الحرب تعمق ورطة الاقتصاد الإسرائيلي ... تضخم مرتفع وعجز متزايد

الحرب على غزة تعمق ورطة الاقتصاد الإسرائيلي ... تضخم مرتفع وعجز متزايد

19 أكتوبر 2023
مؤشرات أسواق الأسهم في تل أبيب تتراجع وسط استمرار الحرب (فرانس برس)
+ الخط -

بعد مرور قرابة أسبوعين من بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بدأت تتكشف الأثمان الاقتصادية التي سيدفعها الاقتصاد الإسرائيلي، لا سيما أن إسرائيل تدخل هذه الحرب بوضع اقتصادي متردٍ بالأساس.

وعادة ما يكون للحروب الإسرائيلية أثر اقتصادي كبير، سلبا أو إيجابا. فعلى سبيل المثال أدت حرب 1967 إلى نمو اقتصادي وتحول كبير في الاقتصاد الإسرائيلي، وبداية ضخ المساعدات الاقتصادية الهائلة من الولايات المحتدة، بينما أدت حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 إلى ركود وتراجع كبير في إسرائيل.

بالمقابل لم تؤد الحروب الإسرائيلية على غزة في العقدين الأخيرين إلى أضرار اقتصادية بالغة واستطاع الاقتصاد تخطي تكاليف تلك الحروب، بسبب فتراتها الزمنية القصيرة وعدم تضرر الجبهة الداخلية بشكل جدي. أما الإسقاطات الاقتصادية المتوقعة للحرب الحالية على غزة، فستكون مختلفة وستكبد الاقتصاد الإسرائيلي ضررا بالغا وتكلفة عالية.

وتخوض إسرائيل هذه الحرب بوضع اقتصادي متردٍ نتيجة التصدع السياسي في المجتمع في العام الأخير، والتراجع في الاقتصاد العالمي، وسط ارتفاع التضخم وزيادة أسعار الفائدة، نتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا.

وقد تراجعت عدة مؤشرات اقتصادية خلال العام الحالي نتيجة الاحتجاجات ضد الخطة الحكومية لتقييد لقضاء، منها تراجع الاستهلاك وسط التضخم ورفع سعر الفائدة البنكية وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وتراجع قطاع العمال، وارتفاع عجز الميزانية الحكومية.

وقدرت صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية في يونيو/ حزيران الماضي، خسائر الاقتصاد الإسرائيلي منذ يناير/ كانون الثاني بقرابة 150 مليار شيكل (حوالي 37.5 مليار دولار) بسبب خطة تقييد القضاء.

ومن المتوقع أن تفاقم الحرب على غزة الضرر الاقتصادي بسبب الآثار السلبية للحرب، وأن تكون واسعة وتطاول جوانب اقتصادية عديدة.

تراجع النمو الاقتصادي

الحرب الحالية أدت إلى شل الحركة الاقتصادية في جنوب إسرائيل بشكل كامل، وأدت إلى شلل جزئي في منطقة الشمال وتوقف فروع اقتصادية بالكامل أو بشكل جزئي في بقية المناطق، خاصة فروع الترفيه، وتعطيل شبه كامل لفرع السياحة، وتراجع البناء بسبب منع إدخال عمال فلسطينيين من غزة والضفة.

كما جندت إسرائيل قرابة 360 ألف جندي من قوات الاحتياط، ما يعني خروج هؤلاء من أسواق العمل لمدة غير محددة.

كل هذا يؤدي إلى تراجع الاستهلاك الخاص والاستثمارات، مما يدفع إلى انخفاض النمو الاقتصادي في الربع الأخير من العام الجاري 2023، فالعديد من الشركات والفعاليات الاقتصادية مغلقة ولا يغادر الناس منازلهم إلا بالكاد.

والتوقعات الحالية تتحدث عن تراجع النمو في العام الجاري من 3% وفقا للتقديرات الحالية إلى 2%، وتراجع توقعات النمو لعام 2024 من 3% الى قرابة 1.7%.

بالمقابل من المتوقع أن يخفف الارتفاع في مصروفات الحكومة نتيجة الحرب وحدة التراجع في النمو الاقتصادي، منها تمويل معاشات قرابة 360 ألف جندي احتياط، وزيادة المشتريات الحكومية المباشرة للحرب، المدنية والعسكرية.

ارتفاع عجز الميزانية

من المتوقع أن يرتفع العجز في ميزانية الحكومة نتيجة تراجع النمو الاقتصادي والاستهلاك، ما من شأنه أن يلحق ضرراً شديداً بجانب الإيرادات الحكومية، خاصة من الضرائب، ونتيجة لارتفاع مصاريف الحكومة لتغطية تكاليف وخسائر الحرب وإعادة الإعمار، خاصة في منطقة الجنوب، بحيث بلغت قيمة الضرر المدني في بلدات الجنوب وفقا تقديرات أولية قرابة 6 مليارات شيكل (قرابة 1.5 مليار دولار) لغاية الآن.

كما ستكون هناك حاجة إلى تمويل المصاريف العسكرية للحرب، واستكمال مخزون المعدات والسلاح والذخيرة، وبالطبع إضافة كبيرة لميزانية وزارة الأمن على أثر الحرب.

وفقا لمعطيات وتقديرات وزارة المالية، قبل اندلاع الحرب، كان متوقعا أن يصل العجز في الميزانية الحكومية في العام الحالي إلى 1.3% من الناتج المحلي، وفي العام 2024 قرابة 1.1%، أما بعد اندلاع الحرب فمن المتوقع أن يصل العجز في العام الحالي إلى 2.5% وفي 2024 إلى قرابة 5%.

التضخم المالي

شهد العام 2023 ارتفاعا في التضخم المالي في إسرائيل، وكانت التوقعات أن يصل إلى قرابة 4%، مما دفع محافظ بنك إسرائيل المركزي الى رفع الفائدة البنكية الأساسية عدة مرات في العام الأخير لتصل إلى قرابة 4.5%، بعد أن لامست الـ 0.5% في العقد الأخير.

وللحرب على غزة تأثيرات متناقضة على التضخم المالي، فمن جهة هناك عوامل تدفع إلى تراجع التضخم، أهمها انخفاض الاستهلاك العام والركود الاقتصادي المتوقع بعد الحرب.

لكن من جهة أخرى من المتوقع أن يستمر تراجع سعر صرف الشيكل مقابل الدولار، أي ارتفاع أسعار السلع والخدمات المستوردة، وأن تؤدي الحرب إلى نقص في العديد من المنتجات الزراعية بسبب تركيز الفروع الزراعية الإسرائيلية في منطقة الجنوب، ومن هنا ارتفاع أسعار الخضار والفاكهة، وكذلك توقعات بارتفاع عالمي لأسعار النفط مما سيؤدي الى ارتفاع أسعار المحروقات في إسرائيل.

هذه العوامل المتناقضة ستخلق ضغوطاً باتجاه تضخم مالي في المديين القريب والمتوسط، لذلك من المتوقع أن تستمر معدلات التضخم المرتفعة نسبياً في الاقتصاد عام 2023 و2024 وأن تبقى في حدود الـ 3%.

على الرغم من ذلك من المتوقع أن يبدأ بنك إسرائيل بخفض الفائدة البنكية الأساسية، ولو بجرعات صغيرة، بغية تخفيف النتائج الاقتصادية السلبية في الاقتصاد ومواجهة احتمال الركود، وتوفير مصادر تمويل للشركات لمواجهة نتائج الحرب، وتخفيف العبء على المواطنين.

من الواضح أنه من الصعوبة بمكان تقدير تكلفة الحرب وإسقاطاتها الاقتصادية في هذه المرحلة، وهي متعلقة بتطورات المعارك على الأرض وفترتها الزمنية، ناهيك عن إمكانية فتح جبهة ثانية في الشمال، الأمر الذي سيغير كافة التقديرات.

فمع بداية الحرب تراجعت مؤشرات أسواق الأسهم في تل أبيب، وارتفع سعر صرف الدولار، وتعطل الاقتصاد في الجنوب بشكل كامل.

ووفقا لتقديرات وحدة الأبحاث في بنك "هبوعاليم"، وبناءً على تجارب حروب سابقة، خاصة حرب لبنان الثانية عام 2006، قد تصل تكلفة الحرب الحالية الى قرابة ثلاثين مليار شيكل (قرابة 7.5 مليارات دولار)، أي قرابة 1.5% من الناتج المحلي الإسرائيلي، وفقا لتقديرات أولية.

الأمر الذي سيزيد من تعلق الاقتصاد الإسرائيلي بمساعدات أميركا والجاليات اليهودية الأميركية لإخراج إسرائيل من ورطتها الاقتصادية.

المساهمون