أصالة نصري (ميشيل بورو/ Getty)
27 سبتمبر 2020
+ الخط -

تعد العلاقات العاطفية هي الفكرة الرئيسية التي يتناولها المغنون العرب في معظم إنتاجاتهم، إذ إن القضايا السياسية يعد تناولها في الأغنية العربية الشعبية محدوداً للغاية. وهي في الغالب تمر بسياق تمجيد الحكام والتغني بأمجادهم، وذلك بسبب الخوف من الأنظمة القمعية التي تحكم معظم دول الوطن العربي. ولم يكسر هذه القاعدة سوى بعض الفرق الموسيقية البديلة، التي كان لها السبق بتناول المشاكل الاجتماعية.
لكن في السنوات الأخيرة، أصبح من الرائج عند بعض الفنانات العربيات إدراج أغنية واحدة أو اثنتين ضمن ألبوماتهن ليتناولن من خلالها القضايا النسوية، ليواكبن بهذه الطريقة الترند العالمي الذي رافق حملة "مي تو"، ويبرزن كفنانات يدافعن عن القضايا النسوية. إلا أن معظم هذه الأغاني النسوية الدخيلة لم تلق النجاح المأمول، وذلك لأنها كانت تحاكي قضايا المرأة بشكل سخيف وسطحي، لتبدو إلى حدٍ ما انعكاساً للمفاهيم السطحية الرائجة عن القضايا النسوية في مجتمعاتنا، وليست سوى تكرار لجمل يتم ترديدها من دون أي إضافة. وفي الكثير من الأحيان تبدو هذه الجمل هجينة ضمن الأغاني التي تتضمنها، فهي أشبه بجمل اعتراضية تمر ضمن نص يتبنى بجوهره أفكار المجتمع الأبوي، ولا يتعارض بالمطلق مع الأفكار الذكورية المسيطرة.
الأمثلة كثيرة على ذلك، فهناك بعض الأغاني التي طُرحت أخيرًا، وحُملت قضايا نسوية هامة، مثل تشجيع  النساء على الاستقلال بمعزل عن الرجال، لكنها بذات الوقت تحمل معاني ذكورية مبطنة، مثل أغنية "اجمدي" للفنانة اللبنانية هيفا وهبي. إذْ تُشجّع وهبي النساء على الاستقلالية، ولكن هذه الدعوة يرافقها توصيفات غريبة. فالاستقلالية بالنسبة لوهبي ليست سوى أسلوب إغراء جديد تستخدمه المرأة لجذب الرجال، إذ يرد بالأغنية: "واحدة قالتلي حبيبها تاعبها، واحدة بتبكي على اللي سايبها، واللي ضعيفة عشان بتحبه مستحملة بتقول ده نصيبها. أجمدي بقى، يلا انت و هي أنسي وعيشي حياه طبيعية، لما هتمشي هيعرف قيمتك، عشان كده خليكي قوية، خليكي قوية".

وهناك أغان نادت بالمساوة بين الرجل والمرأة، لكن معظمها انطلق من وضع المرأة بمكانة دونية، واحتوت هذه الأغاني بين سطورها تسليماً تاماً بالتمييز الجندري، الذي يفضي إلى تفوق الرجل على المرأة؛ إذْ نسمعُ دائماً في هذه الأغاني عن المطالبة بالحقوق، ولكن مع التحفظ على أهمية دور الرجل ومحوريته في المجتمع، ولا تمر دعوات المساواة من دون التشديد على الحفاظ على مكانة الرجل العليا ودوره الأبوي طيلة الوقت. مثال على ذلك أغنية " آدم وحواء" للفنانة اللبنانية نانسي عجرم، التي يرد فيها: "لا مش قصدي أقوى ولاحاجة، لامش قصدي أقوى وتكون أنت ضعيف، أنت نص وأنا نص زي الشتا والصيف".


وفي أحسن الأحوال تتم الإشارة إلى أن حقوق المرأة هي أمر يتم منحه عن طريق الرجال وبدعم منهم، ولم تطرح حتى اليوم أغاني تتمرد على السلطة الذكورية في المجتمع؛ ففي أغنية إليسا الأخيرة "صاحبة رأي"، التي تحاول فيها أن تطرح نفسها نموذجاً للمرأة النسوية صاحبة القرار والقدرة على الوقوف في وجه المجتمع الذكوري المتنمر، تنسب الفضل لأبيها بذلك، حيث تكرر بالأغنية كلمة: "أبويا علمني"، قبل أن تطرح أفكارها النسوية بنبرة بكائية.

وفي هذا السياق، لا تبدو أغنية "رفقاً" التي طرحتها الفنانة السورية أصالة ضمن ألبوم "لا تستسلم" قبل عدة أيام، خارج هذا السرب؛ إذ إن الأغنية التي اعتبرتها أصالة مبادرة لمناصرة النساء في العالم العربي، والتي تضمنت كلماتها استشهادات من أحاديث نبوية، ما هي إلا استكمال لموجة محدثة في الأغنية العربية؛ ولا يميزها سوى أنها النموذج الأكثر فشلاً وركاكة بينها. وقد نالت أغنية أصالة منذ طرحها نصيباً وافراً من النقد، إذ انشغل الشارع العربي منذ طرحها بالنقاشات حول شرعية الاستشهاد بحديث نبوي ضمن أغنية، ما بين الحلال والحرام. لكن غاب النقد النسوي للأغنية عن ساحات النقاش، رغم تقديم الأغنية في هذا السياق.