"نوبل" للعلوم... حاسة اللمس ونظرية الفوضى

"نوبل" للعلوم... حاسة اللمس ونظرية الفوضى

08 أكتوبر 2021
بنيامين ليست الحائز جائزة "نوبل" للكيمياء (فرانس برس)
+ الخط -

في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول، انطلق ماراثون إعلان الفائزين بجوائز نوبل في العلوم للعام 2021، التي تنظمها الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم في استوكهولم. وجاءت جوائز العلوم هذا العام في تخصصات الطب والفيزياء والكيمياء، مخالفة لكثير من التوقعات. وكان للأبحاث المعنية بتغير المناخ حضور بارز؛ إذ فازت أبحاث النمذجة الفيزيائية للمناخ، والتقدير الكمي للتباين والتنبؤ الموثوق به لظاهرة الاحتباس الحراري بجائزة الفيزياء.

وغير بعيد عن هذا المجال، فازت أبحاث تقنية التحفيز العضوي غير المتماثل، التي تلعب دوراً مهما في مجال الطاقة والخلايا الشمسية، بجائزة نوبل في الكيمياء. أما جائزة الطب، فقد فازت بها أبحاث مستقبلات الحرارة واللمس.

فك شيفرة بيولوجيا الحواس
على مدار تاريخها، فتنت حاسةُ اللمس البشريةَ، وانطلق المفكرون والفلاسفة في وضع تصورات عن هذه الحاسة. وحاول بعض العلماء وضع تصورات عن كيفية انتقال الإشارات من مراكز الإحساس إلى المخ. وتكريماً للجهود العلمية في هذا المجال، قررت الأكاديمية منح جائزة نوبل في الطب، لهذا العام، للجهود التي قام بها العالمان ديفيد جوليوس وأردم باتابوتيان في مجال تحديد مستقبلات درجة الحرارة واللمس، التي تساعدنا في الشعور بمدى سخونة أو برودة شيء ما، بالإضافة إلى الكشف عن البروتينات التي تساعدنا على الشعور بالنسيم اللطيف أو الوخز الحاد.

تُزيل جهود باتابوتيان وجوليوس اللثام عن أحد أسرار الطبيعة التي ظلت غامضة لسنوات، إذ شرحا كيفية تحويل المنبهات إلى إشارات عصبية. وتعد القدرة على استشعار الحرارة والضغط الميكانيكي أمراً حيوياً لكل شيء، بدءا من تجنب التعرض للحرق، إلى معرفة متى نحتاج إلى التبول. وتفتح هذه الاكتشافات الطريق أمام الباحثين، لاستكشاف زوايا جديدة حول الإحساس بالألم والعلاجات المرتبطة به.

لاكتشاف كيفية استشعار الخلايا العصبية للحرارة، استغل الأميركي ديفيد جوليوس (1955)، وهو أستاذ في جامعة كاليفورنيا، اشتهر بعمله على الآليات الجزيئية الكامنة وراء اكتشاف المنبهات الحرارية والمنتجات الطبيعية، حقيقة أن مادة الكابسيسين الموجودة في الفلفل الحار تنشط مستقبلات الحرارة.

في التسعينيات، أخذ فريقه الحمض النووي للجينات المعروفة بنشاطها في الخلايا الحسية، وأضاف شظايا إلى الخلايا التي لا تستجيب عادة للكابسيسين، وهي مادة تكسب الفلفل الحار مذاقه اللاذع، ما يسبب الشعور بالحرارة. ومن خلال تجربة الآلاف من الشظايا المختلفة لمعرفة أيها مكن الخلايا من صنع المستقبل والاستجابة للكابسيسين، حدد جوليوس وفريقه بروتيناً أطلق عليه اسم TRPV1. يتأثر هذا البروتين بدرجات الحرارة المرتفعة التي تؤدي إلى فتح القناة الأيونية، ما يؤدي إلى تغير في الجهد واشتعال العصب وبالتالي الإحساس بالحرارة.

أما الحائز الثاني نصف الجائزة، فهو اللبناني الأصل باتابوتيان، وهو أستاذ في مجال الأحياء الجزيئية في معهد "سكريبس ريسرتش" في كاليفورنيا. وتركزت أبحاثه على استخدام خلايا حساسة، تستجيب لعوامل ميكانيكية، مثل الضغط واللمس، لاكتشاف فئة جديدة من المستقبلات تتفاعل مع هذه المحفزات الميكانيكية. أسفرت دراسات باتابوتيان عن اكتشاف قناتين من القنوات الأيونية تنشطان بفعل الضغط. تساعد هذه المستقبلات الجسم على اكتشاف أشياء، مثل ضغط الدم وضغط المثانة والتنفس، بالإضافة إلى اللمسات الخارجية.

تغير المناخ ونظرية الفوضى
وفي الفيزياء، منحت الأكاديمية السويدية الجائزة لأعمال النمذجة الرائدة حول أسباب وعلامات تغير المناخ بفعل الإنسان والأنظمة الفيزيائية المضطربة. ذهب نصف الجائزة إلى الأميركي من أصل ياباني، شكورو مانابي، من جامعة "برينستون" والألماني كلاوس هاسلمان من معهد "ماكس بلانك" للأرصاد الجوية (MPI-M)، لدورهما في إظهار كيف يمكن لنماذج الكمبيوتر أن تقدم تنبؤات موثوقة حول تأثير الاحترار الناتج عن ارتفاع الكربون في الغلاف الجوي للأرض، والنشاط البشري المسبب له.

أما النصف الآخر من الجائزة فذهب إلى الإيطالي جورجيو باريزي، أستاذ الفيزياء النظرية ونظريات الكم في جامعة "سابينزا" في روما، لجهوده في تطوير طريقة لفهم السلوك الذري الفوضوي في بعض السبائك المغناطيسية. ورغم التباين الكبير في سلوك المواد، أظهر باريزي أنه من الممكن تحديد الأنماط الأساسية لسلوك الذرات، ما أسهم في تعزيز فهمنا في مجالات عدة، مثل الرياضيات، والأحياء، وعلم الأعصاب، والتعلم الآلي.

وفي إعلان الجائزة، قال الفيزيائي في جامعة استوكهولم، ورئيس لجنة نوبل للفيزياء، ثور هانز هانسون، إن الاكتشافات التي كُرمت هذا العام تظهر أن معرفتنا بالمناخ تستند إلى أساس علمي متين قائم على تحليل دقيق للملاحظات. كما يأتي هذا التكريم بمثابة تكريم لكل الجهود المبذولة في مجال دراسات التغيرات المناخية وعلوم الأرض، خاصة أنه ليس ثمة جائزة مخصصة لعلوم البيئة والجغرافيا والجيولوجيا ضمن جوائز نوبل.

عام 1975، نشر مانابي أول نموذج مناخي ثلاثي الأبعاد يربط الغلاف الجوي والمحيطات، وهو نموذج الحمل الحراري الإشعاعي للغلاف الجوي. إذ تمتص المحيطات الحرارة وثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي ويمكنها تخزينها لعدة قرون، لذا فإن التبادل أمر بالغ الأهمية لأي نمذجة طويلة المدى للمناخ. عندما استخدم مانابي النموذج لإجراء نفس تجربة مضاعفة ثاني أكسيد الكربون، وجد ارتفاعا في درجة الحرارة قدره 2.93 - وهو اكتشاف مشابه بشكل ملحوظ للإجابات التي قدمتها نماذج الكمبيوتر عالية القدرة اليوم.

بعد عقد من الزمان، ابتكر زميله الألماني، هاسلمان، نموذجه لتقلبات المناخ بناء على أعمال مانابي، وربط حالتي الطقس (قصيرة الأجل) والمناخ (طويلة الأجل) معا. وعن طريق هذا النموذج، أثبت الباحثون أن ارتفاع درجة الحرارة في الغلاف الجوي يرجع إلى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بشرية المنشأ.

التحفيز العضوي غير المتماثل
في السادس من الشهر الحالي أعلنت الأكاديمية منح جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2021 لكل من الألماني بنيامين ليست، والأميركي ديفيد ماكميلان، لابتكارهما تقنية جديدة لبناء الجزيئات عرفت باسم "التحفيز العضوي غير المتماثل"، وهي تقنية تمكن الكيميائيين والباحثين في المجالات الصيدلانية من إنتاج المركبات بشكل أسرع وبكفاءة أعلى.

المحفزات هي مواد تسرع التفاعلات الكيميائية دون أن تدخل في هذه التفاعلات، وهي أدوات أساسية للكيميائيين. وحتى عام 2000، كنا نعرف شكلين فقط من المحفزات، لكن بعد ذلك تغير كل شيء حين أفاد بنيامين ليست وديفيد ماكميلان كل منهما بشكل مستقل أنه يمكن استخدام جزيئات عضوية صغيرة، للقيام بنفس وظيفة الإنزيمات الكبيرة والمحفزات المعدنية في تفاعلات دقيقة ورخيصة وسريعة وصديقة للبيئة، وفق عضو لجنة نوبل للكيمياء بيرنيلا ويتونج ستافشيد في إعلان الجائزة.

عام 2000، قام ليست بإجراء تجربة أثبت من خلالها أن برولين الأحماض الأمينية يمكن أن يعمل كمحفز، حيث يتم ربط ذرات الكربون من جزيئين مختلفين معا، ويمكن أن يؤدي إلى تحفيز غير متماثل. في نفس الوقت تقريبا، كان زميله ماكميلان يعمل على تطوير جزيئات عضوية تقوم بالاحتفاظ بالإلكترونات أو توفيرها لفترة بسيطة، وبالتالي تحفيز التفاعلات بكفاءة.

تعتبر المحفزات العضوية أرخص في الإنتاج وأكثر استدامة من تلك التي تحتوي على معادن، لذلك بدأ سريعا العمل بهذه المحفزات في مجالات الصناعة مثل الصناعات الدوائية، إذ يمكن استخدام جزيئات عضوية صغيرة للقيام بنفس وظيفة الإنزيمات الكبيرة والمحفزات المعدنية، في تفاعلات دقيقة ورخيصة وسريعة وصديقة للبيئة.

المساهمون