومن أمثلة شواهد مقام الفرح فزا التي يسوقها بحري في موسوعته، بشرف الفرح فزا للمعلم إسماعيل حقي بك، موشح هات اسقني يا بن ودي، موشح ضاحك عن جمان، موشح يا باهي السنا، موشح ومهفهف طاوي الحشا، موشح لله ذات حسن، سماعي الفرح فزا للطنبوري جميل بك.

ومن المقامات النادرة التي يتعرض لها بحري بالشرح والتحليل في أول أجزاء موسوعته، مقام "الزاويل"، ويسوق له عدد من الشواهد منها: بشرف الزاويل للمعلم إسماعيل حقي بك، موشح بدا يختال مياسا، موشح وورد الخد يسبيني، موشح أدر كؤوسي محيي النفوس، موشح أهيف يميس بالقد الأملد، سماعي الزاويل للقانوني حاجي عارف أغا.. وقد اشتمل الجزء الأول على 64 لحناً غنائياً و20 لحناً آلياً، بمجموع 84 عملاً ما بين بشرف وموشح وسماعي.

يحرص بحري على التراث الموسيقي، ويكره ما شاع بين فرق التراث في السنوات الأخيرة من كثرة التصرفات والعرب والارتجالات والخروج عن اللحن الأصلي، يرى أنه يجب على الفنان الكلاسيكي أن يقدم التراث تقديما أمينا، وإذا أراد هذا القدر الكبير من التصرف أو الارتجال فليكن في ألحان جديدة، أما الموشحات والأدوار القديمة فلا يجوز في نظره المساس بروحها ورونقها.

وبسبب كثرة التجاوزات الغنائية من المنشدين الجدد، قرر بحري التصدي العلني لهذا النوع المنفلت من الأداء، وشن غاراته الحادة على المقاطع المنشورة على شبكة الإنترنت. ورغم كثرة من أخذوا عن الرجل وأفادوا منه، إلا أن الغضب بلغ به حد أن يعلن أكثر من مرة أن ليس له تلاميذ، وأنه لم يجز أحدا في الموسيقى والغناء.. وكل هذه المواقف زادت من عزلته، وأعلت الحواجز بينه وبين مجتمع الفنانين.

يقضي بحري يومه بين إنجاز موسوعته الكبرى، وبين اجترار ذكريات الشوق إلى أيام حلب ولياليها. فاستقراره في مهجره بألمانيا لم يخفف من شوقه إلى موطنه، ولم يخمد جذوة الذكريات، أو يؤنس شعوره الدائم بالوحدة، وافتقاد أجواء الفن والأنس والطرب، لا سيما في المناسبات الكبرى مثل شهر رمضان والأعياد. ولعل هذا ما يفسر مصاحبته لحزن دائم، باد في كلامه وفي ألحانه، حتى ما كان منها فرحا نشيطا. لكن ما يهون عليه، أمله في أن تجد موسوعته الكبيرة مكانها اللائق في بلاد العرب، وأن تكون خطوة كبيرة تستعيد التأصيل العلمي للدرس الموسيقي العربي.

المساهمون