لماذا تتهرّب الأموال الخليجية من البلدان العربية؟

27 يونيو 2023
+ الخط -

خلال السنوات الماضية وسعت الصناديق السيادية الخليجية دائرة استثماراتها حول العالم، وضخت مئات المليارات من الدولارات في شرايين قطاعات وأنشطة دولية متنوعة.

وحظيت الولايات المتحدة وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي بنصيب الأسد من هذه الاستثمارات سواء كانت مباشرة وفي مشروعات نفط وغاز وطاقة وخدمات مالية وتكنولوجيا معلومات، أو إنتاجية أو خدمية أو عقارية، أو غير مباشرة مثل الودائع المصرفية والاستثمارات في البورصات وأسواق المال وأذون الخزانة والسندات.

ورأينا كيف تدفق المال الخليجي لشراء أصول غربية، ورأينا استثمارات خليجية ضخمة في أسهم شركات وبنوك وفنادق ومتاجر ومصانع كبرى؛ "أمازون"، "ألفابيت، "جيه بي مورغان"، "سيتي بنك"، "كريدي سويس"، "فولكس فاغن"، "تويتر" وغيرها من شركات العالم.

اجمالي الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة تجاوز 800 مليار دولار، والكويتية 400 مليار، والقطرية 60 ملياراً، والإمارتية 45 ملياراً

كما ضخت تلك الصناديق استثمارات ضخمة في قطاع الرياضة العالمي، حيث نجد استحواذات على أندية أوروبية مرموقة منها "مانشستر سيتي" و"باريس سان جيرمان" و"نيوكاسل يونايتد" وغيرها.

ويكفي القول إن إجمالي الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة تتجاوز 800 مليار دولار، والإمارتية 45 مليارا، في حين تبلغ قيمة استثمارات "جهاز قطر للاستثمار" نحو 60 مليار دولار منها استثمارات حالية ومستقبلية تتوزع على مختلف القطاعات على رأسها قطاع العقارات.

وفي العام 2017 قدّرت الكويت استثماراتها داخل الولايات المتحدة بنحو 400 مليار دولار، وهذا الرقم قد يكون زاد عن هذا المستوى مع التدفقات النقدية على الكويت والناتجة عن زيادة أسعار النفط.

ومؤخراً، توجهت الصناديق الخليجية شرقاً، إذ استثمرت مليارات الدولارات في الصين والهند وكوريا الجنوبية وسنغافورة واليابان وأستراليا وغيرها من الدول الصاعدة، وحتى إندونيسيا وماليزيا وباكستان وتايلاند حظيت بنصيب من الاستثمارات الخليجية. كما امتدت تلك الاستثمارات إلى دول بأميركا اللاتينية وآسيا الوسطى وجنوب شرق أسيا.

ومع تدفق السيولة النقدية الضخمة على الصناديق السيادية الخليجية جراء قفزات أسعار النفط والغاز عقب اندلاع حرب أوكرانيا تراكمت الفوائض المالية لديها لتتجاوز 3 تريليونات دولار، فضلاً عن احتياطيات أخرى بالنقد الأجنبي تتجاوز مئات مليارات الدولارات.

وهذه المبالغ كافية لقيادة الاقتصاد العالمي في الفترة المقبلة، وتمويل المشروعات الكبرى حول العالم، ومعالجة أزمات السيولة لدى عشرات الدول.

تراكمت لدى الخليج الفوائض المالية لتتجاوز 3 تريليونات دولار، فضلاً عن احتياطيات أخرى بالنقد الأجنبي تتجاوز مئات المليارات من الدولارات

وقبلها النهوض باقتصاديات دول الخليج، وتحسين مستوى دخل المواطن، بل وتحقيق الرفاهية له، إذا ما تم حسن إدارتها واستثمارها وتوظيفها بشكل كفء، وليس توجيهها لتمويل حروب أهلية وانقلابات عسكرية في دول المنطقة، وتحقيق مغامرات سياسية ومصالح شخصية ضيقة.

لكن الملفت في الأمر أنه رغم توسع الصناديق الخليجية اللافت عالمياً، فإنها في المقابل لا تحبذ كثيراً الاستثمار في المنطقة العربية، وتفضل الاستثمار في الأصول الغربية والودائع وأدوات الدين الحكومية، أو حتى في شكل سيولة لدى البنوك الأميركية والسويسرية والبريطانية.

وحتى عندما تستثمر جزءاً ضئيلاً من أموالها في دول المنطقة العربية، فإنها تضع عشرات من الشروط والإملاءات والمحاذير، وتقدم رِجلا وتؤخّر الثانية، وتحاول جاهدة توفير الضمانات المالية والقانونية لهذه الاستثمارات.

ظاهرة عزوف الصناديق الخليجية وفوائض الخليج المالية عن الاستثمار في المنطقة العربية تجب دراستها بعناية وعمق وموضوعية، فلمَ لا تفضّل هذه المنطقة مع وجود كل المقومات فيها من فرص استثمار جذابة ومربحة وأيدٍ عاملة رخيصة وموقع استراتيجي.

ظاهرة عزوف الصناديق الخليجية وفوائض الخليج المالية عن الاستثمار في المنطقة العربية تجب دراستها بعناية وعمق وموضوعية

هل يعود السبب إلى زيادة المخاطر الجيوسياسية، وعدم وجود استقرار سياسي وأمني حقيقي داخل دول العديد من دول المنطقة، أم لأسباب أخرى، منها عدم استقرار أسواق الصرف وغلاء مدخلات الإنتاج، وزيادة منسوب الفساد والمحسوبية والضرائب؟

أم لأن لدى بعض القائمين على إدارة هذه الفوائض المالية رغبة في أن تظل شعوب المنطقة في حال تخلف وفقر وبطالة وغارقة في العشوائيات والغلاء حتى يسهل السيطرة عليها سياسياً وأمنياً؟

المساهمون