بيلوتشي تُقدِّم كالاس: عصران في حوار بين سوبرانو وممثلة

بيلوتشي تُقدِّم كالاس: عصران في حوار بين سوبرانو وممثلة

04 ديسمبر 2023
مونيكا بيلوتشي تؤدّي ماريا كالاس في أثينا عام 2021 (لويزا غوياماكي/فرانس برس)
+ الخط -

 

التجمّع كبيرٌ أمام المسرح العريق "أولمبيون". الجميع ينتظرون مونيكا. مدخل الصحافة يعجّ بالمراسلين والمصوّرين مع عدساتهم الضخمة، المستعدّة تماماً لوصول "رمز الجمال الخالد" وإحدى ألمع نجمات السينما العالمية، كما وُصفت في سالونيك.

إنْ لم تكن من هواة رؤية النجوم، فلا بدّ أنْ تثير هذه الحماسة، الشعبية والرسمية والصحافية، فضولاً. حضرتْ مونيكا بيلوتشي، ضيفة الدورة الـ64 (2 ـ 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2023) لـ"مهرجان سالونيك السينمائي الدولي"، لتسلّم "جائزة الاسكندر الذهبية الفخرية"، قبل العرض الخاص لـ"مالينا" (2000)، لجوزيبي تورناتوري، الذي أدّت فيه دور أيقونة جمال، غذّت خيال مُراهق وأحلامه، ومعه رجال البلدة. قبل ذلك بيومٍ، كانت المناسبة الأولى لظهورها في المدينة، مع عرضِ "ماريا كالاس: رسائل ومذكرات" (2023)، لتوم فولف ويانيس ديموليتساس، الذي تمثّل فيه.

بدت بيلوتشي متأثّرة بهذا الاستقبال الحافل. شكرت المنظّمين على الدعوة، وأعلنت أنها "تحمل اليونان قريباً جداً من القلب". تمنّت على الجمهور، الذي ملأ القاعة كلّها، أنْ يستمتع بالفيلم (صُوِّر جزءٌ منه في اليونان)، الذي يلتقط جانباً واحداً من شخصية أيقونة الأوبرا، إلى شخصية مُبهرة أخرى، بيلوتشي نفسها، كما أعلن المدير الفني للمهرجان أوريستيس أندرياكيس. الفيلم ليس وثائقياً بسيطاً أو تقليدياً، يسرد جزءاً من سيرة كالاس، المُعتَبرة مَعلَماً من معالم اليونان، لأنّه عن أيقونة الجمال بيلوتشي أيضاً.

يزاوج العمل بين الشخصيتين بأسلوب مبتكر، متوخّياً التوثيق، ومقترباً من الروائي. وكما قال ديموليتساس، في تقديمه فكرة الفيلم ورحلته أمام جمهور المهرجان: "ما سنشاهده اليوم ليس فيلماً وثائقياً بسيطاً عن كالاس، بالتأكيد. في الواقع، سنشاهد وثائقياً عن بيلوتشي، أو مونيكا إذا كنتَ تُفضّل، التي تؤدّي ماريا من خلال رسائل الأخيرة". الفيلم يتابع الممثلة الإيطالية في تأديتها كالاس في عرض مسرحي، قُدِّم في العالم بين نهاية 2019 وبداية 2023. من خلال الشخصيتين، يتكشّف عصران مختلفان: الحالي، الذي شهد ذروة كالاس؛ وفي الوقت نفسه، يبدو كأنّه حوار بين الممثلة المعاصرة والسوبرانو الرائدة، التي علّمَت القرن الـ20.

في بدايةٍ ذات دلالة، تظهر بيلوتشي وهي تستعدّ بتأنٍّ لارتداء ثوبٍ لكالاس، مُعَدّ للاحتفالات. كأنّها تدخل في الشخصية، بملامستها الثوب الأسود الشفّاف. عند جلوسها على كنبةٍ، في مقابل جمهور غصّت به قاعة المسرح، قرأت رسائل لماريا موجّهة بمعظمها إلى حبيبها أوناسيس، بنبرةٍ دافئة وشجيّة، تُعبّر عن حزن دفين. تتابعها الكاميرا في حركة دائمة، ولا تتوقّف طويلاً عند ملامحها، كأنّها تريد إقناعنا، عبر صوتها، بأنّ ماريا من يتحرّك ويُلقي الكلمات بتأثّرٍ.

 

 

في استعدادها للظهور على المسرح، تبوح بيلوتشي أمام العدسة بشيءٍ من مكنوناتها، ورؤيتها الشخصية لملكة الأوبرا، التي تُركت وحدها مع المجد، وحُرمت ذكريات الطفولة البريئة الطازجة، التي لا تُعوّض. تقول إنّ كالاس -المولودة في نيويورك، قبل مجيئها إلى اليونان، وأصبحت نجمة في إيطاليا، ثم انتقلت إلى باريس- بغضّ النظر عن المكان الذي عاشت فيه، ومهما كان مدى إعجاب الجمهور بها، لم تتوقّف عن الشعور كأنّها أجنبية، أو ضيفة في المكان. هذا أثار تعاطف بيلوتشي، مانحاً إياها شعوراً بوجود عنصر مشترك يجمعها بها.

يتنقل الفيلم بين الشخصيتين في أسلوبٍ يثير إحساساً عميقاً بتراجيديا إغريقية، ولا سيما مع الموسيقى، ومع غناء كالاس في بعض المشاهد. زاد عليه تماهي مونيكا مع ماريا بنظرتها الحزينة الآسرة، كأنّها على بيّنة من هذه الحياة المليئة بالأمجاد والمآسي، التي عاشتها أسطورة الغناء. لم يكن البناء السردي قائماً على سردٍ وثائقي فقط، يُعنى بماريا المرأة أكثر من كالاس الفنانة، بل اهتم ببناء محور روائي، تؤدّي فيه الممثلة دور كالاس في مواقف عدّة، تُبدي ملامح من شخصيتها، عبر مكالماتها مع أوناسيس، وقراءتها رسائلها إليه، وأمكنتها. في شقّة الأخيرة، الواسعة والشاغرة في باريس، مثّلت مونيكا شعور كالاس بالوحدة، التي ابتُلِيَت بها في حياتها الشخصية، ونقلت إحساسها بالتخلّي، في هذا المكان الفخم الواسع، وشعورها بالحرمان من الحبّ في حياتها الشخصية. هذا رغم أنّ النجمة معشوقة الجماهير، ما لمس بيلوتشي بعمق شديد.

تابع الفيلم المؤثّر مونيكا على خشبة المسرح، واستعدادها للظهور بدور ماريا. قدّم ملامح من الممثلة، ومشاعرها في وقوفها على المسرح للمرة الأولى في حياتها، لتأدية دور الملكة، وهي تُعبّر عن خشيتها ورهبتها من اللقاء المباشر مع الجمهور، واللقاء علاقة أصدق وأقوى، ومن دون "فلتر".

يستكشف الفيلم والمسرحية ماريا أكثر من كالاس. يُسلّطان ضوءاً على آمال امرأة شابّة وأحلامها. يكشفان عن النضج والصعوبات التي واجهتها كنجمة بارعة، تكافح من أجل إيجاد توازن بين نجاحها وحياتها الخاصة. هذا قالته بيلوتشي في مؤتمر صحافي، في المهرجان. فهي تعتقد أنّ مخرج المسرحية، توم فولف، اختارها جزئياً لأداء دور كالاس بسبب مظهرها وأصلها المتوسّطي، ولوجود عناصر مشتركة مع نجمة الغناء. وجدت العمل في الفيلم مع يانيس ديموليتساس رائعاً. وعن قبولها تصوير ماريا كالاس، قالت لأنّها "شخصية رمزية في الفنون والثقافة". لكنّ العامل الأهمّ، بالنسبة إليها، اكتشافها عبر هذه التجربة الطبيعة المزدوجة لكالاس. فمن ناحية، إنّها "مغنّية حقيقية، ذات كاريزما وموهبة إلهية". من ناحية أخرى، "امرأة ذات مشاعر صادقة وعفوية وقلب نقيّ".

الجانب الإنساني لكالاس ارتبطتْ به بشكل خاص، وحرّكها في أعماقها: "قصّتها لقيت صدى كبيراً في ذهني، لأنّه ليس مبالغاً القول إنّها امرأة مكسورة القلب. لمحتُ الصورة الحقيقية وراء النجمة. شعرت أنّي التقيتُ رفيقة الروح، في بحثها عن الحب والتواصل. أشارتْ، مرّات عدّة في مقابلات معها، إلى جروح غير ملتئمة، بدءاً من أوناسيس، وعلاقاتها المتوترة مع أختها وأمها. وحقيقة أنّها لم يكن لديها عائلة أبداً".

عن كيفية تعاملها مع الأدوار المختلفة، المطلوبة منها، قالت بيلوتشي: "لكلّ ممثل منهجه الخاص في تحضير الدور. يلعب الجانب التقني، أي الجسدي، دوراً رئيسياً، بمعنى كيفية وقوف الشخصية وتحدّثها ومظهرها. لكنّ الجزء المثير، أقلّه من وجهة نظري، تلك اللحظة من عدم اليقين والارتجال، قبل البدء بتصوير الشخصية مباشرة، عندما يُطلب منك اتّخاذ قرارات، عفوياً، وتُدرك فجأة لماذا وكيف انجذبت أصلاً إلى الدور".

قالت مونيكا إنّها لا تشعر أنّها دائماً في دائرة الضوء، إلّا حين تكون في فترة الترويج لفيلمٍ أو مشروع جديدين. تُفضّل البقاء في الظلّ. في هذا المجال، تعلّمت الكثير من كالاس: "لم تكن مجرّد سوبرانو أسطورية، بل امرأة شجاعة أيضاً، فعاشت حياتها وفقاً لرغباتها، وطلبت الطلاق عندما كان هذا محظوراً في إيطاليا". أضافت: "تَبِعَت قلبها، بعد أنْ ضحّت بشبابها، في البداية، من أجل فنّها وموهبتها. لاحقاً، عند لقائها أوناسيس، أعادت اكتشاف أنوثتها، وسعت للعيش بكامل إمكاناتها".

مونيكا بيلوتشي من الممثلات النادرات، اللواتي يتحدّثن عن أعمارهنّ. وردّاً على سؤال إنْ كانت تشعر بالقلق إزاء صعوبة الحصول على أدوار مهمة بسبب السنّ، قالت: "صراحة، لا أهتم بعمري. غير مُجدية محاربة الزمن. إذا قاومته، فأنت حتماً ستخسر. يجب أنْ نعتبر أنفسنا محظوظين عندما نكبر، خصوصاً إذا كنّا مُحاطين بأشخاص يحبّوننا ونحبّهم. الأشياء التي تجعلني أشعر أنّي على قيد الحياة، ولا أفكر بمرور الزمن: عائلتي وأصدقائي وشغفي بعملي". كشفت أنّه، مع التقدّم في السنّ، تُدرك أنّ الحياة الحقيقية تهمّ. الحياة الطبيعية، والعلاقات الإنسانية.

في الختام، أكّدت ضرورة التكيّف مع المتغيّرات التي يفرضها العصر، موضحةً أنّ شغفها بالسينما والتمثيل لم يتغيّر: "كلّ شيء يتغيّر حولنا. الطريقة التي ندرك بها، وننتج ونستهلك الصُور. في لحظاتٍ، علينا قبول أنّ العالم يتغيّر، ولا نكون قادرين على فهم التغيّرات التي تحدث. مع ذلك، شغفي الخاص بالسينما ظلّ صامداً، ومع مرور السنين، اكتسبت مزيداً من الخبرة، وطوّرت منهجي وأسلوبي الخاص. لكنْ، في أعماقي، أشعر أنّي لم أتغيّر إطلاقاً. القاعة المظلمة لن تتوقّف أبداً عن امتلاك قوّة مُحيّرة. إنّها، كما قال جان ـ لوك غودار: "عندما نكون في الصالة، نشاهد الفيلم ورؤوسنا وأعيننا مرفوعة إلى أعلى. كما لو كنا ننظر إلى شيء أسمى ويشبه الحلم. شيء يتجاوزنا".

المساهمون