عمال فلسطين يكتوون بنار المشغّل الإسرائيلي وضعف السلامة المهنية

العمال الفلسطينيون يكتوون بنار المشغّل الإسرائيلي وضعف السلامة المهنية

01 مايو 2023
معظم العمال الفلسطينيين لا يحملون تصاريح دخول للمناطق المحتلة (العربي الجديد)
+ الخط -

اتصال هاتفي تلقاه أمجد غنام (اسم مستعار) من إحدى قرى مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية المحتلة ظهيرة الثالث عشر من فبراير/ شباط الماضي، من شخص لا يتحدث العربية بطلاقة من رقم خاص، أبلغه فيه أن أخاه نائل (48 عاماً) الذي يعمل في ورشة بناء في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 قد أصيب بجراح خطيرة، بعدما سقط من ارتفاع خمس طبقات، وجرى نقله إلى مستشفى في مدينة الناصرة، وأغلق الخط.

لم يدر غنام ماذا يفعل. اتصل على الرقم الذي يحمله نائل فوجده مغلقاً، فاتصل بجار لهم يعمل معه في الورشة ذاتها، فكانت الصاعقة حيث أبلغه بنبأ وفاة أخيه، ومع ساعات المساء كان قد ووري الثرى في مقبرة القرية، تاركاً خلفه ثمانية أبناء، أصغرهم لا يزال رضيعاً.

يقول لـ"العربي الجديد": "كان أخي يعمل في الداخل منذ عدة سنوات، بعدما فقد عمله في الضفة الغربية جراء جائحة كورونا، وهو لا يملك تصريحاً رسمياً بالعمل في الداخل أسوة بعشرات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني الذين يدخلون من الطرق الالتفافية إلى هناك من أجل لقمة العيش المغمسة بالدم والذل. هو معيل لأسرة كبيرة، وعليه التزامات مالية لابنه الجامعي، وكان من المقرر أن نحتفل هذا الصيف بزفاف ابنته الكبرى".

وأشار إلى أن "المشغّل الإسرائيلي تهرب من المسؤولية، مدعياً أن أخي لم يكن ملتزماً بشروط السلامة رغم الطلب منه ارتداء الملابس الواقية وربط نفسه بالحزام، خاصة أن ذلك اليوم كان يشهد رياحاً شديدة، وللأسف، فقانون العمل الإسرائيلي كما أبلغتنا جهات عديدة لا يحمي العمال "غير القانونيين" الذين يعملون في الداخل المحتل دون أوراق رسمية".

العمال الفلسطينيين (العربي الجديد)
دعوات لإقرار قانون فلسطيني عصري للصحة والسلامة المهنية

ووفق إحصائية رسمية لاتحاد نقابات عمال فلسطين وصلت إلى "العربي الجديد"، فقد قضى 35 عاملاً فلسطينياً وأجنبياً منذ الأول من يناير/ كانون الثاني وحتى الثلاثين من إبريل/ نيسان 2023، في ظروف مختلفة، منهم 4 في سوق العمل بالضفة وقطاع غزة، و3 أثناء محاولتهم الوصول إلى أماكن عملهم، لكن الرقم الأكبر تمثل في وفاة 27 عاملاً أثناء عملهم في الداخل المحتل، ومعظمهم في الأعمال الخطرة كورش البناء ومعامل الحجر والمصانع الكيميائية.

وقضى 93 عاملاً في سوقي العمل الإسرائيلي والفلسطيني خلال عام 2022، من بينهم 6 عمال، استشهدوا بعد إصابتهم برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي وهم يحاولون الوصول إلى أماكن أعمالهم في الداخل، أو في المستوطنات.

أرقام وإحصائيات

ووفقاً لجهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، فإن عدد العاملين في فلسطين بلغ نحو 1,133 مليون عامل؛ بواقع 655 ألفاً في الضفة الغربية، و285 ألفاً في قطاع غزة، و193 ألف عامل وعاملة بالأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وفي المستوطنات المقامة في الضفة الغربية، نصفهم تقريباً يعملون في السوق الإسرائيلية السوداء.

كما أن غالبيتهم لا يحملون تصاريح دخول للمناطق المحتلة عام 1948، أو يحملون تصاريح بحث عن عمل، أو تصاريح تجارية، أو تصاريح لغايات زيارة المشافي والمحاكم، وغير ذلك من أنواع التصاريح التي تصدرها المخابرات الإسرائيلية.

ويضطر آلاف العمال الفلسطينيين لاستخدام ما يعرف بـ "الفتحات"- الثغرات- الموجودة في جدار الفصل العنصري، بسبب امتناع الاحتلال عن منحهم تصاريح عمل، ما يعرّض حياتهم للخطر، جراء ملاحقتهم من جنود الاحتلال الإسرائيلي.

وقد استشهد عدد منهم برصاص الاحتلال، كما أصيب آخرون جراء إطلاق النار عليهم، فيما يجري دوماً شن عمليات اعتقال جماعية للعمال، ونقلهم للسجون وتغريمهم مبالغ مالية طائلة بحجة الدخول دون موافقة، حتى أن أماكن العمل تتعرض للمداهمة والتفتيش بحثاً عنهم.

تحديات الاحتلال

والعمال الذين يمتلكون التصاريح اللازمة ليسوا بعيدين عن هذه المعاناة؛ حيث يجبرهم الاحتلال على الانتظار على الحواجز العسكرية والمعابر لساعات طويلة منذ ساعات الفجر؛ ما يتسبب لهم بضغوطات كبيرة أسفرت في مرات عديدة عن وفاة بعضهم إثر نوبات قلبية، وفق ما يؤكده الأمين العام لاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين شاهر سعد في حديث لـ"العربي الجديد".

وأضاف سعد أن "الكثير من أرباب العمل والمشغّلين الإسرائيليين يتعمد عدم اتخاذ إجراءات السلامة العامة للعمال الفلسطينيين؛ ما يرفع عدد الوفيات والإصابات في صفوفهم باستمرار، وتواجه طبقة العمال صعوبات وتحديات، وأبرزها سماسرة التصاريح الذين يستغلون الحاجة، ويرغمون الباحثين عن لقمة عيش على دفع مبالغ مالية كبيرة".

العمال الفلسطينيين (العربي الجديد)
عدد العاملين في فلسطين بلغ نحو 1,133 مليون عامل

ويتابع سعد: "هنا يأتي دور النقابات العمالية بتوعية العمال بحقوقهم، وكذلك الشق القانوني عن طريق متابعة مشاكلهم، وتفعيل الشكل القانوني برفع دعاوى قانونية على دولة الاحتلال بأشكال متعددة ضمن محامين ومستشارين مختصين، وأمام منظمة العمل الدولية وسواها، بشأن الانتهاكات التي يتعرضون لها خلال ذهابهم للعمل، أو وجودهم في مناطق عملهم".

فرص عَمل قاتلة

أظهرت "ورقة الحقائق" التي أصدرها الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، حول وفيات العمال الفلسطينيين عام 2022، وجاءت تحت عنوان "فرص العَمل القاتلة المُفضية إلى اليُتم"؛ أن فرص العمل التي يحظى بها العمال الفلسطينيون ليست كباقي الفرص، كونها محفوفة بالمخاطر العديدة، وجلها مفضية إلى العذاب الذي قد ينتهي بالموت.

ودعت الورقة إلى أن يصار إلى رفع القيود عن النشاط الاقتصادي الفلسطيني، وتغيير تدابير الوصول الفلسطيني إلى المنطقة (ج) لكونها الحيز التنموي الوحيد أمام الفلسطينيين، لتحقيق تنميتهم المنشودة، وإقامة دولتهم المترابطة جغرافياً، وقادرة على الصمود والحياة.

كما طالبت الورقة بمنح الاقتصاد الفلسطيني ما يحتاجه من دافعيات، وأسباب للتقدم والنمو، ومنها إعادة ربط اقتصادات الضفة الغربية وقطاع غزة، وإزالة القيود والتأخيرات التي تؤثر سلباً على الجهود الإنسانية والإنمائية، وعلى قطاعات مهمة في الاقتصاد.

وشددت على ضرورة عدم التوقف عن مطالبة حكومة الاحتلال بتحويل المستحقات المالية المتراكمة لديها، من استقطاعات ضريبة الدخل عن العمال الفلسطينيين لديها؛ مع كشوف واضحة بأسماء المستقطعة منهم أجورهم ورواتبهم، وإعادة الاعتبار لهذه المستحقات كجزء أساسي من أموال المقاصة، كما ينص بروتوكول باريس الاقتصادي.

ومن المطالب أيضا دعوة المؤسسات الدولية ذات العلاقة، لممارسة ما يكفي من الضغوط على الحكومة الإسرائيلية لمعاملة العامل الفلسطيني كما تعامل العامل الإسرائيلي، وزيادة عدد المراقبين على منشآت العمل في سوق العمل الإسرائيلي، وتزويد العمال الفلسطينيين بما يلزمهم من معدات وأدوات السلامة والصحة المهنية، ومنح كل عامل فلسطيني منظم تأمينا صحيا مماثلا للتأمين الصحي الذي يحمله العامل الإسرائيلي، لحمايته من حوادث وإصابات العمل ومن أمراض المهنة.

وعلى الصعيد الداخلي، طالبت الورقة السلطة الفلسطينية بإنشاء مشاريع استثمارية داخل مناطق نفوذها لتوفير فرص عمل جديدة للشباب والشابات والخريجين، والمساهمة في تأمين دخل مستقل ومستدام بمعزل عن القيود الإسرائيلية، وإقرار قانون فلسطيني عصري للصحة والسلامة المهنية.

وكذلك، تعزيز دوائر التفتيش وحماية العمل والعمال، بما يشمل إدارة السلامة والصحة المهنية وتحسين ممارسات المفتشين وإجراءات التفتيش الحديثة، وفقاً للمعايير الدولية.

المساهمون