مبيعات مكثفة للشيكل الإسرائيلي تهدد احتياطي النقد الأجنبي

مبيعات مكثفة للشيكل تهدد احتياطي النقد الاجنبي بإسرائيل

20 أكتوبر 2023
القلق يسيطر على التعامل في بورصة تل أبيب (getty)
+ الخط -

يصعب احتساب أخطار الحرب الشرسة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة في الوقت الراهن على مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي أو العالمي، وذلك لأن هنالك سيناريوهات عديدة تتداولها شبكات الإعلام ومراكز البحوث حول مدة استمرار العملية العسكرية، وهل ستنفذ إسرائيل عملية برية على القطاع أم لا، وهل ستتوسع الحرب لتشمل أطرافاً ودولاً خارج غزة؟
حالة اللايقين هذه تجعل من الصعوبة حساب الخسائر المتوقعة من الحرب، سواء على الاقتصاد الإسرائيلي أو حتى العالمي الذي قدره بعض الخبراء بنحو تريليون دولار، والمؤكد أن الحرب ستغير الخريطة الجيوسياسية في المنطقة وفي مراكز النفوذ العالمي.
لكن ما يؤكده خبراء المال والاستراتيجيات الدولية، هو أن الحرب الجارية حالياً على قطاع غزة تعد كارثة استراتيجية. فهي حرب وجود بالنسبة لأهالي غزة، كما ستكون لها تداعيات خطيرة على مستقبل إسرائيل وتحالفاتها السياسية في المنطقة العربية.
في هذا الصدد، يرى محللون أن هنالك ثلاثة تداعيات رئيسية ربما تفرزها هذه الحرب. وستشمل هذه التداعيات: الاقتصاد العالمي الذي يعاني من الهشاشة في الوقت الراهن، وأمن الطاقة العالمية وإمداداتها وأسعارها المرتفعة، والنظام المالي والنقدي العالمي الذي يعاني حالياً من أزمة ارتفاع عائد سندات الديون والفائدة المرتفعة والفشل في حسم داء التضخم. كما أن خسائر هذه الحرب ربما تمتد لتطاول معادلات النفوذ السياسي وموازين القوى العالمية الحالية وفق مراقبين.
على الصعيد الإسرائيلي، حتى الآن لا توجد خريطة لمسار الحرب، ويرى البروفسور في جامعة جورج تاون بواشنطن مايكل لينش، في تحليل بمعهد "مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي، إن الحرب ستكون مكلفة جداً بالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي والعلاقات التجارية التي بنتها إسرائيل مع دول المنطقة العربية.

ويشير لينش إلى أن الذين يحثون إسرائيل على غزو قطاع غزة بريا يدفعونها نحو كارثة استراتيجية، وهو ما يتفق مع رأي العديد من المؤسسات العسكرية. في ذات الصدد، يوصي مصرف "سيتي بنك" باتخاذ مراكز قصيرة الأجل على الشيكل هذا الأسبوع، محذراً من أن التكاليف المرتبطة بالحرب قد تتصاعد قريباً، وأن البنك المركزي الإسرائيلي (بنك إسرائيل) قد يضطر إلى خفض أسعار الفائدة في وقت أقرب مما كان متوقعاً. وحتى الآن، استنزف بنك إسرائيل جزءاً كبيراً من احتياطياته البالغة 200 مليار دولار في دعم الشيكل المنهار.
من جانبه، يرى بنك هبوعاليم الإسرائيلي أن كلفة العملية العسكرية على غزة وحدها قد تكلف الخزينة الإسرائيلية نحو 6.8 مليارات دولار، ولكن الكلف الاقتصادية الأخرى التي ستطاول الاقتصاد الإسرائيلي والثقة الاستثمارية بأدواته المالية لا يمكن حسابها في الوقت الراهن، لدرجة أن بعض وكالات التصنيف العالمية أجلت إصدار تصنيف للاقتصاد الإسرائيلي ووضعت الاقتصاد في الخانة السلبية.
وتقدر الخسائر الإسرائيلية منذ بدء عملية "طوفان الأقصى" بعشرات المليارات من الدولارات، فالبنك المركزي الإسرائيلي تدخل في سوق الصرف بنحو 45 مليار دولار حتى الآن في محاولة فاشلة لمنع العملة من الانهيار، وهو في حيرة حالياً حول مسار السياسة النقدية السليمة التي تحفظ التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية الأصول الإسرائيلية المقومة بالشيكل.
في هذا الصدد، يقول تحليل لشركة" تي راو برايس" الأميركية للاستثمار إنه في أعقاب عملية "طوفان الأقصى"، تراجع سعر صرف الشيكل مقابل الدولار بمعدلات حادة، متجاوزًا عتبة 4 شيكلات لكل دولار للمرة الأولى منذ عام 2015. وكانت عمليات البيع بأسعار سندات الحكومات المحلية الإسرائيلية متواضعة نسبيًا.
ويتوقع التحليل رد فعل مماثل في أسواق السندات الحكومية، وحتى بداية هذا الأسبوع، لم تتمكن إسرائيل من جمع تمويلات خارجية تذكر في الأسواق الدولية رغم الدعم الأميركي والأوروبي لها.
وحسب بيانات نشرة "غلوبس" الإسرائيلية، جمعت إسرائيل أكثر بقليل من 200 مليون دولار. من جانبها، وضعت وكالة فيتش الاقتصاد الإسرائيلي تحت مراقبة التصنيف السلبي. ولكن خبراء يرون أن الحرب قد ترفع من علاوة المخاطرة في أسواق المال الإسرائيلية، كما أن الثقة الاستثمارية بالاقتصاد الإسرائيلي ستواصل الاهتزاز.
ويشير خبراء إلى أن التجار رفعوا من حجم رهاناتهم ضد الشيكل الإسرائيلي في تعاملات أمس الخميس، ما زاد الضغط على البنك المركزي الإسرائيلي لإبقاء أسعار الفائدة من دون تغيير وتحقيق الاستقرار في العملة، على الرغم من تكلفة الحرب التي تلوح في الأفق على الاقتصاد.
فشل بنك إسرائيل في وقف تهاوي الشيكل رغم إعلانه عن ضخ 45 مليار دولار في الأسواق. ولا تزال الحيرة تسيطر على البنك المركزي، بشأن السياسة النقدية التي يمكن اتخاذها لاستعادة التوازن للشيكل المنهار في سوق الصرف الأجنبي. ومن المقرر أن يعقد بنك إسرائيل اجتماعاً للجنة سياسته النقدية يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، لاتخاذ قرار بشأن أسعار الفائدة على عملته المحلية، الشيكل.
وبفعل تطورات الحرب على قطاع غزة، يتوقع محللون في بورصة تل أبيب أن يقدم البنك على خفض أسعار الفائدة، وهو قرار اتخذه البنك آخر مرة في إبريل/نيسان 2020 لمواجهة تبعات جائحة كورونا.
ووفقًا لأبحاث دويتشه بنك، ارتفعت المراكز المكشوفة، أي الرهانات على ضعف العملة، بشكل حاد في الأسبوع الذي أعقب عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول إلى أعلى مستوى منذ يناير/كانون الثاني من العام 2022.

في هذا الصدد، قالت المحللة الاستراتيجية للعملات في "دويتشه بنك" روهيني غروفر: "في هذا العام، وصلت المراكز المكشوفة على الشيكل إلى مستوى غير مسبوق". وأضافت أنه خلال الأسبوعين الماضيين، ارتفعت الرهانات مقابل الشيكل أكثر من أي عملة أخرى يتتبعها البنك.
وحسب البيانات المالية في سوق الصرف الإسرائيلية، تراجع الشيكل بنسبة 3.8% مقابل الدولار منذ تدخل إسرائيل في أسواق الصرف في 9 أكتوبر/ تشرين الماضي، كما تراجع بنسبة 4.8% منذ عملية " فيضان الأقصى".
ويضع التراجع الحاد في صرف الشيكل بنك إسرائيل في مأزق. فمن ناحية، من المرجح أن تلجأ وزارة المالية الإسرائيلية إلى تحفيز الاقتصاد من خلال خفض تكاليف الاقتراض في مواجهة صدمة النمو، في حين أنها من ناحية أخرى، ستكون حذرة من تداعيات ضعف العملة على ارتفاع أسعار السلع المستوردة.
في هذا الصدد، قال ليام بيتش، كبير الاقتصاديين الخبير في مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس": "إن بنك إسرائيل يشعر بالقلق بشأن ضعف العملة الذي يغذي التضخم". "لكنه يدرك كذلك أنهم إذا حاولوا دفعها في اتجاه معين، فقد ينتهي بهم الأمر إلى حرق احتياطياتهم".
ويغطي احتياطي العملات الأجنبية لدى بنك إسرائيل أكثر من عامين من واردات إسرائيل في ظل الظروف العادية، واستناداً إلى توقعات صندوق النقد الدولي لعام 2022، سيصل إلى أربعة أضعاف إجمالي متطلبات التمويل للبلاد. ولدى بنك إسرائيل احتياطيات من النقد الأجنبي تقدر بنحو 200 مليار دولار حتى بداية أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.
وقال محلل العملات في بنك،"أم يو أف جي"، لي هاردمان: "إنه حتى لو ارتفعت المراكز القصيرة، فهذا لا يمنع الشيكل من الضعف أكثر". وأضاف: "نحن بحاجة إلى رؤية تراجع في التصعيد بالحرب أو رؤية رفع مفاجئ لأسعار الفائدة من البنك المركزي حتى ترتفع العملة".
على الصعيد الدولي، تتركز المخاوف الإسرائيلية من حرب غزة على النفط ومستقبل أسعاره، كما تتركز كذلك على خطط إسرائيل المستقبلية الرامية لدمج اقتصادها في اقتصادات المنطقة، وكذلك على خسارة مشروع الممر الاقتصادي الهندي الخليجي الذي خطط له تل أبيب أن يمر عبر حيفا إلى أوروبا. وهو ممر كانت تعول عليه إسرائيل في التمدد الاقتصادي عالمياً، وأن تصبح وسيطاً في نقل النفط العربي إلى أوروبا، وبالتالي ضرب قناة السويس كممر لا غنى عنه في التجارة العالمية، وكذلك ضرب مضيق هرمز الذي تمر فيه نحو 17.5 مليون برميل يومياً.
ولا يستبعد محللون أن تقود الحرب ضد قطاع غزة تلقائياً إلى خسارة تل أبيب علاقاتها التجارية مع بعض الدول العربية التي وقعت معها معاهدات سلام. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يأمل تمدد العلاقات الإسرائيلية في كامل دول المنطقة وتجاوز القضية الفلسطينية، وفقاً للخطاب الأخير الذي ألقاه في الأمم المتحدة في نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي. ويرى نتنياهو أن أمن إسرائيل يمر عبر زرع الفوضى في المنطقة العربية والضغط عليها اقتصادياً عبر المؤسسات المالية الدولية، وبالتالي إفقار شعوبها. ولكن محللون يرون أن هذه الحرب ربما تثبت لتل أبيب عكس ذلك وتغير الكثير في علاقات دول المنطقة مع إسرائيل.

المساهمون