"تراتيل الضياء" لحسين الجسمي: تسليع الإنشاد الديني

"تراتيل الضياء" لحسين الجسمي: تسليع الإنشاد الديني

17 أكتوبر 2022
من احتفالات المولد في القاهرة (محمد الشاهد / فرانس برس)
+ الخط -

إن استمعت إلى "يا كاملاً في الخلق"، جديد المُغني الإماراتي حسين الجسمي، من دون أن تُمعِن في الكلمات، لحسبتها في البدء شارةً غنائية لمسلسل تُركي مدبلج. فالأغنية إيقاعها أناضولي ثقيل، وحاملها اللوني هو آلة كلارينيت، تُعزَف على الطريقة التركية، أو البلقانية، التي أمست منذ زمن تقليعة عربية، عُمرها أكثر من عشرين عاماً، لعله قد آن لها الأوان، أن تذوي وتخبو، ولو قليلاً.

لكنها ليست بأغنية جماهيرية خفيفة، على الموضة، التي باتت قديمة، ولا هي شارة لمسلسل مُدَبلج، حافظ مُدبلجوه على النسخة التركية، بل إنها أنشودة دينية، من كلمات محمد عبدالله سعيد، ألحان وغناء الجسمي، وتوزيع طارق عبد الجابر. وهي واحدة من بين أنشودتين، ضمن ألبوم مدائحيّ أخير صغير، أُطلِق بالتزامن مع مناسبة ذكرى المولد النبوي، ومشاركة المُطرب الخليجي بالدورة الافتتاحية لمهرجان "البدر" للمديح الديني، الذي تُحييه إمارة الفُجيرة.

يُمثّل هذا التوجه في إنتاج المدائح الدينية، امتداداً لظاهرة عامة، تبدّت ملامحها منذ الألفية الثالثة، لها جانب تسويقي ربحي وآخر اجتماعي ثقافي. فالأنشودة/الأغنية، من حيث البصمة الموسيقية، تكاد لا تحمل أي ملامح إنشادية، وعليه، يمكن تمريرها كأي أغنية تُسمع في سيارة على طريق سريع في إحدى الدول الخليجية، أو أثناء الهرولة في مُتنزّه شاطئي عبر سماعتين تسكنان الأذنين، أو تسترهما.

اجتماعياً، ثمة انجذاب لدى الطبقة الوسطى من بين الشباب في العالم العربي، نحو مظاهر تديّن عصري، له صبغة هويّاتية، أكثر منها شعائرية، لعلها تبحث عن مدائح نبوية من نوع  جديد، جماهيرية الشكل، يمكن استهلاكها في سياقات دنيوية، بينما تحافظ لجهة الخطاب، على مضامينها الدينية.

حافظت الأغنية الأخرى من الألبوم، وهي بعنوان "ضوء وضياء"، من كلمات سعيد وألحان وأداء الجسمي، على الخصائص التقليدية للأنشودة الدينية، كما شاعت لدى المسلمين في مصر والشام، تُسمع آلة الدف الإيقاعية، التي تعرف أيضاً بالمزهر، يُضرَب عليها بإيقاعات ثنائية ورباعية، وهي مُميزة لأجواء الحلقات الصوفية، كـ "بلدي" و"أيوب"، وذلك لطابعها التسخيني، الذي عادة ما يُرافق طقوس الابتهال وطلب المدد. ميزة مدائحية أخرى هي الغناء على سلم البيات، ذي البعد المتموضع على الدرجة الثانية، ومشتقاته المقامية، لما يتميّز به البيات من أنه المقام المُفضل لدى قُرّاء القرآن ومُجوّديه.

ومع ذلك، تبدو مواكبة الموضة جليّة في "ضوء وضياء" على حدٍّ سواء. أولاً من خلال الهرمنة، أي إدخال الانسجامات السلمية على الأنشودة ذات الطابع المقامي. هنا، يقارب البيات، ليس بوصفه مقاماً يتجذّر من أربعة نغمات، وإنما سُلّم يتألف من سبع عتبات، إذ تُسمع قنطرة هارمونية مُنخفضة، تتخذ من قرار البيات أساساً سُلمياً، تنحل فيه، بعد أن تمرّ على الفاصلة الرابعة، فالسابعة، مُشكّلةً عقدة، تربط مقاطع النص على شكلٍ لولبي دائري، مُمهّدة لمجيء المقطع التالي. هكذا، تلعب القنطرة الهارمونية دوراً مشابهاً لآلة الغيتار الكهربائي في أغنية البوب، أو الروك، حين تعزف طِبقات هارمونية ثابتة ومُتكرّرة، تدعى Riffs.

أما "الفيل القابع في الغرفة"، كما يُقال، لجهة البيان والجلاء عند تلمّس مجهودات العصرنة في الإنتاج، فهي الإلكترونيات. كلتا الأنشودتين تحويان الأصوات الصناعية في أكثر من مظهر. إذ لم يعد مفهوم الموسيقى الإلكترونية يقتصر على الصوتيات ذات الطبيعة الكهربائية، التي تنتجها مُركِّبات العينات الصوتية، بل صار يتعداها إلى عناصر آلية أكثر تشكيلية، كالإيقاع في "ضوء وضياء"، الذي يتناوب على ضربه كل من الدف المُسجّل، المصنوع من خشب وجلد، وآخر مُبرمج عن طريق الحاسوب. أضف إلى هذا تصميم جوقات مرافقة، تُسمع بين الحين والآخر، وقد عولجت صناعياً، أي إلكترونياً، لجهة التلوين الصوتي ومدى الصدى المرتد عنها.

المساعي تلك، لجعل الخطاب الديني يسكن لبوساً موسيقياً يواكب العصر ليست جديدة، وإنما هي من صلب النشيد الديني، شكّلت جزءاً من تاريخه وتطوره، ذلك سواءً من حيث الشكل أو الوظيفة. من ناحية دعوية صرفة، عندما يُنقَل الخطاب الديني على متن أغنية شائعة، أو تلك التي يُحاكي لحنها الجماهيري الشائع، من شأن ذلك، أن يخترق الذائقة العامة نحو نفوس أكبر عدد من المستمعين. وعى المنشدون في الشام تلك المسألة جيداً، وتبّنوها من خلال غنائهم "القدود" في حلب، وهي أغان شائعة، تُسحب نصوص كلامها، ثم تُستبدل بنصوص مدائحية، ما يُسهّل من عملية الوصول إلى الناس والتأثير بهم، من خلال لحن يألفونه، أو حتى يحفظونه.

ثم إن الطبيعة بالغة التجريد للموسيقى كوسيط تعبيري، تجعل من الحدود تسيل بين الديني والدنيوي، لا يخثّرها سوى النص، أو المضمون الخطابي. من هنا، سلك، بدايةً، كثيرٌ من أعلام الطرب في العالم الإسلامي، أول القرن العشرين، طريقي المديح النبوي والتجويد القرآني، إرضاءً لشغفهم بالغناء ووصولاً إلى تحقيق طموحهم باحتراف الموسيقى، بحيث لا يقودهم حبهم لها وهوسهم بها نحو الاصطدام بمعتقدات المتزمّتين من أفراد العائلة، في مجتمع مسلم مُحافظ.

موسيقى
التحديثات الحية

من جهة أخرى، أحيا معظم المطربين الذين نشأوا في بيئة الإنشاد الديني، سهرات الطرب والسمر، غنوا خلالها قصائد الحب والغزل، مُسخّرين حناجرهم الصدّاحة لمُختلِف أشكال الحب، من الحسي الشاعري، أو القدسي الإلهي. مع ذلك، حريّ بالأنشودة الدينية أن تنشد عمقاً في الصياغة يتناسب مع الموضوع الروحاني الذي تتناوله، فلا تتناهى كشارة مسلسل تركي مُدَبلج، أو أغنية جماهيرية عابرة.

في الماضي، لعب الاقتصاد في العناصر الإنتاجية العامل المميز للابتهال الديني عن باقي ألوان الغناء والعزف التقليدية، كالأدوار والموشحات. إذ قلّما أدخلت الآلات الموسيقية إلى الابتهالات، لكي يُكتفى فيها بالغناء، فرداً أو جماعة، مرافَقاً بالضرب على الدف. اليوم، قد تؤدي الوفرة المتاحة لجهة العناصر الإنتاجية، من آلات موسيقية صوتية وإلكترونية، والتي يمكن لها أن تكون ظاهرة حميدة، إن أُحسن توظيفها، إلى تسليع المديح النبوي بدلاً من إغنائه.

المساهمون