إخفاء المحتوى الفلسطيني... "خلل تقني" أم تواطؤ مع الاحتلال؟

إخفاء المحتوى الفلسطيني... "خلل تقني" أم تواطؤ مع الاحتلال؟

10 مايو 2021
الصورة
نقلت المنصات وحشية الاحتلال مع المقدسيين (إيمانويل دوناند/فرانس برس)
+ الخط -

ليس جديداً إخفاء منصّات التواصل الاجتماعي منشورات الفلسطينيين أو وقف حساباتهم بسبب دفاعهم عن قضيّتهم، لكنّ التحيّز الواضح الذي بدا خلال الأيام الماضية، فاقع في وقاحته، خصوصاً أنّ مواقع التواصل كانت المصدر الرئيسي لنشر المقاطع المصوّرة والتحديثات والحقائق حول ما يحصل في القدس، من حيّ الشيخ جراح إلى المسجد الأقصى، وما تبعها من اعتداءات إسرائيلية على الفلسطينيين.

"ليس ما حصل من إخفاء للحسابات والمنشورات الفلسطينية حول أحداث حي الشيخ جراح في القدس المحتلة سوى خلل تقني"، تردّ منصة "إنستغرام" ببيان رسمي. وبالمضمون ذاته تردّ منصة "تويتر" على مراسلات فلسطينيين ناشطين في الدفاع عن المحتوى الرقمي.

لكن هل يمكن التسليم بهذه التبريرات من "إنستغرام" التابع لـ"فيسبوك"، و"تويتر"، خصوصاً أن أكثر من سبعين حساباً أوقفت على "تويتر" كلها غردت على وسوم مخصصة للتضامن مع الشيخ جراح الذي يتعرض لهجمة إسرائيلية؟ وهل يقبل الناشطون الفلسطينيون بتفسير "إنستغرام" لإخفاء وسم "#الأقصى" من التداول، إضافة إلى وقف منشورات وحسابات، بأنه خلل تقني، في حين أن ذلك حصل بالتزامن مع الاعتداءات الإسرائيلية على المصلين في المسجد الأقصى وتكثيف النشر حول تلك الأحداث؟ وماذا عن حذف "فيسبوك" لمنشورات من صفحات متضامنة مع الشيخ جراح بحجة أنّها مخالفة؟

حذف حسابات
بدأت القصة، وفق المرصود، على الأقل، الأربعاء الماضي، بوقف "إنستغرام" حساب الإعلامية المقدسية منى الكرد، وهي من أهالي حي الشيخ جراح في القدس المهدد بإخلاء سكانه الفلسطينيين، وتنشط في النشر عن القضية عبر حسابها. عاد حساب الكرد للعمل بعد ساعات، لكن عملية الإيقاف كانت مؤشراً خطراً لناشطي مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً الفلسطينيين منهم. فالكرد هي صوت الحي على المنصات، وتنقل همّ سكانه، وقد وصل عدد متابعيها على إنستغرام إلى 395 ألفاً، ممّن يرغبون في معرفة ما يحصل لحظة بلحظة. رغم عودة حساب منى الكرد إلا أن حذف المنشورات ووقف الحسابات لم يتوقف في الأيام التالية. وانتقلت المشكلة، الخميس الماضي، إلى منصة "تويتر" التي أوقفت قرابة 70 حساباً خلال أقل من 24 ساعة، حسب توثيق "مركز صدى سوشال" لحماية المحتوى الفلسطيني على الإنترنت، وكلها استخدمت وسوماً متعلقة بالحي، بينها #الشيخ_جراح و#أنقذوا_الشيخ_جراح.

بعد فيسبوك، ضيّق تويتر وإنستغرام على المحتوى الفلسطيني

علّقت المنصات حسابات لصحافيين وناشطين، كان من بينهم الصحافي هشام أبو شقرة الذي أكد لـ"العربي الجديد" أنه كان مشاركاً في حملة تضامن مع الشيخ جراح ونشر عدداً من المنشورات حول الشيخ جراح، وبمجرد نشره فيديو اعتداء المستوطنين الإسرائيليين على مائدة إفطار أهالي الحي وما تبعه من مواجهات مرفقاً بوسم #أنقذوا_الشيخ_جراح، تم تعطيل حسابه. وهو أمر مشابه لما حصل مع الصحافية شذى حماد كما روت لـ"العربي الجديد".

عاد حساب أبو شقرة وعادت معظم الحسابات التي تم تعطيلها بعد تواصل جهات فلسطينية مع تلك المنصات، بالإضافة إلى الحملة العربية والعالمية المتضامنة والمستنكرة لإجراءات المنصّات، باعتبارها إسكاتاً لمن يتم الاعتداء عليهم، خصوصاً أنّ اعتداءات الاحتلال وجنوده ومستوطنيه تظهر بوضوح في المقاطع. لكنّ أبو شقرة يصف ما حصل على مختلف منصات التواصل بمحاربة المحتوى الفلسطيني، فقد تعرّض سابقاً لحذف منصة "تيك توك" لفيديوهات كان هو قد صورها خلال اعتداءات جيش الاحتلال، مشيراً إلى أنّ أي فيديو فيه اعتداء أو يتعلق بشهيد فلسطيني كان يتعرض للحذف أو على الأقل يتلقى صاحبه رسالة تحذير وتقييد من الوصول بشكل كبير للمتابعين. أبو شقرة، كما الناشطين والصحافيين الفلسطينيين، يتأهبون دائماً لإغلاق حساباتهم أو تعطيل النشر، ويقول: "نحن كصحافيين فلسطينيين دائماً نملك حسابين على كل منصة، بحيث نملك حساباً احتياطياً لاستكمال إيصال الرسالة في حال تعطيل حساباتنا الأساسية".

ورصد مركز "صدى سوشال" قرابة 150 انتهاكاً منذ الأربعاء، ترتبط بحجب المحتوى الفلسطيني، كما صرح مديره إياد الرفاعي لـ"العربي الجديد". كما أرسل المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي "حملة"؛ 200 طلب لمنصات التواصل لإعادة المحتويات أو الحسابات المستهدفة، كما صرح مدير المركز نديم ناشف لـ"العربي الجديد".

رصد مركز "صدى سوشال" قرابة 150 انتهاكاً ترتبط بحجب المحتوى الفلسطيني

أرسل مركز "صدى سوشال" رسائل وتقارير حول الحسابات المستهدفة إلى كل من "تويتر" و"إنستغرام"، وجاءه الرد، حسب الرفاعي، بأن ما حصل يعود إلى خلل في الخوارزميات للمواقع التي تتعرف على المحتوى الذي له علاقة بالأحداث الأخيرة على أنه محتوى غير مرغوب فيه، وأن الحل لتلك المشكلة تم بشكل يدوي بمبرر وجود خلل في النظام، كما أكد استعادة كل الحسابات. مركز "حملة"، وبعد إرسال طلبات إعادة المحتوى، وبعد أن عقد جلسات مع المنصات عن سياستها بعد إخفاء عدد كبير من المحتوى والحسابات بفترة قصيرة، أكد أن معظم الطلبات تمت الاستجابة لها.

تبرير غير مقنع 
"إنستغرام"، بدوره، أصدر بياناً اعتذر فيه عن عدم ظهور منشورات وقصص أحداث الشيخ جراح، وقال الموقع: "نعلم أن أشخاصاً يواجهون مشكلات في تحميل القصص وعرضها، هذه مشكلة فنية عالمية واسعة الانتشار، ولا تتعلق بأي موضوع معين"، وتابعت المنصة بأنها "أصلحت المشكلة". وأعاد الموقع الأزمة إلى الخامس من الشهر الجاري، حيث أطلق تحديثاً جديداً، إلا أنه بشكل غير مفهوم أثر على جميع المنشورات، "ما دفع إلى الاعتقاد بأننا اتخذنا إجراءً بشأن محتوى محدد". وأضافت المنصة، أنها "تلقت تقارير متزامنة عن مشاكل في كولومبيا وكندا والولايات المتحدة والبرازيل".

إنستغرام برر الحجب بتحديث أدى إلى خلل في الخوارزميات

يبدو التبرير غير مقنع للناشطين الفلسطينيين. إذ يرى مدير المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي "حملة"، نديم ناشف، في حديثه مع "العربي الجديد"، أنه وبعد التصعيد بإنزال المحتوى الخاص بالقدس وحي الشيخ جراح، فإن محاولة المنصات التبرير بوجود مشكلة دولية ليس منطقياً، "فمقارنة قضية عينية في حي معين أو مدينة مع دول عملاقة مثل كندا والولايات المتحدة شهدت مشكلات في نشر القصص بموضوعات متفرقة وليس بموضوع واحد، كما الحال في قضية الشيخ جراح والقدس، يبين أنها حجج واهية ومحاولة فقط للتبرير". ويتابع ناشف: "إن ما يثبت أن إنزال المحتوى عن الشبكة متعلق بمضامين فلسطينية هو أن الطلبات المقدمة من المركز كلها تم التعامل معها بإيجابية وأعيدت المضامين أو الحسابات، ما يدل على أن أياً منها لم يكن مخالفاً للمعايير، بل كان إخفاءً جماعياً للمضامين، مفسراً أن هذا التبرير كان بسبب الضغط من الجهات المحلية والمراكز المحلية، وكذلك من مؤسسات شمال أميركا وأوروبا ومؤسسات حقوقية ووسائل الإعلام.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Hamleh Markez (@7amleh)

محاولات إسكات منذ سنوات
يعتقد الناشطون المدافعون عن المحتوى الرقمي الفلسطيني أنّ إخفاء المحتوى الفلسطيني مرتبط بطلبات من جهات حكومية أو أمنية إسرائيلية. ويقول مدير مركز "صدى سوشال" إياد الرفاعي إنّ "الأمر ليس بالجديد، فالتضييق على المحتوى الفلسطيني يعود إلى العام 2015، وتواصل منذ ذلك الحين بل ويزداد مع كلّ حدث". ويعد 2015 العام الذي توسع فيه استخدام الاحتلال لمصطلح التحريض، حين اعتقل مئات من الفلسطينيين بتهمة التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما تمت في أعوام تالية ملاحقة وسائل إعلام فلسطينية تحت ذلك المسمى. لكنّ ما حصل مؤخراً من استهداف مضامين متعلقة بالقدس والمسجد الأقصى والشيخ جراح يرى الرفاعي أنّه "يحدث لأول مرة، بأن يتم استهداف حملة نشر أو قضية واحدة على عدة منصات اجتماعية مرة واحدة". 

التضييق على المحتوى الفلسطيني يعود إلى عام 2015

في حين، يؤكد مدير المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي "حملة" نديم ناشف أنّ الاستهداف شمل كلّ المنصات ووصل إلى حدّ إخفاء وسم، في إشارة إلى إخفاء "إنستغرام" هاشتاغ "#الأقصى" قبل إعادته، بشكل لم يرصد من قبل. يشرح ناشف طرق استهداف المحتوى الفلسطيني، ويقول: "شعورنا أنّ الإسرائيليين يقومون بذلك من خلال التقارير والتبليغات التي يقدمونها لمنصات التواصل، نحن نعلم أنّ المحتوى الفلسطيني مراقب، ويلاحَق، وتقدَّم الطلبات من وحدة السايبر الإسرائيلية لإخفاء المحتوى حتى من دون أوامر من المحاكم الإسرائيلية". 

ويذكّر ناشف بسياق استئناف تقدمت به مؤسسة عدالة إلى محكمة الاحتلال العليا ضد طلبات وحدة السايبر إخفاء المحتوى الفلسطيني بدون أوامر محكمة، بأن المحكمة العليا ثبتت حق السايبر بتلك الطلبات حتى بدون وجود أسس قانونية لها. ويرجح ناشف وجود تفاهمات إسرائيلية مع المنصات للتعامل مع ما يسميه الاحتلال "التراضي" لإخفاء المحتوى عن الشبكة بشكل أوتوماتيكي، إذ أظهر الاستئناف المقدم من عدالة أنّ 80% إلى 90% من تلك الطلبات الإسرائيلية تم قبولها من المنصات بشكل أوتوماتيكي. 

ويعود الالتماس الذي ذكره ناشف إلى العام 2019. وأشار ذلك الالتماس في حينه إلى أنّه منذ إنشاء وحدة السايبر التابعة لوزارة القضاء الإسرائيلية وتعمل بتخويل من النيابة العامة الإسرائيلية؛ ارتفعت طلبات حذف المحتوى وإقصاء وتجميد نشاط المستخدمين من الشركات المزودة لخدمات الإنترنت والمواقع الإلكترونية بشكل كبير. 

ويضيف ناشف أنّ تقرير النيابة العامة الإسرائيلية عام 2018 أشار إلى ارتفاع هذه الطلبات بنسبة 600%، وأنّ عددها في عام 2018 وصل إلى أكثر من 14 ألف طلب، في حين بلغت نحو 2200 طلب فقط عام 2016. 

ويتابع مدير مركز "حملة" أنّ الأمر لا يقتصر على عمل رسمي إسرائيلي بل يمتد لجماعات غير حكومية مدعومة حكومياً توظف عشرات الآلاف لإرسال التبليغات إلى مواقع التواصل عبر استخدام تطبيقات خاصة (مثل: أكت أي إل، وفور أي إل) التي ترسل الإشعارات لهم من أجل تنظيم حملات تبليغ جماعية ضد المحتوى الفلسطيني، إضافة إلى ما يؤديه الذكاء الاصطناعي من خلال تفعيل متابعة كلمات مفتاحية تلاحَق من دون معايير واضحة لمفاهيم العنف أو الإرهاب. 

حرب طاحنة
ورغم الحرب الطاحنة في ميدان "الأونلاين" والذي تستخدم فيه استراتيجيات التشويه ونشر مضامين سلبية عن الفلسطينيين عالمياً، وتحرير محتويات "ويكيبيديا" بشكل تشويهي، ورغم حرب الرواية السائدة والتي يركز عليها الاحتلال لنشر روايته بعدة لغات، لكن الحدث الأخير، خصوصاً إصدار المنصات الاجتماعية توضيحاً واعتذاراً وإعادة الحسابات والمضامين، يعده الناشطون إيجابياً. ويقول ناشف إن "ذلك إيجابي من ناحية أن المضامين المنشورة أصبحت أفضل مع الوقت والخبرة، وكذلك أصبح الضغط المحلي مؤثرًا، في حين أن المنصات لم تكن تتفاعل سابقاً مع الاحتجاجات أو حملات الضغط، ولكن في هذه المرة استطاع الضغط إرجاع المضامين إلى الإنترنت". والنتيجة كما يقول ناشف: "أصبحوا يشعرون بصعوبة أكثر من السابق في استهداف المحتوى، رغم كل التكنولوجيا التي يملكونها والمحاولات التي يواصلونها".

المساهمون