مأساة ريان... لحظة فارقة للصحافيين المغاربة

مأساة الطفل ريان... الصحافي المغربي في مواجهة لحظة فارقة إنسانياً ومهنياً

16 فبراير 2022
واكب الصحافيون كل تفاصيل القضية منذ يومها الأول (فاضل سنّا/فرانس برس)
+ الخط -

"شخصياً، تأثرت كثيراً بهذه التغطية، كنت أعمل بمجهود كبير، وكانت تغطية مشهد إخراج الطفل مفارقاً للحياة، والحزن البادي على والديه وعلى الجميع، لحظة صعبة. كان المرور المباشر للحديث عنها ووصفها أمراً مؤلماً. فالصحافي إنسان قبل كل شيء". بهذه الكلمات استهلّ الصحافي في القناة الأولى المغربية، عبد الحميد جبران، حديثه عن أصعب اللحظات التي لن تُمحى من ذاكرته خلال تغطيته لمأساة سقوط الطفل ريان أورام، في بئر سحيقة في ضواحي محافظة شفشاون شماليّ المغرب.

وبينما لا تزال روح الطفل ريان حاضرة، بعد أسبوع من مواراته الثرى في مسقط رأسه بقرية إغران في ضواحي شفشاون، بعد عملية إنقاذ صعبة واستثنائية في تاريخ المغرب، وجد العشرات من الصحافيين المغاربة الذين غطوا العملية أنفسهم أمام لحظة فارقة إنسانياً ومهنياً. يقول جبران لـ "العربي الجديد": "كانت تجربة إعلامية استثنائية ولا تُنسى، لكونها همّت قضية إنسانية شغلت العالم، وتحولت إلى قضية رأي عام دولي، وكانت الحاجة كبيرة إلى المعلومة الصحيحة والدقيقة في المغرب، كما من الخارج".

من جهته، عاش مدير نشر ورئيس تحرير موقع "إيكو بريس"، عبد الرحيم بلشقار، على مدى ثلاثة أيام، لحظات استثنائية في أثناء تغطيته لمأساة الطفل ريان، التي شدت أنظار المغاربة والعالم وحبست الأنفاس في حالة ترقب قصوى خلال الأيام التي استغرقتها عملية الوصول إليها المعقدة. يقول لـ"العربي الجديد": عشت تغطية حادثة الطفل ريان بمشاعر مختلطة يتدفق فيها الشعور الإنساني بموضوع القصة مع الواجب المهني وما يتطلبه من دقة وسرعة في آن واحد في نقل الخبر، على اعتبار أن التطورات كانت تسير ببطء زمنياً والمعلومات الرسمية شحيحة للغاية، وخصوصاً في الأيام الثلاثة الأولى. فكان الجديد فيها في كثير من الأحيان خلال قيامنا بتحديث الأخبار على رأس الساعة، إخبار المتابعين بأن الجهود متواصلة دون أي جديد مهم".

وفي ظل ظروف استثنائية وقاسية، غطى الصحافيون المغاربة المأساة ويومياتها، وحاولوا تقديم صورة مهنية وحقيقية عنها، لكن عملهم لم يكن باليسير في ظل تحديات وصعوبات عدة اعترضت سبيلهم. وبحسب جبران، فإن الرهان الأكبر كان احترام الضوابط المهنية، من خلال التحري الجيد والبحث عن المعلومات الدقيقة والتيقن منها من مصادرها الموثوقة، قبل تقديمها للمشاهد، وعدم السعي وراء "البوز" والتسرع، إلى جانب ضرورة احترام اخلاقيات المهنة، من خلال مراعاة مشاعر الوالدين وأسرة الطفل في نقل الأخبار، واحترام الحق في الصورة، عبر تجنب نشر صور الطفل المأساوية. 

ويتابع: "كصحافي في التلفزيون العمومي، كانت المسؤولية كبيرة، لأن المواطن المغربي كان ينتظر المعلومات الدقيقة والصحيحة، عبر الصوت والصورة للاطمئنان على حالة الطفل وحظوظ إنقاذه على قيد الحياة، وهنا تكمن قوة التلفزيون". ويلفت إلى أن ظروف العمل كانت صعبة من خلال النوم في السيارة وبرودة الجو، والبعد عن أي مدينة أو مركز حضري كبير. كذلك إن شحّ المعلومات وتعتيم السلطات عن كثير من تفاصيل العملية كان يضاعف المجهود المبذول للبحث عن المعلومة، فضلاً عن العياء، لكون العملية طالت لليوم السادس، ثم كثرة التقارير واضافة نشرات استثنائية مع ما شكله ذلك من ضغط أكبر.

وعانى الصحافيون المغاربة أيضاً من كثرة المعلومات المغلوطة والإشاعات وعدم جدية الكثير من المنابر الإعلامية، الأمر الذي شوش على العمل الميداني للإعلاميين والصحافيين الجادين والساهرين على الضوابط المهنية، وفق جبران.

غير ذلك، واجه الصحافيون المغاربة صعوبات كثيرة واستثنائية، في ظل تعامل السلطات بحذر شديد مع الحادث، حيث كان على الصحافيين بعد ركن سياراتهم قطع نحو أربعة كيلومترات مشياً على الأقدام في منطقة جبلية وعرة للوصول إلى مكان الحادث، وهو ما أنهك قواهم واستنزفها، خاصة في ظل عدم توافر الأكل، وفق ما يقول الصحافي بموقع "هسبريس" نور الدين إكجان، مشيراً إلى أن الصحافيين المغاربة عانوا الأمرين من أجل إنجاز عملهم وتأمين تغطية مهنية للمأساة جراء ضعف شبكات الاتصالات في المنطقة الجبلية.

ويلفت الصحافي المغربي، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى معاناة أخرى عاشها الصحافيون خلال القيام بمهامهم بسبب اختلاط الصحافيين بالمؤثرين والجمهور وأصحاب الصفحات في "فيسبوك"، بعد أن حجوا إلى مكان الحادث، وعدم تمكن السلطات من التعامل مع الأمر بالشكل المطلوب.

ويؤكد أن غياب مخاطب ثابت على مدار الساعة خلق العديد من الصعوبات للصحافيين الذين وجدوا أنفسهم في دوامة جراء شُحّ المعلومات من جهة، وضغط غرف التحرير من جهة أخرى، موضحاً أن التواصل مع الصحف والقنوات الدولية كان شحيحاً، وأن الوصول إلى المعلومة كان يقتضي القيام بجولة طويلة على العائلة والسلطات وفرق الإنقاذ، فيما كان الوصول إليهم أمراً صعباً حينها. وهو ما لم يكن حال الإعلام العمومي الذي استفاد من عدد من الامتيازات، وتوافرت له كل الظروف وزوايا توثيق ممتازة والقرب من المصرّحين والمسؤولين. 

وإجمالاً، يرى إكجان أن تغطية مأساة الطفل ريان كان امتحاناً للصحافيين المغاربة الذين لم يعتادوا تغطية مثل هذه الأحداث، وأكسبتهم تجربة في التعاطي معها، معتبراً أن الكثير من وسائل الإعلام وُفقت في مهمتها باستثناء قنوات اعتادت الرهان والإثارة و"البوز".

المساهمون