فيلم "كودا": صوتٌ يعلو في بيت أصم

فيلم "كودا": صوتٌ يعلو في بيت أصم

23 أكتوبر 2021
فاز "كودا" بأربع جوائز في مهرجان "صندانس" السينمائي 2021 (آبل)
+ الخط -

على متن مركب صيد وسط البحر تطل علينا مراهقة تغني بأعلى صوتها بينما تساعد والدها وأخاها الأكبر المنهمكين بإخراج شبكة الصيد وفرز الأسماك. لا يبدو عليهما الاكتراث لغنائه،  ليتبدّى لنا لاحقاً أنهما لا يسمعانها، فهي، كما يشير اسم الفيلم "كودا" Coda، ابنة قادرة على السمع نشأت مع والدين من الصم. ومع ذلك، لا يمكننا اعتبار الفيلم الذي كتبته وأخرجته سيان هيدر، والفائز بأربع جوائز في مهرجان "صندانس" السينمائي 2021، والمقتبس عن الفيلم الفرنسي "لا فامي بيلييه" (2014)، فيلماً عن الصم فقط.

منذ بداية الفيلم يظهر لنا انقسام "روبي" (إيميليا جونز) بين حياتين، واحدة كطالبة في سنتها الأخيرة في المدرسة الثانوية تعاني من مشاكل في الثقة بالنفس لتنمر زملائها الدائم عليها، كونها قادمة من عائلة فقيرة صمّاء، وأخرى تسبب لها الإنهاك المستمر الذي يفرضه عليها الالتزام بمرافقة عائلتها في أعمالهم المتعلقة بالصيد وتجارة الأسماك لدورها الأساسي في التواصل بينهم وبين العالم.

عند اكتشاف "روبي" لموهبتها في الغناء بعد التحاقها بصف الموسيقى، تصبح أكثر جرأة للتخلص من مخاوفها. وبتشجيع مدرّس الموسيقى الذي يفتح أمامها آفاقاً أوسع من عالمها الضيق، تبدأ باكتشاف الجانب الآخر من الحياة المتعلق برغباتها الخاصة بعيداً عن العائلة والواجب، ولكن مع تصاعد الأحداث على الجانب الآخر المتعلق بأعمال الصيد، واعتماد العائلة عليها بشكل أساسي للتغلب على الأزمات التي تواجههم، تجد "روبي" نفسها عالقة في المنتصف، وعليها ترجيح الكفة تجاه طرف واحد.

في سياق السرد نجد العائلة بأكملها عالقة في مكانٍ يكبّلها ويمنعها من فرصة أفضل للعيش، الأم "جاكي" (مارلي ماتلين) التي وجدت نوعاً من الأمان في مجتمعها المحدود، بعيداً عن مجتمع تجد صعوبة في التواصل معه، تتجلى هواجسها في أسلوب تعاملها مع "روبي"، ومحاولات إبعادها عن المجتمع الأرحَب انطلاقاً من مخاوفها الذاتيّة. بينما الأب "فرانك" (تروي كوتسور) غارق في عالمه الصغير المتمثّل بأسرته الصغيرة وصيد السمك. ويمثل الأخ الأكبر (دانييل ديورانت) الجانب المتمرد في العائلة الذي يعيش توقاً إلى تحمُّل مسؤوليات أكبر، من دون البقاء في ظل "روبي" إلى الأبد.

في بداية الفيلم يبدو أفراد العائلة كغرباء تماماً في المدينة. في مشهد الحفل المدرسي تبدو الفجوة بينهم وبين المجتمع في أوضح صورها: ملامح الخوف والاغتراب وهم يتفاعلون مع الموسيقى بناء على ردة فعل جمهور الحفل. يُقطع الصوت عن الشريط مع استمرار الفرقة في الغناء والجمهور في التفاعل، مشهد يخلق تقارباً بيننا وبين الشخصيات، نعيش عزلتهم ونرى العالم من منظورهم، دقائق كفيلة لنراقب الحياة في عيون مجتمع صامت. مع تقدّم السرد، يبدو الحل أقرب، نقطة التقاء تحتاج إلى مبادرة من الطرفين.

على مجتمع الصم الخروج من العزلة، والتجرّؤ على المواجهة عوضاً عن الهروب، والتعبير عن أنفسهم بشجاعة. وعلى المجتمع المحيط القادر على السمع، إعطاؤهم فرصة للتعبير عن أنفسهم، أن يصبحوا أكثر ألفة مع لغة الإشارة ومع الطرق المختلفة في التواصل فكلا الطرفين لديه مشكلة في سماع الآخر.

دلالات

المساهمون