جلبرت حاج... أن تصبح زهور التوليب زومبيز

01 فبراير 2023
يتساءل الفنان عن حال الإنسان بعد جائحة كوفيد-19 (العربي الجديد)
+ الخط -

صور لأكثر من زهرة توليب، احتلت القاعة الرئيسية لغاليري تانيت في بيروت، في معرض الفنان الفوتوغرافي، جلبرت حاج، الذي يحمل عنوان The Earth Is Like a Child That Knows Poems by Heart (عنوان مستعار من الشاعر ريلكه: الأرض طفل يحفظ القصائد عن ظهر قلب)، وافتتح في 19 يناير/ كانون الثاني، ويستمر لغاية 28 فبراير/ شباط الحالي.
جلبرت حاج ليس مختصاً بتصوير الزهور، وإن كان يحبها، إنما هي ذريعته ليبتكر المفهوم الذي ينطوي عليه معرضه الجديد. زهور المصور الفوتوغرافي وذريعته كانتا أيضاً ملاذه أثناء الحجر الصحي خلال جائحة كورونا عام 2020، ولأنه ليس مصوراً للزهور، فقد أفرغها من ألوانها، ليسحب منها الروح، ولم يُبق إلا على "سيلوويت" التوليب، وبعض الخطوط على بتلاتها.
قبل أن يصورها، كان لها لون، وعلى الأرجح رائحة، وإن كانت هذ الأخيرة ليست ما يميز التوليب. وكما أن صورة الزهرة لا تلتقط رائحة الزهرة ولا تعبق بها، فصور حاج للتوليب لا تلتقط لونها أيضاً، اللون الذي كان لها، فصارت في الصورة بيضاء بورسلانية أقل حياة من حياة أي زهرة.

أشباح عالقون

المتابع لأعمال الفنان السابقة I Hated You Already Because Of The Lies I Had Told You - 2017, Phone Ethics -2006, With Strings Attached -2006، سيدرك أنه حتى لو قرر تصوير التوليب قبل جائحة كورونا وبمعزل عنها، لما اختار تصويرها كزهور، وربما لم يسحب لونها منها. ولكن ما سُحب منّا جميعاً خلال فترة الحجر الصحي، ما كان ليمرّ مرور الكرام على التوليب وعلى الطبيعة وعلى الجمال أينما حلّ. الحلول الفنية، والأسئلة التي بسببها نبحث عن حجج والأجوبة عن تلك الأسئلة، لم تبق كما كانت قبل الجائحة.
71 صورة لها قياس موحد (26.9 في 23.3)، وخلفية بلون رمادي غامق، هي حصيلة ساعات وأيام وأسابيع من المشي هرباً من الحجر ولجوءاً إلى التوليب الذي كان أحمر، وكان يوماً ما حياً.

معرض جلبرت حاج في بيروت (العربي الجديد)
زهور المصور الفوتوغرافي كانت ملاذه أثناء الحجر الصحي (العربي الجديد)

في القاعة الثانية، يعرض جلبرت حاج أعمالاً مختلفة تماماً. عددها أقل (ست صور)، قياساتها مختلفة (110 في 85.5) ومؤطرة عكس صور التوليب. ولكن ليس هذا ما يجعلها مختلفة فعلاً. عنوان هذه المجموعة ?Toufican Zombies في إشارة إلى نصّ Vampires: an uneasy essay on the undead in film لمخرجه جلال توفيق، شريك الحاج في أعمال فنية أخرى. وفي الإصدار الورقي المرافق للمعرض، والذي يحمل عنوان مجموعة هذه الصور نفسه، نرى صور الزومبيز، بالإضافة إلى نَص جلال توفيق عنها، وكان قد نُشر عام 2003.
الأشباح عالقون بين الحياة وما بعدها، لأن لديهم أموراً عالقة، ولا يمكنهم الانتقال قبل حلها. هذا ما كتب عنه جلال توفيق مستحضراً شبح والد هاملت، الذي رفض الانتقال قبل أن ينتقم له ابنه ممّن قتله. وبحسب نص جلال توفيق، فإما أن يتعايش الناجون مع وجود الأشباح التي تطاردهم لتذكرهم بالمحاسبة، ويقاومون إغراء تجاهلهم، أو سيتحولون إلى زومبيز: أحياء أموات.
يبدو أن جلبرت حاج متعايش مع أشباحه، التي قد تكون أشباحاً لديها همّ وثأر جماعي لا يخص الفنان وحده، إنما كل اللبنانيين. ومن هنا اختار العمل على ما عمل عليه مسبقاً جلال توفيق بعد عشر سنوات من "انتهاء" الحرب الأهلية اللبنانية. تغيّر التوقيت، ولكن الثأر تراكم، وتضاعفت الأشباح وصار اللبنانيون أقرب لأن يصبحوا زومبيز.

مرآة لما سنبدو عليه

صور جلبرت حاج لوجوه الزومبيز بكل ضياعها وتشابه تشوهها، وفقدانها لاكتمال ملامحها، هي المرآة التي يضعها أمامنا لمشاهدة ما سنبدو عليه إذا ما أنكرنا وجود الأشباح، ورفضنا الاستماع إلى ما تهمس لنا به، وتجاهلنا أسباب مطاردتهم لنا نحن الأحياء قبل أن نصبح أحياء/أموات. وربما في الحال الذي يعيشه (أو يموته) اللبنانيون؛ فإن هذه الصور هي مرآة تعكس ما أصبحوا عليه فعلاً، أو ما أصبحت عليه الفئة التي تخاف الاعتراف بوجود الأشباح، فتتناساها وتنسى ما تحاول أن تذكرها به.

معرض جلبرت حاج في بيروت (العربي الجديد)
من أعمال المعرض (العربي الجديد)

هكذا، تتعايش هذه الفئة وتتأقلم وتتطبع مع نتائج الكوارث (كأنها كوارث طبيعية) ومع مسببيها، كما تعايشت والدة هاملت مع مقتل زوجها، وتجاهلت الشبح العالق، وتحولت إلى حية/ميتة، جسد لا حياة في عينيه ولا مشاعر. وكما يبدو أن اللبنانيين تعايشوا مع كل الأزمات المستجدة، بدءاً من مسببات انتفاضة 17 تشرين عام 2019، مروراً بتفجير المرفأ عام 2020، وصولاً إلى الوضع المعيشي الكارثي، وخسارة اللبنانيين أموالهم المودعة في المصارف، وانخفاض قيمة العملة الوطنية، وأخيراً محاولات نسف التحقيق بتفجير المرفأ المتكررة.
تصميم الغاليري يُلزم الزائر بمشاهدة صور التوليب قبل صور الزومبي. وربما للوهلة الأولى، قد لا يجد المتلقي علاقة بين الاثنين؛ ذريعتي الفنان. لكن، عندما جرّد جلبرت حاج التوليب من ألوانها التي هي روحها، وأخفى تفاصيل ملامحها وجعلها متشابهة إلى حدّ كبير، كان يمهّد لنا ما ينتظرنا في الصالة الأخرى، حيث صور الزومبي المتشابهة بموتها وبغياب بريقها، كأنه يقول لنا سنبدو وديعين في البداية، بحيث يرغب المارون قربنا بالنظر إلينا، وربما لمسنا للتأكد من أننا حقيقيون، وللتحقق من طبيعة هذا السلام الذي يسكن سحناتنا، ولكن عندما يتعمقون أكثر سيكتشفون موتنا أحياءً، وأن تشابهنا كتشابه بياض زهرات التوليب الخالي من أي ملمح، تشابه الذين يسهل كسرهم كالبورسلين.

المساهمون