سينما هوليوود: منافسة جدية من الصين وبريطانيا

24 ديسمبر 2020
الصورة
تصوير "صراع العروش" في بريطانيا جذب الكثير من شركات الإنتاج العالمية (فيسبوك)
+ الخط -

لم تكن صناعة الأفلام والمسلسلات التلفزيونية الأميركيَّة في هوليوود واجهة فنية من أجل العرض والترفيه فقط، بل كانت تشكِّل مواد تصدير رائدة للمشروع التجاري الأميركي المرافق لعبارة "الأمة الأعظم على الأرض". المشروع السينمائي الأميركي يأتي بالتوازي مع "الحلم الأميركي" الذي يصدِّر للعالم "مُثُلاً" مثل الديمقراطية والحرية القائمة، وفق أطر سيادية تعبر ضمنًا عن رسالة الإمبراطورية الأميركية وأسسها وأدواتها المتبعة، بشكل يقوض كل ما هو مناوئ لرؤيتها. 

وإن كانت هذه الرؤية تنطوي على معنى دبلوماسي وسياسي مباشر، لأن أميركا تقوم من خلال الصناعة البصرية على خلق تصورات تسهّل صياغة علاقاتها الإمبريالية مع باقي دول العالم، عبر مضامين تستوعب تاريخ الثقافات والحضارات الأخرى. 
وتدرك الأسواق المنافسة هذه المفاهيم، وإن كانت تأخذ بعين الاعتبار الفروقات التاريخية والثقافية لهذه الصناعة، غير أنها في العقدين الأخيرين بدأت تجترح المسافات التي خلقتها هوليوود من خلال المحاكاة في شتى المجالات المؤثرة، تكنولوجيًا وصناعيًا وثقافيًا. عملت هذه الشركات المنافسة على سد الثغرات الإنتاجية في عملية تكوين صناعة تحاكي النسيج الهوليوودي، وتناسب أدواتها المستحدثة خلفيات المجتمعات وتنوعها الثقافي. وإن كانت المؤشرات لا تزال لصالح هوليوود، إلا أن هذه الأخيرة باتت مهددة أمام صعود أسواق دولية أخرى، تنافس بالكم والنوع عرش هوليوود كالصين وبريطانيا. 

الصين تقارع بأعمالها
تتضح معالم الخوف لدى أهم وأكبر الاستديوهات الأميركية، أمام انعكاسات الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. إذْ شملت، إلى جانب الصراع التكنولوجي والصناعي، الإنتاج السينمائي، الذي تأثر سلبًا من ناحية عدد أفلام هوليوود التي يسمح لها بالدخول إلى الصين. ويشير تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" في نهاية العام الماضي، إلى أن الطفرة الصينية قلبت السيناريو. إذْ كانت هوليوود ترى في الصين موطنًا لتوسعها ورفع نسبة ثروتها، باعتبارها أكثر أسواقها الدولية ربحًا. وأصبحت الصين نذير شؤم على واحدة من أكثر الصناعات التصديرية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة. فمع بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة أخذت الحكومة الصينية بتطبيق تدابير عدة كان من شأنها أنها رفعت من منسوب الإنتاج المحلي، وحدّت من توسع الإنتاج الأجنبي داخل بلادها. فأصبحت الأفلام الأجنبية تُعرَض في الصين وفق نظام رقابي صارم. إذ تحدد مجموعة أفلام الصين (China film group)، عدد الأفلام التي يسمح بإنتاجها، وتضبط أجور الممثلين، وتم تحديد نسبة الأفلام الأميركية التي يجب أن تدخل إلى البلاد، إذْ لا يجب أن تتجاوز حاجز الـ30 بالمئة. وهو ما مهد للأفلام الصينية ذات الميزانية الضخمة بالاستحواذ على الحصص في بلدها الأم، وتقليص منسوب عدد "الأفلام المستوردة".

وبدون عائدات شباك التذاكر الصيني، فإن قدرة هوليوود على تمويل أفلام ذات ميزانية ضخمة ستنخفض. وهذا ما يفتح المجال للصناعة المحلية الصينية للنهوض والنمو وتقديم أعمال لها رؤية مختلفة ومعاصرة تتنوع مواضيعها وحكاياتها بشكل متقن تنافس بجاذبيتها روح هوليوود المعتادة. وأسفرت هذه القوانين عن خلق مشاريع وصفقات إنتاجية مشتركة، أتاحت أمام صنّاع الأفلام الصينيين الحصول على معرفة فنية متنوعة الثقافات، سمح بازدهار السينما الصينية. وصارت الأفلام الصينية المتنوعة بين الخيال العلمي والفضاء والفانتازيا والأكشن موجودة في دور السينما في أميركا الشمالية، وأصبحت تجذب مرتادي السينما من الأميركيين والكنديين أيضًا. وقد وصلت إيرادات شباك التذاكر للأفلام الصينيَّة في نهاية العام الماضي، بحسب التقرير نفسه، إلى ما يقارب 9 مليارات دولار. لتصبح الصين ثاني أكبر سوق للأفلام في العالم متجاوزة نظيرتها اليابان بأربعة أضعاف، ولتقترب من الولايات المتحدة التي بلغ حجم إيراداتها 12 مليار دولار.

سينما ودراما
التحديثات الحية

هوليوود لندن
ولا تزال بريطانيا واحدة من أهم وأفضل الوجهات التصويرية التي تستقطب كبريات شركات الإنتاج الأجنبية، وذلك بفضل مناظرها الخلّابة ومواقعها التاريخية المميزة والآسرة، فضلًا عن نجومها البارعين والأكفاء واللغة الإنكليزية المناسبة والمتوافق عليها محليًا وعالميًا. غير أن هذه المواصفات لم تمنع من وضع السينما البريطانية، على مدى عقود طويلة، تحت كنف السينما الأميركية، بشكل فقدت السينمائية البريطانية معه هويتها الخاصة. ووفق تقرير نشرته وكالة "فرانس برس" الفرنسية الشهر الماضي، لم يكن أمام السينما البريطانية من متنفس لها إلا عبر أفلام ذات طابع تراثي تاريخي، تعبّر عن تجارب وشخوص يفتقر إليها المجتمع الأميركي كقصص الملوك والملكات. إذْ أرادت الصناعة السينمائية البريطانية أن تميّز نفسها عن الأميركيَّة، مبتعدة عن الإنتاج المشترك، ومحاولةً بناء هوية خاصة. 

وتمتلك السينما البريطانية جميع المقومات الإنتاجية المناسبة لتطويرها وتنفيذها محليًا ثم تصديرها. بداية من الاستثمارات والشراكات الأجنبية، والتي تأتي على رأسها واردات الإنتاج الهندي. إذ تجد السينما الهندية مواقع التصوير البريطانية الجهة المفضلة للكثير من أفلامها، إلى جانب النظام الضريبي المناسب لإنتاجات بوليوود. ثم عمدت السلطات المحلية إلى توفير تسهيلات كبيرة لعمليات الإنتاج، وأقدمت على إنشاء استديوهات عملاقة شجعت عليها جملة من الأعمال ذات الشعبية الواسعة التي صورت في بريطانيا، منها سلسلة أفلام جيمس بوند و"ستار وورز" وهاري بوتر، وعدد من المسلسلات، مثل "صراع العروش"، ضمن مشروع كلفته 300 مليون جنيه إسترليني، سيرى النور عام 2022، وهو مشروع يطمح إلى أن يصبح "هوليوود لندن"، بحسب ما أشار إليه تقرير "فرانس برس". 

المساهمون