الإرهاب سينمائياً... قبل الكارثة وبعدها

الإرهاب سينمائياً... قبل الكارثة وبعدها

11 سبتمبر 2021
"فهرنهايت 11/ 9" لمايكل مور لا يزال أكثر وثائقيّ تحقيقاً للأرباح (دون إيمرت/ فرانس برس)
+ الخط -

حفرت أحداث 11 سبتمبر 2001 تاريخاً لن يمحي أبداً من ذاكرة من عاصرها. ليس فقط لكونها أخطر وأضخم وأعنف هجوم ارهابي في العالم، من حيث الجرأة غير المعقولة والطريقة غير المسبوقة، بل لأنّها أيضاً الأطول زمنياً، والأكثر مُشاهدة عالمياً، بالإضافة إلى أنّها ضربة ضد الولايات المتحدة الأميركية، الأقوى والأكبر والأضخم في العالم.

كان الحدث الكارثي صدمة للجميع، في الولايات المتحدة وخارجها. عدم التصديق دفع البعض إلى تصوّره كحدث تلفزيوني حقيقي، يُبثّ على الهواء، أو كفيلمٍ هوليوودي واقعي. من هنا، اتُّهِمَت هوليوود آنذاك بأنّ أفكار أفلامها كانت نواة للأحداث، أو على الأقلّ ألهبت مُخيّلة الإرهابيين، ما أدّى لاحقاً إلى تعامل هوليوود، والسينما الأميركية عامة، بشكل مُختلفٍ مع الطرح السينمائي بعد 11/ 9.

قبل وقوع الأحداث بفترة طويلة، في سبعينيات القرن الـ20 تحديداً، صُوِّر التناول الأميركي للإرهاب وقُدِّم إلى العالم كشكلٍ من أشكال العنف السياسي. حينها، لم يكن الإرهاب ضَرَب أميركا بعد، بل حتّى كان غريباً وغير مُتخيّل بالنسبة إلى الجمهور هناك. لذا، استلهمت صناعة السينما الأميركية الأحداث العالمية آنذاك، كمذبحة الرهائن في ميونخ، أو مهمّة إنقاذ عنتيبي، كما في "21 ساعة في ميونخ" (1975) لوليام غراهام، و"النصر في عنتيبي" (1976) لمارفين تشومسكي.

عادةً، كان الإرهاب يُشير إلى الصراع العربي الإسرائيلي. هذا المنظور تغيّر جذرياً قي ثمانينيات القرن الـ20، بعد أزمة الرهائن الإيرانيين، والتورّط الأميركي في الحرب الأهلية اللبنانية، ومواجهة التطرّف الشيعي، وما قام به الإرهابيون الليبيون في لوكِربي. هذا زاد من التورّط الأميركي في صراعات الشرق الأوسط، ومعاناتها بسبب هجمات مؤلمة، وكراهية متزايدة، وعمليات خطف أميركيين. بالتزامن مع ذلك، كان هناك أعداء آخرون، من الفيليبين، واليابان، وأميركا اللاتينية، وغيرها. لكنْ، لم يُجسَّدوا كإرهابيين نمطيين، رغم دوافعهم السياسية.

مع نهاية الحرب الباردة، بدل المتعصّبين الأيديولوجيين والسياسيين، برز إرهابيون غير سياسيين، أو بالأحرى متديّنين؛ وذلك بعد تناول بسيط للمتطرّفين الأوروبيين، من الجمهوريين الأيرلنديين والروس، أو الشيوعيين عامة. غير ذلك، كانت السينما تُظهِرُ، بين حين وآخر، شخصيات أميركية متطرّفة من الداخل، ليست إرهابية صرفة، لكنْ يُمكن وصفها بالمارقة، أو الساخطة، أو المُنشقّة، أو العميلة.

لم يكن الجهاديّ المسلم الأميركي أو غيره ظهر على نحو جليّ، أو جرى ربطه بالإسلام تحديداً. التركيز الملحوظ على هذه الشخصية، وإسناد أدوار البطولة لها، ظهرا بعد تفجير "المركز العالمي للتجارة"، أول عمل إرهابي إسلامي مُتطرّف على الأراضي الأميركية. المُثير أن السينما الأميركية المُتعطشة دائماً لكلّ جديد، لم تمض على النهج نفسه في أعقاب الاعتداءات هذه. كانت هوليوود حسّاسة للغاية بشأن تصوير "مركز التجارة العالمي"، أو ارتطام الطائرات في أيّ فيلم، أو حتى ذكر الأحداث. أفلام كثيرة تمّ إيقاف إنتاجها، أو تعليقها بالكامل، وحذفت صور البرجين التوأمين من الأفلام والإعلانات وغيرها.

كان الهاجس الأكبر الخوف من عدم إقبال الجمهور على أفلام الإرهاب، أو تناول ما حدث، ثم الإخفاق في شبّاك التذاكر. لذا، كان الابتعاد عن الموضوع وعدم المجازفة حلاًّ أسلم. كما ساد شعار: لا مزيد من أفلام الدمار الشامل، ولو لفترة. لذا، استغرق الأمر 5 أعوامٍ بعد الهجمات لذكر ما حدث في سبتمبر/أيلول 2001.

مع ذلك، لم يُتنَاوَل الحدث الفعلي. الأفلام الأولى المُتعلقة به قاربته بطرق غير مباشرة، لعدم إثارة جدل أو مشاعر حزن. غالبيتها خالية من أي محتوى سياسي، ومليئة بإحساس عميق ودائم بالحزن، المُتولّد في أعقاب المأساة. تجلّى هذا في "مركز التجارة العالمي" (2006) لأوليفر ستون، والتركيز على جهود إنقاذ الشرطيين المُحاصرين تحت أنقاض البرجين المُنهارين. بينما أنجز بول غرينغراس "يونايتد 93" (2006)، وبيتر ماركل "الرحلة 93" (2006)، عن إحدى الرحلات الأربع المختطفة، والمقاومة البطولية للركاب وطاقم الطائرة ضد الإرهابيين، وإفساد خطّتهم.

على الرغم من التحفظات الفنية والإنتاجية، ومراعاة شعور الجمهور، ومرور 5 أعوام على الاعتداء، لم تُحقّق الأفلام إيرادات كثيرة في شباك التذاكر، أقلّه مُقارنة بالوثائقيّ "فهرنهايت 11/ 9" (2004) لمايكل مور، الذي لا يزال أكثر وثائقيّ تحقيقاً للأرباح، والذي تمحور حول التداعيات السياسية لما حدث، بما في ذلك الحرب على الإرهاب، التي أعلنها جورج دبليو بوش، وقانون "باتريوت"، الذي أقرّه الكونغرس لمكافحة الإرهاب، وما تبع ذلك من حربي أفغانستان والعراق.

من هنا، ركّزت السينما الأميركية على الجديد: الجيش الأميركي والبطولات الأميركية خارج الحدود لدحر الإرهاب، وقتل رأس الأفعى، أسامة بن لادن. هوليوودياً، تصدّرت أفلام الحرب شبّاك التذاكر. مع ذلك، فإنّ معظم أفلام العراق لم تركز على الصراع، بل على عودة المحاربين إلى الوطن، والصدمات التي تعرّضوا لها، ومحنة العائلات العسكرية المتروكة وحدها، والجنود الذين وقعوا في شرك صراعٍ قذر لا يفهمونه.

"The Hurt Locker" لكاثرين بيغلو (6 جوائز "أوسكار" عام 2010)، قصّة مؤثّرة عن فنيي التخلّص من القنابل في العراق، الذين تعاملوا مع العبوات الناسفة والقنّاصة والقنابل الموقوتة. في "Zero Dark Thirty" (مدّته 3 ساعات، 2012)، صوّرت بيغلو بطولة فرقة البحرية التي نفّذت الغارة المُتسبّبة في مقتل زعيم "القاعدة"، أسامة بن لادن، وهذا نصرٌ رمزيّ ضئيل للغاية، إلى درجة أنّ احداً لم يهتمّ به كثيراً، حتّى الأميركيون أنفسهم. المُدهش في الأمر أنّ أفلام الحرب تلك لم تتطرّق إلى صميم موضوع الإرهاب، رغم إشارة وانتقاد بعضها، تلميحاً أو صراحةً، إلى أنّ ذريعة مكافحة الإرهاب أخفت أيضاً صراعاً غير أخلاقي. فضيحتا سجن أبو غريب (32 كلم غرب بغداد) ومعسكر غوانتنامو، جنوب شرق كوبا)، وفضائح التعذيب، واختفاء مُشتبه بهم في سجونٍ سرية تابعة لـ"وكالة الاستخبارات المركزية"، وغيرها.

سريعاً، تراجعت موجة الأفلام ذات الصلة بالجيش والعمليات خارج الحدود، مع انخفاض الأرباح؛ لا سيما أنّ أصواتاً بدأت تنتقد الكثير منها، للتمجيد المُبالغ به لقوّة الجيش الأميركي والاستخبارات وأجهزة أمنية أخرى، أو لغموضها الأخلاقي، وللأهداف الدفينة خلفها. وكذلك، لتبعاتها السيئة على الجمهور: إعلاء نبرة الوطنية إلى درجة الشوفينية، ومخاطر الهروب من الواقع، والإصابة بجنون العظمة، وكراهية الذات. من هنا، كانت الأفضلية لأفلام الخيال، العلمي وغير العلمي، ولأفلام التاريخ والأساطير والشخصيات البارزة. أما المُرتبطة بالإرهاب والتهديد المباشر، فقُدِّمت في سياقاتٍ غرائبية وفضائية وفانتازيا صرفة، لا علاقة لها بالواقع، أو بما حدث، بدءاً من "حرب الكواكب" (2005) لستيفن سبيلبيرغ. هناك أيضاً تلك المتعلّقة بالغزو الفضائي، والأمراض والأوبئة، والبطل الأوحد والمُنقِذ.

أغلبها أعاد إلى الأذهان أفلام فترة الحرب الباردة، إذْ هناك فعلياً تشابهات عدّة بين أفلام سبعينيات القرن الـ20 والعقد الأول من القرن الـ21: كلاهما مولودان من أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية، أدّت (من بين نتائج أخرى) إلى نظرة عامة مُتشائمة عن مستقبل أميركا، والعالم برمّته. نبرة التشاؤم والنقد اللاذع لحكومة الولايات المتحدة بدت أكثر بروزاً في أفلام العقد الفائت. استيقظ الأميركيون من خدر بطولاتهم الزائفة، بعد اكتشافهم البطء الشديد لحكوماتهم في الاستجابة إلى التغييرات والأحداث المُتلاحقة، والاهتمام أكثر ببقاء النخب على قيد الحياة، ومصالحها الخاصة، بينما تترك غيرهم للهلاك، أو لخوض الحروب نيابة عنها، أو بتبديدها القوّة العسكرية على أمور غير مفهومة، ما أسهم في تدهور اقتصادي مُعقّد.

المُشكلة الاكبر أنّ الحرب الأميركية العالمية على الإرهاب، رغم طولها مُقارنة بالصراعات الماضية، ظلّت غامضة ومُلتبسة وغير مُجدية لدى غالبية الأميركيين. على امتداد العقد الفائت أيضاً، حلّت المشاكل الاقتصادية بشكل متزايد محلّ الخوف من الإرهاب، كأولوية أولى في جدول الأعمال العام لرؤساء أميركا، وللسينما الأميركية. للأزمة المالية، والعجز الهائل فيها، عواقب واسعة النطاق على دور الولايات المتحدة داخلياً وخارجياً، بصفتها صاحبة أكبر اقتصاد في العالم. من هنا، جاء تعهد باراك أوباما بعدم خوض الولايات المتحدة إلاّ الحروب الضرورية للغاية، ما خَتَم حقبةً من الحروب والتدخّلات التي أعقبت اعتداءات سبتمبر 2001، وما أكّد أنّ القائمين على الأمور أدركوا أنّ الركود الاقتصادي، وفقدان الوظائف، وتعقيدات الحياة اليومية للمواطن، والزوال التدريجي للثقة في الحلم الأميركي وغيرها، أثّرت على العقل العام بطريقة أكبر وأخطر وأكثر فداحة من صدمة 11 سبتمبر.

المذهل أنّه، بعد عقدين على الاعتداء، باتت الجماهير مُستعدّة ومُتقبّلة لمُشاهدة تدمير البيت الأبيض، أو مبنى الكابيتول، أو اختطاف طائرة الرئاسة. تعافى الأميركيون، ولو جزئياً، من صدمة 2001. تدريجياً، تناسوا الخوف من الإرهاب، الذي حلّت محله تهديدات حياتية أخرى: الاقتصاد والأوبئة والكوارث الطبيعية وانهيار المُجتمع. يبقى أنّ كلّ ما حدث لم يحلّ المشكلة، ولم يقضِ على الإرهاب، بل زاد المخاوف المُرتبطة به، والبارانويا، و"الفوبيا" من الآخر، وانعدام الأمن. الأحداث أثّرت عميقاً، وأفضت إلى تغيرات لم تكن محسوبة، على صعيد الحرية والاقتصاد والعقيدة والمجتمع؛ ونقلته من الاستقرار الملحوظ إلى عدم اليقين، ومن الشعور بالقوّة المطلقة إلى الهشاشة وفقدان الثقة.

فنياً، تبقى نقطة بارزة للغاية لم تُعالَج، منذ عقودٍ إلى الآن، في أفلام الإرهاب الأميركية. فمنذ سبعينيات القرن الـ20، والترويج حاصلٌ لفكرة أنّ مرتكبي الإرهاب أعداء ألدّاء للحلم الأميركي، ويفتقرون إلى مُسوّغ، مهما كانت وجاهته، وأنّ الإرهاب نتاج عقول مجنونة أو ذُهَانية، وانّها بالتأكيد غير أميركية.

أخيراً، وبعد تنميط الإرهاب في الإسلاميّ المُتعصّب والكاره للولايات المتحدة، وغير المُعتدّ بحياة الأبرياء، والعاشق للعنف والقتل والتدمير، والرافض لاحتمالات الاعتدال، هناك الشخصية التي لا تتطوّر من فيلمٍ إلى آخر، كشخصية يمكن تصديقها والتفاعل معها. ناهيك بالتركيز على الديناميكيات الداخلية للمنظّمات الإرهابية، واكتشاف الخلفيات السياسية والاجتماعية العاملة في ظلها. السينما الأميركية لم تشتغل بحرفية وصدق وعمق على موضوع الإرهاب، وعلى أسبابه وجذوره، وعلى الشخصية الإرهابية، بأبعادها وتركيباتها وتعقيداتها، رغم ما حدث ويحدث منذ اعتداءات 11 سبتمبر.

المساهمون