سيد النقشبندي... ما قبل بليغ

سيد النقشبندي... ما قبل بليغ

10 ابريل 2023
أدّى النقشبندي أعمالاً بمصاحبة آلات موسيقية قبل تعاونه مع بليغ (فيسبوك)
+ الخط -

لعلها مفارقة غريبة أن تكون الإذاعة أكبر أسباب شهرة المنشد المصري سيد النقشبندي، ثم تكون في الوقت نفسه سبباً أول في حجب التراث الضخم الذي خلفه الرجل. فبينما ظلت إذاعة القرآن الكريم من القاهرة قرابة ثلاثة عقود تكرر تسجيلين شهيرين للشيخ، اقتصرت إذاعة البرنامج العام، ومعها التلفزيون، على بث 30 دعاء رمضانياً، بعيد أذان المغرب، مع تكرارها كل عام.

أما ابتهالات الشيخ وأناشيده بالمصاحبة الموسيقية، فكاد الإعلام يتواطأ على اختزالها في نشيد "مولاي إني ببابك". ومع التكرار المستمر، أصبح ذهن المستمع يستدعي تلقائياً نغمات هذا النشيد كلما جاء ذكر اسم النقشبندي، وتناست الجماهير، أو بالأحرى أُنسيت، ذلك الرصيد الضخم من تعاون الشيخ مع كثير من الملحنين الشهيرين.

وعلى عكس كل القراء والمنشدين، كان التلفزيون أسبق بخطوة من الإذاعة في تقديم الشيخ النقشبندي إلى الجمهور، عبر لقاء مع الإعلامي الشهير أحمد فراج، وهذا الظهور المتلفز يعطي انطباعاً زائفاً بسهولة الإحاطة بالمسيرة الفنية للشيخ. لكن، مع الخطوات العملية، سيكتشف من يبحث في تاريخ النقشبندي أن أسئلة وإشكالات بعرض صوت الشيخ، ما زالت معلقة لا تجد إجابة شافية، ومن بين هذه الأسئلة يتقدم الاستفهام عن الأسباب المنطقية التي تفسر تأخر اعتماد الشيخ إذاعياً إلى عام 1966، أي وهو في سن السادسة والأربعين، لتصبح رحلته مع الإذاعة هي الأقصر بين مجايليه من أعلام الإنشاد. وإذا كانت المقارنة لا تصح بالشيوخ طه الفشني ومحمد الفيومي وعبد السميع بيومي، باعتبارهم أكبر منه سناً، فإنها تصح مثلاً مع الشيخ نصر الدين طوبار الذي سبق النقشبندي إلى ميكروفون الإذاعة بعشر سنوات كاملة.

في مفكرته اليومية، دوّن النقشبندي بخط يده أنه ذهب إلى الإذاعة يوم 10 يناير/ كانون الثاني سنة 1955، لكنه لم يستطع إقناع الأستاذ محمد حسن الشجاعي بقبوله. وأرجع الشيخ ذلك "لعدم وجود الفرصة المناسبة". الشجاعي كان رجلا صعب المراس، متشدداً في اختيار الأصوات، شغل منذ عام 1953 منصب المستشار الفني للإذاعة، ثم عين رئيساً للجان الاستماع بها. وعُرف بصرامته وتدقيقه الشديد في اختيار الأصوات، سواء كانوا من المطربين، أو القراء والمنشدين. ومن يستمع إلى محافل النقشبندي في المسجد الأموي في مدينة حلب عام 1957، سيدهش من حجم موهبة الشيخ وقوة صوته وجلال أدائه، ثم تتضاعف الدهشة حين يعلم أن صاحب هذا الصوت لم يكن ضمن زمرة المشايخ الإذاعيين، بل احتاج إلى ما يقرب من عقد كي يجد صوته فرصةً عبر الأثير.

وعلى الرغم من قصر العمر الإذاعي للنقشبندي، فإنه كان صاحب الرصيد الأكبر من تسجيلات الابتهالات والأدعية والأناشيد والقصائد بين أعلام المنشدين المصريين. ومن أهم جوانب تراثه تلك الثروة الهائلة من الأعمال الغنائية التي نتجت عن تعاونه مع عدد كبير من الملحنين المصريين. ومن المؤسف أن هذا الجانب من تراث الشيخ سيد تعرض لإهمال شديد، حتى كاد يطويه النسيان.

وخلال السنوات الماضية، ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، نالت السيرة الفنية للنقشبندي نصيبها من الإشاعات والأكاذيب والخرافات، وأحيطت قصة تعاونه مع بليغ حمدي بقدر كبير من التوابل، وغرق كثير من الصحافيين ومُعدي البرامج التلفزيونية في بحر الإشاعات الضخم، حتى تعامل بعضهم مع نشيد "مولاي" باعتباره أول تجربة غنائية (بالآلات الموسيقية) للشيخ سيد الذي ساوره القلق بادئ الأمر، ثم زال قلقه بعدما استمع إلى ألحان "الجن" بليغ حمدي، كما روج إعلامي عُرف باختلاق القصص الجذابة.

لم يكن الشيخ بعيداً عن الإنشاد بالمصاحبة الموسيقية، ففي سنوات ما قبل الاعتماد الإذاعي، أنشد بمصاحبة الآلات في كثير من الجلسات الخاصة، وفي شبابه كان يؤدي أحياناً بعض أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب. وبعد اعتماده إذاعياً بفترة وجيزة، بدأت الرحلة الكبيرة للنقشبندي مع الألحان والآلات. وكانت حلقات برنامج "في نور الأسماء الحسنى" عام 1967 مستهل تلك الأعمال المصحوبة بالموسيقى، واشترك في أغانيها محمد قنديل وسعاد محمد وعائشة حسن، بألحان أحمد صدقي ومحمود الشريف. وفي العام نفسه، سجل الشيخ أدعية المسلسل الإذاعي "الباحث عن الحقيقة"، من ألحان محمد الموجي.

وفي مايو/ أيار عام 1968، سجل الشيخ برنامج "مع الله" لإذاعة صوت العرب بمصاحبة آلة القانون. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، سجل ثلاثين نشيداً تحت عنوان "سبحانك ربي سبحانك"، من كلمات الشاعر عبد السلام أمين وألحان حلمي أمين، وهي من أشهر أعمال الشيخ، لأنها حظيت ببث متكرر. وعام 1970، أنشد النقشبندي "يا رب كرمك علينا" من ألحان الموسيقار أحمد فؤاد حسن. ومن المفقودات المهمة ثلاث مواد إنشادية، شارك بها الشيخ في فيلم "الطريق الطويل" من إخراج مصطفى كمال البدري، وألحان حسين فوزي، عام 1968.

تنسف الحقائق الفنية ركامَ الشائعات الصحافية. وفي دفتر الحقائق، أن النقشبندي أنشد عشرات الأعمال بالمصاحبة الموسيقية بين عامي 1967 و1970، وأنه وبليغ حمدي التقيا في حفل خطبة ابنة الرئيس محمد أنور السادات (1918 - 1981)، مساء يوم 17 أكتوبر/ تشرين الأول عام 1971، فأبدى الرئيس رغبته في أن يستمع إلى صوت الشيخ بألحان حمدي، وأن العمل بدأ صباح اليوم التالي، 18 أكتوبر/ تشرين الأول، برعاية وزير الإعلام عبد القادر حاتم.

ولا ريب أن من يستمد معلوماته من دفتر الحقائق، ويطلع على هذا التعامل الواسع للنقشبندي مع الألحان والموسيقى، لن ينخدع بموضوع صحافي يزعم أن الشيخ تردد في قبول التعاون مع بليغ حمدي عام 1971، لأسباب فقهية. كما أنه لن يكترث لضيف في برنامج تلفزيوني يزعم أن الشيخ كان قلقاً من "موسيقى بليغ الراقصة"، ليس فقط لأن العمل والتنفيذ بدأ بعد ساعات من اقتراح الرئيس، ولكن لأن بليغ حمدي في هذا التاريخ كان يحظى بالفعل بمكانة فنية وجماهيرية كبيرة جداً، وقد مر عقد كامل على بدء تقديمه ألحاناً لأم كلثوم.

لا يمكن لأحد أن يجادل في أهمية اللقاء الفني بين النقشبندي وبليغ حمدي، ولا أن ينكر الانتشار الجماهيري الكبير لنشيد "مولاي". ولا يمكن لأحد أن يعترض على الاحتفاء الصحافي والإعلامي بهذا العمل، مع ضرورة أن يقتصر الاستعراض على الحقائق لا الشائعات، وتلك هي الحدود الدنيا التي تمثل فاصلاً بين ما يقبل وما يُرد، أو أن يرتقي العرض إلى محاولة فهم سياق هذا الانتشار، ومن ضمنه أن الإذاعات والقنوات اختزلت تعاون النقشبندي مع الملحنين جميعاً في لقائه مع بليغ حمدي، ثم اختزلت ألحان بليغ للشيخ وهي 15 لحناً في "مولاي إني ببابك"، أولاً، و"أقول أمتي" تالياً، مع فارق شاسع.

لقد أنشد الشيخ سيد النقشبندي أعمالاً صاغها ملحنون كثيرون، من بينهم أحمد صدقي، ومحمود الشريف، وعبد العظيم محمد، وأحمد عبد القادر، ومحمد سلطان، وأحمد فؤاد حسن، وحلمي أمين، ومحمود إسماعيل جاد الله، وحسين فوزي، وإبراهيم رجب. ومع كل هذا الثراء والتنوع، ضيقت الإذاعة دائرة اختياراتها النقشبندية لتنحصر في ثلاثة أو أربعة أناشيد، ثم كادت أن تكتفي من هذا القليل بـ"مولاي"؛ فظلمت تراث الشيخ، وظلمت كل هؤلاء الملحنين الذين افتخروا يوماً بأن ألحانهم أُديت بصوت النقشبندي. ثم ظلمت بليغ حمدي نفسه، بإهمال مجموعة ألحانه للشيخ التي سماها ناظمها الشاعر عبد الفتاح مصطفى "أنغام الروح".

وقد كانت لهذا الإهمال آثار واضحة، فالفرق الموسيقية، "العادية" و"التراثية"، وفرق الإنشاد الديني، الحكومية والأهلية، المصرية أو السورية، جعلت من نشيد "مولاي إني ببابك" فقرة ثابتة، في كل احتفال بمناسبة دينية، أو احتفاء بالنقشبندي، أو بليغ حمدي، وبقدر من التكرار الذي يضر حتما بأي عمل فني، ولو كان يحوز الحسن من أطرافه، لا سيما عند المنتظمين في حضور تلك المحافل.

لكن التكرار عبر الإذاعة والتلفزيون له أثر مختلف، إذ يُنشئ علاقة غير فنية بين المتلقي والعمل الغنائي، من خلال حالة نفسية ووجدانية ترتبط بالذكريات والطفولة والأشخاص الراحلين، أو بأحداث سياسية أو وطنية، أو بقصة حب لم تكتمل. ومع الوقت، يتجاهل المتلقي هذه الأبعاد، ثم يرجع حبه وتقديره للعمل الغنائي إلى أسباب فنية، غالبا ما تكون غير واقعية.

كان الشيخ سيد النقشبندي دوما علامة من علامات شهر رمضان، تعودت الجماهير على سماع صوته عقب أذان المغرب مباشرة، أي لحظة الاجتماع على الإفطار. وظلت الإذاعات تكرر 30 دعاء، بالرغم من أن أرففها تحفظ 240 دعاء رمضانيا بصوت الشيخ. لم يكن هذا الموقف مؤامرة ضد المنشد الكبير، ولا كان تعمدا لمنع تراثه، ولكنه مثل تكرار نشيد "مولاي" مجرد تصرفات لـ"موظفين" كسالى لا اكتراثيين، لا يهمهم إلا قتل الوقت، وانتهاء يوم العمل. وظهر تجار الشائعات الذين لا يملكون قدرة على تبيين الجماليات الفنية، ويظنون أن الحديث عن هذه الجماليات لا يكفي لشد انتباه الجماهير، فأضافوا "الخلطة السحرية" من الخرافات والأوهام، ليصبح نشيد "مولاي" قصة مسلية تلوكها الصحف والمواقع. ووسط ضجيج الحكايات والتسالي، يضيع تراث موسيقي ضخم، أنجزه النقشبندي في "سنوات قبل بليغ".

المساهمون